الغرفة المجاورة
كما يتشقق الجدار و تتفرع الصرخات داخلَهُ، كما يوحي لك صوت ما بماء بارد ينزل بين كتفيك، و كما تسمع صوت كيانك يتكسر في أذنيك، كان "راهب" و هو صغير يراقب تلك الغرفة المغلقة دوما التي كانت تتسلل إليها أمه في الليل لتتركه وحيدا في فراشه، في بيت خال إلا منهما فيتلبس به الخوف و يختفي داخل غطاء فاخر لا دفء فيه منتظرا عودتها بعيدةَ المنال.
كان ينتظر حتى ساعة متأخرة حيث تتسلل إلى فراشهما بشعر يفوح منه عطر رجالي و تبغ و عرق فيتصلب في مكانه لحظات كأنها الأبد و هي تقبل شعره الناعم و تطمئن على نوم لا تقطعه يقظة جارحة.
لم يعرف أباه فقد مات –أو هكذا قيل له- في حادث سيارة و ظَلّ الرجل في حياته عالما غامضا محاطا بالأوهام و الخوف و المشاعر المتناقضة أما أمه التي لم يجرؤ يوما على سؤالها فقد كانت تقضي يوما ككل الأمهات بين العمل و البيت و حين ينقضي النهار تتحول إلى كائن ليلي متعطش لماء الألومنيوم لا يرتوي إلا به و لا يقاوم عذاب الكينونة إلا بسُكرهِ.
أمّهُ، تلك المرأة العنيدة التي أضاعت شبابها في معرفة ما لا يَلزم وجدت نفسها في نفق مظلم لا نهاية له يدفعها جمالُها الوحش و الكلمات الرقيقة بموسيقاها الخشنة إلى أعلى سماء حيث التحقق و الإنفلات من كل محظور.
حاول مرارا أن يتبعها و يتنصت على حقائق تعذبه و لا يملك عليها دليلا لكن قدميه كانتا تتكلسان و مفاصله ترتجف كلما فكر في مغادرة الفراش...لكنه أبدا لم يسمع صوت الباب الخارجي و هو يُفتح و لا أحَسّ وقع أقدام رجل في هذا البيت قط فكيف يُثبت ما يشعر به و ما لا يكف عن تمزيق ذاكرته...إن أمَّهُ بريئة، بريئة من أوهامه و مخاوفه. ربما كانت الغرفة المجاورة تطل على درج أو مصعد أو شرفة خفيضة. كيف يستطيع أن ينسى رائحة العطر المتوحشة التي تعبث بجسد أمه و خصلاتها و كيف يكذب رائحة التبغ الفاخر الذي لم يقع على سيجارة منه في أيام هذا البيت المتشابهة و رائحةُ عرق أمه التي لم يعد يستطيع تمييزها عن غيرها.
بكى راهب في وحدته و عزم على معرفة الحقيقة، و وقف قبالة الباب فكان يسمع مرة –أو يُخيَل إليه- موسيقى سمفونية تقطعها ضحكات خافتة بين حين و آخر و أحيانا طرقعةَ كؤوس و حديثا غير مفهوم و ربما صوت خطوات موقعة في اُنسجام ترقص على موسيقى و غناء و مع هذا لم يستطع أن يطرق الباب أو يصرخ فقد أقفل حنجرته الخوف.
صار اُنطوائيا في مدرسته و هو يشعر أن الكل يعرف شيئا عن الغرفة المجاورة لغرفته ربما أكثر مما يعرفه هو و رفض اُقتراب أصدقائه و هو يفكر أن آباءهم ربما يكونون قد مروا بتلك الغرفة أو على الأقل شاهدوا ضوءها البنفسجي الخافت حتى المُدرّسة و هي تسأله عن تَبَدُّل حالِه صرخ فيها:"الأفضل أن تهتمي بأولادك فلا بدّ أنهم في مأزق يعجزون عن التعبير عنه" و في غمرة الدهشة صرخت فيه "إذهب إلى مكتب المدير فأنت تحتاج إلى التهذيب" و لم يكن ردُّهُ على المدير أفضل فقد اُتهَم المدارس بالفشل و الرجال و النساء بالخيانة و النجاسة مما جعل المدير يطلب اُستدعاء أولياء أمره.
اِتصلت أمه بالمدرسة بناء على اُستدعاء المدير و حين سألها عن حالة اُبنها و المنعطف الخطير الذي ينجرف إليه بدا أنها لا تعرف شيئا عن ذلك فاُبنُها يدرس بجد و لا يتغيب عن دروسه و لا يبدو على سلوكه أي اُضطراب كما أنه لم يطلب مساعدتها في أي أمر مما أثار اُستغراب المدير.
صار راهب يتغيب عن المدرسة و يقضي يومه في السير على قدميه و في الليل ينام دون شعور..وجد نفسه في بوتقة تزداد ضيقا في كل مرة و أصبحت تسيطر عليه أفكار وسواسة و تتراءى له مشاهد غريبة من قبيل أن المارة عارون من الثياب و مع هذا يسيرون في خيلاء و كأنهم بلا عورة. كان يحتقر الجميع و صار عدوانيا و باءت محاولات أمهِ بالفشل و هي تحاول معرفة سبب هذا التغيير المفاجئ في سلوكه فقد كان يتلافى وجودها في الليل و النهار و كم حاولت أن تنبهه إلى أن دراسته هي أهم شيء في حياته و إتمامها بنجاح سينعكس إيجابيا على حياته كلها لكنه كان يجيبها بملامح ساخرة لا تقيم وزنا للدراسة و النجاح بقدرما تعتبرها مساحيق نجمل بها كذبنا و مآسينا و نتحاشى بها سخرية الآخرين و الشر الغريزي المتأصل فيهم.
لم تفهم أمه أبدا ما يدور في خلده و لم يكن يخطر ببالها أن ذلك الطفل الصغير الذي تتركه نائما في كل ليلة كان يسعى لمعرفة سر الغرفة المجاورة و هكذا اُرتفع جدار الصمت و سوء الفهم بينهما زاد في حدته سن المراهقة الذي جاء مبكرا و لم تستطع التحكم في سلوك اُبنها و لا توجيهه بعد أن صار يعاملها كاُمرأة لا كأم و هكذا اُشترت له فراشا جديدا لينام فيه بمعزل عنها و إذا به يحتد أكثر فأكثر و يتكلم جسده الصغير بكلام لا يفقهه هو :"ألستُ رجُلـَك؟" و وسط دهشتها الكبيرة اُرتجف جسمها و أمومتها و صفعته :"هل جُنِنتَ؟" فقال بشجاعة لم يعرفها فيه من قبل :"ماذا تفعلين كل ليلة في تلك الغرفة؟" قالت بحروف مرتبكة رافعة شعرها بيدها:"أكتب" أجاب ضاحكا:"تكتبين؟ ماذا تكتبين؟" أجابت:"أكتب رواية" ضحك بهستيريا: "و العطر الرجالي و التبغ و الموسيقى و الرقص؟" ردت و هي تبتلع ريقها بصعوبة :"هذه الأشياء..تساعدني على الكتابة..أشعر بالراحة و أنا أختار عطري المفضل و الموسيقى التي أفضل سماعها.." قال:"و الرجال" طفرت الدموع من عينيها و سألته بنظرات متوحشة:"أيّ رجال!" تراجع راهب خطوة إلى الوراء قائلا بخوف: "ألا يساعدك الرجال على الكتابة" صرخت في وجهه :"الرجال لا يوجدون إلا في رأسك المريض، هذا البيت لم يدخل إليه رجل منذ وفاة أبيك" قال في وجل: "أنا آسف يا أمي و لكني لا أصدق، أشعر أن تلك الغرفة مليئة بأشباح رجال مروا منها و آخرين مازالوا يسكنونها و يسكنونك، أريد أن أدخل و أراها" دفعته برفق: "ليس من حقك و لا من حق أي كان دخول هذه الحجرة، حين أموت سترثها مع هذا البيت و ستصير ملكك أما الآن فلا" شعرت أنها تشيخ في لحظة فلم تتوقع حوارا كهذا من فتى لم يتجاوز العاشرة إلا بسنة واحدة "كيف مات أبي؟" صفعها مرة أخرى. أجابت في إعياء:"ألم أقل لك ألف مرة بأنه قد مات في حادث سيارة؟" سأل:"و ما أسباب الحادث" "قالت و كأنها تدفع تهمة عنها :"قدَر، قضاء و قدر"..
لا زال راهب يذكر كل تلك التفاصيل كما يذكر اُنقطاعه المبكر عن الدراسة و محاولات أمه و أهله لإعادته دون جدوى كما يذكر فشله في كل الأعمال التي كان يقوم بها بسبب توتر علاقاته الدائم مع أرباب العمل من رجال و نساء.
ماتت أم راهب في ريعان الشباب بعد أن حرمت نفسها من علاقة طبيعية مع الرجل دون أن تعرف الشهرة التي يحلم بها الكاتب فقد كان شعور الذنب يختلط بِريقِها و بكل نفس من أنفاسها أما هو فلم يستطع مصالحتها إلا بعد أن فتح تلك الغرفة و قرأ كل رواياتها و هناك اُستطاع أن يكتب في تلك الغرفة بالذات وسط عطر نسائي جامح و أضواء برتقالية خافتة و أصوات أوبرالية أنثى روايتَه الأولى "الخوف" مُهداة إلى...سوناتا..
كان ينتظر حتى ساعة متأخرة حيث تتسلل إلى فراشهما بشعر يفوح منه عطر رجالي و تبغ و عرق فيتصلب في مكانه لحظات كأنها الأبد و هي تقبل شعره الناعم و تطمئن على نوم لا تقطعه يقظة جارحة.
لم يعرف أباه فقد مات –أو هكذا قيل له- في حادث سيارة و ظَلّ الرجل في حياته عالما غامضا محاطا بالأوهام و الخوف و المشاعر المتناقضة أما أمه التي لم يجرؤ يوما على سؤالها فقد كانت تقضي يوما ككل الأمهات بين العمل و البيت و حين ينقضي النهار تتحول إلى كائن ليلي متعطش لماء الألومنيوم لا يرتوي إلا به و لا يقاوم عذاب الكينونة إلا بسُكرهِ.
أمّهُ، تلك المرأة العنيدة التي أضاعت شبابها في معرفة ما لا يَلزم وجدت نفسها في نفق مظلم لا نهاية له يدفعها جمالُها الوحش و الكلمات الرقيقة بموسيقاها الخشنة إلى أعلى سماء حيث التحقق و الإنفلات من كل محظور.
حاول مرارا أن يتبعها و يتنصت على حقائق تعذبه و لا يملك عليها دليلا لكن قدميه كانتا تتكلسان و مفاصله ترتجف كلما فكر في مغادرة الفراش...لكنه أبدا لم يسمع صوت الباب الخارجي و هو يُفتح و لا أحَسّ وقع أقدام رجل في هذا البيت قط فكيف يُثبت ما يشعر به و ما لا يكف عن تمزيق ذاكرته...إن أمَّهُ بريئة، بريئة من أوهامه و مخاوفه. ربما كانت الغرفة المجاورة تطل على درج أو مصعد أو شرفة خفيضة. كيف يستطيع أن ينسى رائحة العطر المتوحشة التي تعبث بجسد أمه و خصلاتها و كيف يكذب رائحة التبغ الفاخر الذي لم يقع على سيجارة منه في أيام هذا البيت المتشابهة و رائحةُ عرق أمه التي لم يعد يستطيع تمييزها عن غيرها.
بكى راهب في وحدته و عزم على معرفة الحقيقة، و وقف قبالة الباب فكان يسمع مرة –أو يُخيَل إليه- موسيقى سمفونية تقطعها ضحكات خافتة بين حين و آخر و أحيانا طرقعةَ كؤوس و حديثا غير مفهوم و ربما صوت خطوات موقعة في اُنسجام ترقص على موسيقى و غناء و مع هذا لم يستطع أن يطرق الباب أو يصرخ فقد أقفل حنجرته الخوف.
صار اُنطوائيا في مدرسته و هو يشعر أن الكل يعرف شيئا عن الغرفة المجاورة لغرفته ربما أكثر مما يعرفه هو و رفض اُقتراب أصدقائه و هو يفكر أن آباءهم ربما يكونون قد مروا بتلك الغرفة أو على الأقل شاهدوا ضوءها البنفسجي الخافت حتى المُدرّسة و هي تسأله عن تَبَدُّل حالِه صرخ فيها:"الأفضل أن تهتمي بأولادك فلا بدّ أنهم في مأزق يعجزون عن التعبير عنه" و في غمرة الدهشة صرخت فيه "إذهب إلى مكتب المدير فأنت تحتاج إلى التهذيب" و لم يكن ردُّهُ على المدير أفضل فقد اُتهَم المدارس بالفشل و الرجال و النساء بالخيانة و النجاسة مما جعل المدير يطلب اُستدعاء أولياء أمره.
اِتصلت أمه بالمدرسة بناء على اُستدعاء المدير و حين سألها عن حالة اُبنها و المنعطف الخطير الذي ينجرف إليه بدا أنها لا تعرف شيئا عن ذلك فاُبنُها يدرس بجد و لا يتغيب عن دروسه و لا يبدو على سلوكه أي اُضطراب كما أنه لم يطلب مساعدتها في أي أمر مما أثار اُستغراب المدير.
صار راهب يتغيب عن المدرسة و يقضي يومه في السير على قدميه و في الليل ينام دون شعور..وجد نفسه في بوتقة تزداد ضيقا في كل مرة و أصبحت تسيطر عليه أفكار وسواسة و تتراءى له مشاهد غريبة من قبيل أن المارة عارون من الثياب و مع هذا يسيرون في خيلاء و كأنهم بلا عورة. كان يحتقر الجميع و صار عدوانيا و باءت محاولات أمهِ بالفشل و هي تحاول معرفة سبب هذا التغيير المفاجئ في سلوكه فقد كان يتلافى وجودها في الليل و النهار و كم حاولت أن تنبهه إلى أن دراسته هي أهم شيء في حياته و إتمامها بنجاح سينعكس إيجابيا على حياته كلها لكنه كان يجيبها بملامح ساخرة لا تقيم وزنا للدراسة و النجاح بقدرما تعتبرها مساحيق نجمل بها كذبنا و مآسينا و نتحاشى بها سخرية الآخرين و الشر الغريزي المتأصل فيهم.
لم تفهم أمه أبدا ما يدور في خلده و لم يكن يخطر ببالها أن ذلك الطفل الصغير الذي تتركه نائما في كل ليلة كان يسعى لمعرفة سر الغرفة المجاورة و هكذا اُرتفع جدار الصمت و سوء الفهم بينهما زاد في حدته سن المراهقة الذي جاء مبكرا و لم تستطع التحكم في سلوك اُبنها و لا توجيهه بعد أن صار يعاملها كاُمرأة لا كأم و هكذا اُشترت له فراشا جديدا لينام فيه بمعزل عنها و إذا به يحتد أكثر فأكثر و يتكلم جسده الصغير بكلام لا يفقهه هو :"ألستُ رجُلـَك؟" و وسط دهشتها الكبيرة اُرتجف جسمها و أمومتها و صفعته :"هل جُنِنتَ؟" فقال بشجاعة لم يعرفها فيه من قبل :"ماذا تفعلين كل ليلة في تلك الغرفة؟" قالت بحروف مرتبكة رافعة شعرها بيدها:"أكتب" أجاب ضاحكا:"تكتبين؟ ماذا تكتبين؟" أجابت:"أكتب رواية" ضحك بهستيريا: "و العطر الرجالي و التبغ و الموسيقى و الرقص؟" ردت و هي تبتلع ريقها بصعوبة :"هذه الأشياء..تساعدني على الكتابة..أشعر بالراحة و أنا أختار عطري المفضل و الموسيقى التي أفضل سماعها.." قال:"و الرجال" طفرت الدموع من عينيها و سألته بنظرات متوحشة:"أيّ رجال!" تراجع راهب خطوة إلى الوراء قائلا بخوف: "ألا يساعدك الرجال على الكتابة" صرخت في وجهه :"الرجال لا يوجدون إلا في رأسك المريض، هذا البيت لم يدخل إليه رجل منذ وفاة أبيك" قال في وجل: "أنا آسف يا أمي و لكني لا أصدق، أشعر أن تلك الغرفة مليئة بأشباح رجال مروا منها و آخرين مازالوا يسكنونها و يسكنونك، أريد أن أدخل و أراها" دفعته برفق: "ليس من حقك و لا من حق أي كان دخول هذه الحجرة، حين أموت سترثها مع هذا البيت و ستصير ملكك أما الآن فلا" شعرت أنها تشيخ في لحظة فلم تتوقع حوارا كهذا من فتى لم يتجاوز العاشرة إلا بسنة واحدة "كيف مات أبي؟" صفعها مرة أخرى. أجابت في إعياء:"ألم أقل لك ألف مرة بأنه قد مات في حادث سيارة؟" سأل:"و ما أسباب الحادث" "قالت و كأنها تدفع تهمة عنها :"قدَر، قضاء و قدر"..
لا زال راهب يذكر كل تلك التفاصيل كما يذكر اُنقطاعه المبكر عن الدراسة و محاولات أمه و أهله لإعادته دون جدوى كما يذكر فشله في كل الأعمال التي كان يقوم بها بسبب توتر علاقاته الدائم مع أرباب العمل من رجال و نساء.
ماتت أم راهب في ريعان الشباب بعد أن حرمت نفسها من علاقة طبيعية مع الرجل دون أن تعرف الشهرة التي يحلم بها الكاتب فقد كان شعور الذنب يختلط بِريقِها و بكل نفس من أنفاسها أما هو فلم يستطع مصالحتها إلا بعد أن فتح تلك الغرفة و قرأ كل رواياتها و هناك اُستطاع أن يكتب في تلك الغرفة بالذات وسط عطر نسائي جامح و أضواء برتقالية خافتة و أصوات أوبرالية أنثى روايتَه الأولى "الخوف" مُهداة إلى...سوناتا..
كوثر خليل
تعليق