(مازال لدي حديث ) تأليف طلال سيف / بقلم مختار عيسى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    (مازال لدي حديث ) تأليف طلال سيف / بقلم مختار عيسى

    ليس صعبا أن تدرك ـ وأنت تضع ذائقتك النقدية في مواجهة نصوصه ـ أنه يتعمد الدفع بك إلى نزال لافرار منه، وإلى اشتباك لابديل عنه.
    وكلما هيئ لك أنك أوشكت أن تفلت أو تتفلت من فخاخه، وأن تركض بعيدا عن عدسته التي تسعي للإمساك بك، صادتك حبال صورة معلقة في ركن قصي من الكادر، وأمسكت بلحمك مخالب رؤية خاصة للواقع ؛ فلاتجد نفسك إلا منزلقا مرة بعد الأخرى في متاهة (الرصد) الذي يبدو ـ لأول وهلة ـ عشوائيا، بعيدا عن أي انتقاء؛ حيث تكون ـ حينئذ ـ أمام مصور ترك عدسته (الأوتوماتيكية) وذهب ليستطلع أمرا، أو يدبر حاجة، ثم عاد ليجدها وقد صادت ماكان يحسب ويقدر أنه واقع في شباكها، ومالم يكن في الحسبان.
    وحين ترتاح لهذا التصور، سوف تفجؤك عدسة أخرى(عاقلة)،كانت تتخفى،أوهو يخبئها تحت قميصه، ويوحي لها في كل مرة بالاختيار والانتقاء، أو هي قادرة ـ بحكم عقلانيتها ـ على الاختيار، ولم لا وبينهما علاقة ممتدة؟ فقد اعتاد أن يقف خلف الكاميرا موهما القارئ والناقد أنه يمارس فعل الكتابة.
    إنها كتابة الوخز، والرؤية المكثفة كما كانت لدى الكاتبة ناتالي ساروت في «انفعالات» التي وصفها البعض بالقصصص القصيرة جدا وهي ليست كذلك أو في كتابات الدكتور محمد المخزنجي خصوصا في مجموعته القصصية «رشق السكين» كتابة لا تسرف في التفاصيل ولا تهملها في الوقت ذاته، تعرف ما تريد، دون ترهل، أو حشو فارغ.

    إنه هنا القاص الخبيث يمسك بـ )كاميرا( عاقلة لها السيطرة التامة على مقدرات الكتابة لديه، تترك له الحرية أحيانا ليمارس العشوائية واللاعقلانية مع عدسته الأخرى )الشقية( لكن تلك )العاقلة ( لاتترك الوقت يستبد بها دون أن تكون لها الغلبة والسيطرة.
    الكاميرا التي يحملها «طلال سيف» ليست سائحة ترصد الغريب المدهش، المفارق للذاكرة والمألوفية، في محاولة لتأبيده وتقييده بالالتقاط العمدي، وركنه في زاوية من زوايا ألبوم رحلة سياحية، لكنها كاميرا مقيم، راسخ الانتماء، يعلم، ويسجل، ويوثِّق بها المألوف والمعتاد، ربما إعلاء له، أوحطًّا من قدره. المهم في النهاية أنه يتعامل مع مَشاهده، ولا أقول قصصه، بروح العارف المقيم،لاالسائح العابر.
    ومع أنه عنون مجموعة قصصه، أو مجموعة مشاهداته والتقاطاته بـ«مازال لدي حديث» في إيحاء دال بأنه حديث لم يكتمل، ولنا أن ندرك أن ثمة حوائل بينه وبين الاكتمال، ليس أجلاها فعل الرقيب الذي يستوطن الذات المبدعة، ويمارس القهر دون تمييز ضد الإبداع الذي صار يجلس تحت كرسي الرقيب الداخلي؛ راجيا العفو والسماح كلما انفلتت من بين يدي الكاتب رؤية أو مشهد أو لفظه يظنها لكثرة ماخضع لرقيبه خادشة حياء أنثوية التلقي، أو منكرةً ذكورة سلطة النقد الاجتماعي بتجلياته المختلفة.
    أقول مع هذا العنوان ذي الاتكاء الصوتي، أي الذي يعتمد على )حديث( وإن لم يكتمل يشير في براءة الطفل إلى نقصه؛ لعجز المتحدث عن الإكمال؛ لوقوع القهر عليه، أو يمكن الادعاء من قبلي أو من قبل الكاتب بأن هذا العنوان يوحي بتسلط القاهر المتحدث الذي يملى على المستمع أوالقارئ حديثه، وأنه لاتزال كلمات الحديث لم تنته بعد، وماعليه المستمع أو القارئ إلا الانتظار والإنصات والمتابعة.
    مع هذا العنوان تأتي عناوين القصص، أو المشاهد، لتنحاز إلى الدلالات البصرية، بما تخلفه من معان ورؤى تكاد تتشابه، برغم التباينات التركيبية في معظم النصوص.
    وبينما تأخذك المباينة الدلالية بين ساقي العنوان الأول في المجموعة: )الشاب العجوز(.. فإنك تستطيع أن تنتقل بها رؤيويا إلى مباينة أخرى في الواقع الاجتماعي، من خلال تتبع الإشارات القليلة في المشهد الذي يمكنك أن تربطه دون عظيم جهدـ بقصة )دوسيه كبير أحمر( ونلاحظ الاهتمام بتقديم صفة )الكبر( على )الاحمرار(.. الحجم على اللون.. المكانة على الصفة؛ ربما ليقيم من البداية تلك العلاقة الجدلية بين تناقضات الواقع المعيش كما تؤكد أحداث المشهد.
    المُشاهِد، ولا أقول القاص، في كل النصوص تقريبا سارد خبيث، رغم أنه يعتمد الصورة وعاء سرديا إذا جاز التعبير يُحمِّلها بكثير من الدلالات الاجتماعية والسياسية.
    إنه يعتمد الاختزال البصري لمفردات الواقع الاجتماعي بحيث يدخلك إلى )الكادر( مباشرة دون تمهيد فتجد نفسك في قلب المشهد، مشاركا في الحدث معترضا أو موافقا، متورطا أو عامدا، وها هو ذا معك في قلب الرؤية حتى لتكاد تدهش كيف أمكنه أن يرى نفسه بكل هذه القسوة؟ وكيف عرَّى من خلال رؤيته الذاتية كثيرا من مظاهر التغير الاجتماعي التي طرأت على المجتمع، الذي هو أحيانا بلا تحديد مكاني، لدرجة تجعلك تؤكد تعمد الكاتب تعمية الحقيقة وإخفاء معالم الجرم الاجتماعي، ومرة أخرى يصر على أن يعلق اللافتة على دكان أو مقهى لتعرف أين ينشأ الحدث لعلك تدرك أبعاده جيدا، أو ربما تتوفر لديك وأنت تسير في رحلة البحث دوافع الجريمة وأركانها كاملة دون أي تزويق أو تزوير في محضر الضبط.
    انظر على سبيل المثال قصة «ربما تجد الدليل».
    في )الشاب العجوز( يطرح الكاتب في جمل تكاد تحصيها على أصابع يديك، هما اجتماعيا، متمثلا في رحلة البحث عن عمل حيث تصطدم داخل النص بالسلطة المالكة للمطعم، ولا تخفى الدلالة الرمزية، في مواجهة الجوع والحاجة حيث الشاب الذي تمر سنوات عمره ليعبر من شبابه إلى شيخوخته، ولايزال فعل البحث عن العمل جاريا، ولاتزال السلطة مكتفية بالفرجة والتحية التي ربما لاتجد غيرها )مسكِّنا( لتهدئة الأوجاع.
    السلطة تنسى «نسيته في غمرة مشاكل الحياة» ثم إذا تذكرت لم يتبدل حالها «حياني.. رددت تحيته» عارفة مدركة لأزمتها «بعدما ابتعد بضع خطوات أحسست أني أعرفه»!
    هناك رابط واضح في نصوص «طلال» كلها يبدو أكثر جلاء في ذلك الهم المشترك الذي نلحظه في )الشاب العجوز( وفي )دوسيه كبير أحمر( حيث الحضور الفذ )لحاجة اجتماعية ملحة( وهي البحث عن العمل؛ فبينما يظل المالك المشاهد المراقب مكتفيا برد التحية للشاب العجوز، فإن السلطة هذه المرة، التي من حقها الاختيار، لن تختار طالب الوظيفة! ويبدو من السطح الأعلى للنص أن السبب في الرفض هو )مؤهلات( طالب الوظيفة ذاتها فهو يحمل )دوسيها( كبيرا أحمر ؛ فهاهي ذي سلطة الاختيار والتعيين تعلن في تحد أنها لن تختاره، لكنها ترجع المسألة إلى سلطة أعلى «ويشهد الله أني مسير» فهي سلطة حاكمة محكومة ولايخفى مافي هذه الإشارة من تقرير واقع )سوسيوبولوتيكي( بالتأكيد يستعصي على التحديد الزمكاني وإن كان يحمل إشارات مرور يمكن أن توجه النظر نحو بلدان العالم الثالث؛ حيث الضغط الاجتماعي والغباء السياسي.
    وبينما انعكس فعل التجاهل الأنيق اكتفاء بالتحية للشاب حتى وصل إلى شيخوخته فإن فعل الرفض هذه المرة في قصة )دوسيه كبير أحمر( كان قاسيا وحادا لدرجة اشتعال النيران في الجسد جسد طالب الوظيفة الذي أصبح جثة هامدة.
    ولعلك أيها القارئ العزيز توافقني الرأي إذا ما ألحقت قصة )المفتاح( بالسابقتين: )الشاب العجوز دوسيه كبير أحمر( حيث تصطدم بذلك الرجل الذي ظل يشيد أبراج المدينة لمدة ثلاثين عاما وعند خروجه للمعاش يبحث في جيوبه فلايجد مفتاحا لحجرة واحدة تحتويه!
    شخصياته دائما تعبر عمرها في القصة عبورا سريعا، إنه يجيد القطع والانتقال من لقطة إلى أخرى مختزلا المسافة البصرية بين المشهدين ، واصلا بسرعة مدهشة إلى ختام الحدث لتجد المفارقة منتصبة شاهدة على خلل اجتماعي كبير بقليل من الجمل )الطلالية(.
    الرصد للتباين الاجتماعي الحاد يوصل إلى الرفض المباشر لعلاقة العمل التي تعجز أمام التبدلات الاجتماعية التي أخذت شكل الانقلاب فأضحى )الصغير( )كبيرا( بما يملكه وينفقه والـ)كبير( )صغيرا( لعجزه وفقره.. ونلحظ في قصة )استقالة( فوق هذا التباين والتبدل الانقلابي محاولة الكبير الصغير الاحتماء بالصغير الكبير )ولاتخفى الدلالة( ثم يكون القرار الحاسم الذي لم يكن إلا دعوة من الكاتب الراصد للاستقالة أي التعبير الحاد عن رفض هذه الشبكة من العلاقات الاجتماعية التي لاتستطيع مواجهة الآمال الصغيرة ؛ حيث الموظف يضطر للكتابة لرئيس المصلحة «السيد المدير العام بعد التحية تفضلوا سيادتكم بفائق الاحترام والتقدير قبول استقالتي».
    الهم الاجتماعي جاثم على صدر كتابة طلال أو على تصوير ه إذا أردنا الدقة.
    تتعدد مظاهره فهي مرة عطالة، ومرة غياب واغتراب، ومرة هروب للمخدر أو لعلاقة غير شرعية يقابله رصد لآليات سلطوية تتمثل في دفاتر ومخبرين يغلف ذلك كله غياب للوعي وخروج على العرف الاجتماعي في قرية مصرية ومحاولات متكررة من طلال لتحطيم المثال )أو رصد تحطم المثال( وكسر السائد وتعرية مجتمع الشواذ.
    الآن يمكننا وعلى طريقة الكاتب أن ننتقل بين عناصر مشهده الكبير الذي جزأه إلى مجموعة لقطات قصيرة سمى كلا منها قصة ولنا أن نستعرض عناوين قصصه لقطاته فنستطيع بإدراك المتمرسين في الرصد الاجتماعي أن نتبين الوشائج، بينها لنتأكد أن ظمأ اللحظة بمباشرتها وكسرها للذائقة الأخلاقية بحديثها عن حقن المخدر وإصابة أصحاب العلاقات غير الشرعية بالأمراض.
    إنه يحقن المجتمع بمصل الإفاقة إذا جاز التعبير فالمخدرات وبائعات الهوى، وقطع الطريق على عمال الشركة، كلها مفردات لواقع أليم لم تخجل كاميرا الراصد من متابعتها، وإن اكتفت باللافتة دون الغوص فيما خلفها، أو ماتحتها؛ بحثا عن العلاقات والوشائج التي ربما تصنع مبررا اجتماعيا كبيرا لهذا الخروج على قوانين المجتمع وأسواره الأخلاقية.
    «أحقن نفسي بدقة..» ترى أكان يمارس الغياب أم الحضور؟
    إن كل شيء يتوقف فالمسافات فراغ كبير بين الرغبة والإمكانية بين رغبة النهوض «سأنهض» وبين الغفوة والقعود «أما زلت في مكانك؟»
    إن حلم المواجهة يراود الكاتب ويتجلى في عدد من المواضع عبر النصوص، ويساوقه ويحاذيه فعل الفرار في )بعدالمخدر( أو)الهروب(.
    ويسيطر الحس الساخر في قصة )بعد المخدر( ويتجلى التنكر الاجتماعي، وتبدو محاولة الانفلات من التاريخ والتراث لتكون النتيجة الرفض التام لهذا التنكر، وهذا التغيير الذي يتعرض له بطل المشهد الذي يحلم بزرقاء العينين، الشقراء التي تلائم وضعه الجديد بعد عملية )الخصخصة( التي يجريها له الطبيب؛ لنكتشف الخديعة الكبرى ظاهرة في انفعال الزوجة ورفضها فتغرس أظافرها في وجه الطبيب.
    اللغة عنده حادة الدلالة، تخلو من الترهل، والبنية القصصية شديدة الإحكام، والاعتماد على التشكيل البصرى للدلالات الاجتماعية والنفسية لشخوص قصصه.. ملمح أساس عند النظر إلى أطوالها أي القصص والتي تتراواح بين سطر واحد أوسطرين أو عدة أسطر لتصل في أطولها إلى العرض البانورامي لحال قرية مصرية في قصة «ربما تجد الدليل».
    أعني أن ثمة تواؤما بين المبنى والمعنى يصل إلى الوخزات الشعرية، أو الإبيجرامات. وفي واحدة من تلك الوخزات )الحقيقة الأخيرة( يبين «طلال» كيف أن الموت هو آصخر الحقائق وأخالف الكاتب في التوصيف الذي حمله العنوان؛ فلوكانت أخيرة فقد سبقتها حقائق، وماعرف المتحدث عنه إلا كاذبا دوما حسب تعبير الكاتب.. إذن فهي الحقيقة الوحيدة التي أفاق عليها أو مات عليها، وربما حينما أدركها لم يستطع أن يحيا على نقيض الذات فيكون الخلاص بالموت، وكأني به يحاول كعادته أن يوجز موقفه وموقفنا في الحياة: عند المواجهة تكون النهاية، والخلاص في الموت وهي رؤية ضبابية على أية حال.
    يفيد الكاتب من فنون السينما والمونتاج وتبدو مجموعته وكأنها اسكريبت لمسلسل كبير يلخص حال المجتمع المصري بالصورة واللغة التي تشبه حد السكين تحياتي للكاتب الذي حاول أن تكون له بصمة خاصة فنجح إلى حد كبير، وإن كانت هناك مجموعة من الملحوظات البسيطة فذلك لايعني إلا أننا ننتظر منه الكثير

    مختار عيسي
    مدير تحرير مجلة الكويت / شاعر و روائي

    نقلا عن مجلة الكويت
    sigpic
  • طلال سيف
    أديب وكاتب
    • 24-01-2011
    • 91

    #2
    للأدباء الحقيقين مواقف تجعلك بين الخل والتواضع .. هكذا وضعتنى بين هاتين الزاويتين أستاذ ربيع بجل أدبكم وشخصيتكم الكريمة ... شكرا لنشر الدراسة .. ألف تحية ومودة وتقدير لشخصكم الكريم

    تعليق

    يعمل...
    X