_
مؤيد وموت محقق :
على أيّ حال وبصورة عامة سأموت , كنت كسولة جدا في المشاركة في أي من الحركات العلاجية , وغالبا ما كان تمردي يأخذ شكل المراوغة والتملص , غلقوا الأبواب والنوافذ وكل مكان يمكن له أن يكون منفذا للموت , ضعوا مبيد حشري على حواف النوافذ والأبواب , اختبئوا تحت السرير وداخل الخزانة , تناولوا بيضا مسلوقا وضعوا قشر البيض مع الحليب , واشربوا كميات كبيرة من اليانسون المحلى بالعسل .
في هذه الأيام يمكن اتقاءه بأي طريقة , يمكنك العيش واقفا تحت السرير وعلى الرغم من أنها خدعة لا تصلح في الواقع ولكن يمكنك فعلها , ولكن لا مفر في النهاية حتى لو اختبأت في خزانة من فلاذ , عليك الآن أن تصنع لنفسك صنيعا يخلد ذكراك .
اسمع يا عزيزي في البدء عليك القيام بتجربة مفيدة , أتذكر حين أخبرتني أنك كنت تجمع أعواد الآيس كريم منا ! كنت خبيثا في طفولتك ولم تخبرنا أننا يمكننا استبدالها بعبوة أخرى , تستحق التهاب اللوزتين إذن , يبدو أنك نادم الآن كثيرا عما فعلته , بالطبع لن أسامحك , دعنا نعود للتجربة التي عليك أن تجربها , أبلغ رؤسائك وزوجاتك أنك ستذهب في مهمة حساسة جدا , مسألة حياة أو موت , عليك أن تتوجه إلى المقبرة واحفر قبرا بحجم منزلك الآن , نم فيه ليلتك , ثم عد وأخبرني بماذا تشعر .
أها لقد عدت باكرا , هل مللت , يمكنني أن أتنبأ من شكلك أن الديدان والحشرات لسعتك وربما تغوطت على رأسك أيضا , لما لم تنتظر شروق الشمس , كان عليك أن تبقى يوما كاملا لدراسة الوضع , بالنسبة لي أتذكر المكان جيدا , حتى النبات لن يتركك في شأنك فتلك الشجرة , ستزورك جذورها ذات يوم , حين تفعل حاول أن تفتح جذورها بأي شيء حاد معك , تجد رسالتي هذه بداخلها .
الآن اذهب اصنع لنفسك تماثيل حجرية واجعلها تقف بجانب البوابة الأمامية لمنزلك ترحب بضيفك وتخلد ذكرك , لن يطحنها الزمن بالتأكيد , يا للقرف هلا تحسست رأسك الآن وأرنبة أنفك أو حاجبك , اممم لقد عشش الحمام على قمة رأسك وتغوط على أنفك وبعض الريش دخل إلى فمك , ألهذه الدرجة أنت لا تشعر ؟!
أعرف أنك شخصية مرموقة جدا , لهذا تخشى أن يتغوط الحمام على رأسك فيها مهانة أدري , يمكنك أن تعلق صورتك في متحف اللوفر بجانب الموناليزا أيضا كطريقة بديلة لتخليد ذكراك , ولشهرتك ستسرق ! وسارقك لا يقدر شخصك , في الحقيقة كان يريد لوحة الموناليزا وأخطأ لشدة الظلام , وحين اكتشف رمى بك في أقرب حاوية قمامة , يا للقرف انظر حولك بعض النقانق و البطاطا المقلية والكاتشاب يمكنك تذوقها , وحفائظ الأطفال التي بالتأكيد تحمل في أحشائها شيء مقرف, اسمع أحدهم يقترب , ربما سينقذك يمكنك الصراخ ولكن لا بأس عليك لن يسمعك أحد فلسنا في فيلم خيالي , طخ , يبدو أنك جالب للحيوانات هذه القطة تبحث عن الطعام ,يع .. أتحس بالبلل , يبدو أنها تبولت على وجهك أعانك الله .
دعنا من كل هذا الآن وأخبرني أنت , كيف حالك لقد كان لرسائلك الطفولية بصمتها المميزة , كنت أعاملك بوحشية حين وبمرح حين آخر , أوبأية وسيلة كنت أشعر بها , كم عام مر إلى الآن , لم أرك فيها , ربما كما تقول فيروز ( كنت مفركتك برات البلاد , كيفك انت قال صار عندك ولاد ) أتذكرني , إن كنت تعتقد أنني أذكرك فأنت مخطئ فالبارحة فتحت صندوقي وجدت رسالتك التي رسمت فيها قلب أحمر بسهمين , ويؤسفني أن أقول لك بأن السيارة التي أهديتني إياها تحطمت من يوما فمن يهدي فتاة سيارة على أية حال , صورتك بجانب جدي وأنت ترتدي ذلك الزي في العيد الثامن لي على وجه الأرض ما زالت موجودة , هل حلقت شعرك الأشعث ؟! لا زلت تحب " سلفستر ستالون " وتقلده ؟!
ألم توحي لي ذات طفولة أنك تحبني , أنت شخص غير وفي أبدا , أربع يا مجرم أربع زوجات, أهو حب كبير يسع لخمس ؟! كم ولد لك ؟! 24 يا لقدرتك على الشقاء , وتريد ما يخلد ذكرك أيضا , أما زلت تطلب طريقة , زدهم 24 آخرين وستصبح حقا مخلد الذكر حتى آخر جيل يستطيع أن يتنفس هواء طبيعي دون الحاجة لقناع أكسجين .
ديوانك الشعري الوحيد , بلغني أنه كله موجه لي , قصائدك لا بأس بها , حين أخبرتني بغيرة زوجاتك مني , لم أصدقك , ولكن حين أخبرتني أنهن يمسحن الأطباق ومرايا المنزل بأوراق ديوانك صدقتك , يبدو أنك لست بشاعر لا يستهان به , ما أحمقك كنت تعتقد أنهن يفعلن هذا كالتبرك به , طيب القلب أنت بل أحمق .
خذ مني سر عليك أن لا تخبر حتى نفسك به , أحضر ورقة وضمنها بأسماء أعداءك , وأولئك الذين أقسمت على أن تكون صداقتك أبدية بهم, بشرط أن يكون العدد متساو , استبدل أصدقاؤك بأعدائك , أفرط سبحتك الآن ودعها تتناثر على الورقة فمن تقع عليه الخرزة الفريدة بين أخواتها , إنه الخيار السليم حتما وهو الشخص الجدير بأن يكون صديقك الأبدي , هذا لا يعني أن تخبره بشأني , كن واثقا إن أخبرته سيقتلك فالأصدقاء هم أول من يقتلك في حين أنت تعتقد أن أعداءك يضمرون لك الشر .
أعلم أن زحف مخيف لأفكارك ونية أخرى تحارب نواياك بأن تجربها على زوجاتك فقد مللتهن وتريد أن تبقي على إحداهن ولكنك تخشى أن تسيء الاختيار , يمكنك تجربتها ولكن عليك أن تحضر أربعة ألماسات متوسطة الحجم , وتكتب أسماءهن على بردة من حرير , بماء الذهب وامضي في التجربة , أعانك الله .
أخبرتك أنني لا أريد المزيد من سفك الدماء أو الصراعات الدرامية بينك وبين أبناءك , أدري .. أدري دون أن تخبرني أن ابنك هيمنت علية أفكار خطيرة , وأصبح شخصا تافها , أراه كل ليلة يتسلل خارجا من مخبأة ويمارس لعب الكرة في الظلام , لقد سيطرة عليه هذه الخرافة اللعينة , أعتقد أنها لعنة حلت عليه , عليك عرضه على طبيب , ثم تعال إلى هنا أتريدني أن أذكرك بطفولتك أو بالأحرى مراهقتك فلم أحضر طفولتك , سأخبرك ما يقلقك أكثر ابنك يعيد تاريخك فإن كنت تستطيع أن تعود إلى ماضيك وتمسح أخطاءك وهفواتك , آها .. أتريدني أن أذكرك , أتذكر ؟! إن أمكنك ذلك يمكنك الآن أن تعيد إصلاح ابنك من جديد .
بلغني ما فعلت في مقر عملك آخر مرة , راح الناس يغمغمون كثيرا حول ما جرى , ألم تظهر بالتلفاز ؟! لقد تضاعف عدد أعدائك من جرائها , حتى أن بائعة اللب العجوز بصقت عليك و تفوهت بكلام عجيب ورمت أربعة أكياس في حاوية القمامة , وقالت لي وكأنها تعرف علاقتي بك : أخبريه أن رقم أربعة مشئوم يا ابنتي , سيموت في العقد الرابع , سيشاركه قبره أربعة أجنة لم ترى النور وأربعة ثعابين , سنة موته ستنفجر أربعة براكين , وزوجاته يعشن قحط في منزل واحد من أربع حجرات , سيتبعه أربعة من أبناءة بعد أربعة أيام .
رسالة خاصة :
ريم , في المكان الوحيد الذي لا يشبه الموت التقينا , ثم أنك لم تخبريني بعد أنك نجحت وستدخلين الجامعة مبارك يا عزيزتي, آسفة يا عزيزتي إن كنت هجرتك فجأة فأنا لم أسدد فاتورة نبضاتي وقطعت الخدمة عني نهائيا لتأخري في السداد , كفي عن الاتصال بي فذلك يؤلمني كثيرا , حتى الـ sms تصلني كل النص مفقود وإيميلاتك تصلني خالية وبحروف كالطلاسم أعجز عن فكها , أنا لا أظهر دون اتصال فأنا دون اتصال أساسا , لا يوجد هنا بن مطحون أضعة على الجرح ولا ملح أضعة على شراب التوت المسكوب على سجادة حجرتي , ولا معجون أسنان أضعة تحت درج المكتب لأعرف إن كان أحدهم يعبث بأغراضي , ولا يوجد دفتر أحمر أرسم فيه أرانب وفئران وأضع اسمك تحتها واسم معلمة الفيزياء الكريهة , أفتقدك وأفتقد كل أشياءنا الجميلة معا , عطر live is , وأساور الذهب التي ظلت أمي تكبر مقاسها كلما ضاق مقاسها على معصمي, نزعوها عني , ورد الشاي والريحان لن يعتني بهما أحد وسيلحقان بي بالتأكيد , فستاني الأزرق الذي تكرهينه معلق في الخزانة قصصت أجزاء كثيرة منه وحشوتها في دميتي , ريم , من المكان الوحيد الذي يشبه الموت يمكنك مراسلتي والاتصال بي , فقط تذكريني قبل النوم وسأزورك في المنام كما كانت تفعل أمي بي وسأرتدي الفستان الأزرق .
مذكراتي :
أرى أنكم على عجالة من أمركم فجثتي لم تبرد بعد , يا لخيبتكم ,على الأرجح أن مذكراتي لن تخبر الحقيقة , فمن يعتقد أنني سأضع فيها ما بقي مستترا فهو غبي .
جريمة ذات سحر :
أعيش منعزلة , قطة بيضاء تشاركني عزلتي , يزعجني مواءها كلما تحدثت معها ولا تفهمني , يتساءل الجميع أين اختفت , لا يعلمون أنني غضبت منها ذات ليلة وألقيت بها من النافذة من علو , ماتت المسكينة , سحقا لم أبك على موتتها أبدا , دفنتها بدم بارد , ودفنت معها كتاب "تعلمت من الحياة " تعلمت من الحياة كيف أقتل قطة .
تغريبة ذات سحر :
أينك الآن , مللت الوحدة هل يمكنك العودة الآن , لن أرميك مرة أخرى من النافذة صدقيني , سأستبدلك بخمس سمكات .
جريمة ذات فجر :
لقد التهم اللهيب كل شيء وفي النهاية لم يمت البطل , لماذا الأبطال لا يموتون دائما , تبا لكن أجبنني , ومع أن الجميع لم يسأل أين اختفين السمكات ولكن المرحاض يمكنه أن يجيب الجميع إن سأل أحدهم .
مزعج :
يحاول أن يشعرني بالسعادة فيضحك , ولكنه كان في الواقع يزعجني يشعرني بذلك الشعور الغامض للسيرك , حين تحملق في العروض ولا تعرف مشاعرك ما التصرف الواجب عليها القيام به .
غبية :
أهدتني حين خرجت من المشفى قلادة ذات تعليقه على هيئة هلال أحمر تحيط به ثلاثة نجوم , أي هبة ريح صغيرة ستأخذها في طريقها , وكما تصفها الغبية الأخرى أنها سخط , وصفها بالسخط أعجبني مما دعاني أتمسك بها وأرتديها دائما , الغبية تظن أنني أحبها ولست أحب أحدا عموما .
كذبت :
أنا نائمة , ولست نائمة لا أريد الحديث بشأن الموضوع , قلبي لا يوجعني لا أطيق النفاق والحديث بلا نتيجة , نعم أخذت الدواء , أتحسسه تحت وسادتي كبسولتان , حسنا لا أصدقك سأعد كم كبسولة في العلبة لأعرف , فتنطلي عليها الخدعة , أحلم بالموت , أستيقظ وأخرجها من تحت وسادتي وأبتلعها وأعاود النوم براحة , تبا لي كم أنا جبانة , لماذا أتمسك بالحياة .
انتحرت :
لم أعد جبانة تركت الدواء فعلا , عملية كانت كفيلة بزيادة جرعات الدواء وأيام أخرى لأعيش .
مت :
أعرف أنكم منزعجون من سكوتي وغموضي فلا أحد فيكم يعرف سري , تلهثون الآن وأنتم تقرئون مذكراتي بكل حماقة , ما ينفعكم أن عرفتم أسراري الآن , لن تزيدكم إلا بؤسا وحماقة .
محنط :
إن التعامل مع شخص مثلك أمر لا أستطيع فهمه أبدا , ذلك المساء كنت محنطا كفرعون بكامل جسدك إلا من عينك اليسار , ورئتك اليمنى , لا أدري ولكن سكنني الخوف من مجرد الإبقاء عليك في داري , الشجرة الخضراء في الخارج أبدت ترحيبا بك , ولم أضيعها من فرصة , الغراب يحاول نهش عينك الأخرى , لا يدري أنك كالخشب , أخبرني بماذا تشعر ؟! أعلم أنك تشعر بالبرد , انتظر سألبسك زيا , فما ترتديه يمكنه أن يجعل منك شخصا ذا مكانة , زيا عسكري , أو رداء طبيب , أو كفن , يليق بك الكفن صدقني مع قبعة من الريش سوداء اللون , تشعر الغراب بأن بينكما صلة قرابة , حين أهزك تخرخر تعبيرا عن رضاك .
أها .. هاقد انتهينا , ما بالك أحمر اللون وكأنك فتاة تسيء استعمال الزينة , هبت الزوبعة وتناحر الجميع وأنت تقف هنا بلا حراك , تسألني ما بال عينك اليسرى وكيف فقدتها , إن كانت هي لا تريدك من الأفضل لك أن تستغني عنها , أنظر إلى الأخرى حاول الغراب نهشها وتمسكت بك بكل طاقتها هذا هو الوفاء.
كف عن سؤالي , يفترض بك أن تعلم أنت أين ذهبت روحك فهي روحك وليست روحي , روحك الحمقاء كانت تعرف أن الجواد غير مروض , تمسكت بالسرج كثيرا , حتى سقطت ودهسها الجواد , ميتته سيئة جدا تحت أقدام جواد , على الرغم من أنها قديما كانت ميتة بشرف , لست فارسا كما كنت تعتقد .
على أية حال فقد كنت مادة دسمة للثرثرة بالنسبة للعجائز , حيث شغلن بك ونسين التفاخر بأحفادهن وأصهارهن , ذاك طبيب وآخر مهندس , وذاك مذيع والأجمل كان وزير الإعلام , أصبحت مشهورا جدا , فحتى الطيور في أعشاشها تأتي لتتغزل بنعومة ريش قبعتك , لا تدري أنه مزيف كأخلاقك تماما .
تعلم بما أشبهك الآن , بالمصفاة , نعم المصفاة , من خلالك يمكنني أن أعيد التشديد على أوجه الحياة المختلفة , الأخلاق , الصدق , ثم أهزك , فيبقى السوء بك فأنت كخشبة معلقة بغصن لا أعتقد أنك ستسيء المعاملة أبدا وأنت على هذه الهيئة , ولكنك مصفاة ذات شقوق كبيرة جدا , لا فائدة منك إطلاقا .
أترى هذا الخنفاس , ذلك المرقط الذي يترك خلفه أثرا عجيبا , يواصل تخطيطه للقيام برحلة إلى مكان ما , فحتى الأعشاب هناك لن تقف حائلا بينه وبين تخطيطه , الدماء تسري في جسدي الآن بسرعة , يراودني خاطر أن أصبح خنفاس , حتى ردائها جميل جدا , تعتقد أنه يمكنني فعل ذلك .
للأسف حياتك كلها لم تثمر عن شيء , بيتك أبناءك كلهم عبارة عن مجموعة هائلة من الحيوانات الجائعة التي ليست ملائمة لشيء إلا لاصطياد الحيوانات الأليفة , لا يبدو لي شيئا غريبا إن أخبروني يوما أن الجواد كان مروضا .
يبدو أنك لن تصمد طويلا أمام هذه الافتراءات وأنا أستمر فيها دون تحد لأنني سيدة الموقف هنا , ربما يكفي إلى الآن ما يحدث , لذا قد أعود غدا لدفنك , سآخذ القبعة معي أخشى عليك لدغ الثعابين .
إلى سلمى :
الشمس تبدو مثل ممرضة شاحبة جدا , انحنى ظهرها من كثرة العمل وتقوس , رداءها الأبيض اصفر لونه , في الواقع لم يتمكن أحد من الخروج في ذلك النهار , ولم يتمكن أحد غيري من أسر الشوق والحس الغامض في النظر اليها , دون أن أحجب نظري عن رؤيتها .
السيارات تبدو مثل فتاة ابتليت بحب عاصف ومخلص لرجل في الستين , تتقدم خطوة وتعود عشرات ,البنايات تبدو كقافلة تتوجس خيفة مع كل هبة ريح ومحاطة بقطاع الطرق ,الشارع الطويل يعاني من قلة النشاط , من حالة الهدوء , وأنا كعادتي أجلس على حافة النافذة أكتب لك في مجال المغامرة والهروب رسائلي التي لا تصلك ,أحافظ على التفاؤل اللامسؤول عن شيء مما أعيش فيه الآن , سأكتب لك هذه المرة عن الطمع , أرغب في زيادة بعض السنوات إلى رصيدي, سأحدثك عن مهارتي في المواصلة بحماس في ارتكاب الأخطاء , سأحدثك عن رغبتي في إطلاق العنان لساقيّ ليهربان بعيدا جدا عن بقية جسدي , سأتكئ على الحائط أنتظرها لتعود حافية القدمين عن رغبتي في إرسال يدي تلوح للمسافرين الذين لا يجدون أحدا يودعهم , سأحدثك عن رغبتي في التخلي عن إحدى عيني لتسافر بعيدا جدا , سأكون كريمة جدا وأدعها تشاهد بالنيابة عني كل المشاهد المفزعة في العالم ثم تعود وقد أصبحت عسلية اللون , سأمنحك سري الوحيد وهو أنني نزعت عني رداء المراهقة ولبست ثوب امرأة تجيد وضع الزينة بلا مبالغة .
لن أخبرك بحجم الرغبة التي تملكتني بأن أصبح أكثر طولا مما أنا عليه الآن حتى أصبح في طول فسان أمي الأسود , وأريد أن أكون أقصر بكثير حتى يغطيني ذلك اللحاف الذي حاكته لي بيديها وسيبلغك يوما أنني قفزت إلى عقلي واختفيت , تاركة خلفي كل اعتبار أخلاقي , وارتباط عائلي , محطمة كل سياج اجتماعي وستفصح لك الأيام أنني لونتها بجميع الألوان , ويوم الجمعة بالذات أتهمة بأنه مخلوق غير عادي يعمل جاهدا على جعلي أتساقط كحبات اللؤلؤ سبع مرات ليعيد جمعي في الأسبوع المقبل .
ستخبرك " جين آير " كم حملتها مالا طاقة لها به , فالصورة المشوهة لرواية " أحدب نوتردام " أثارت وبشكل غير مباشر أصنافا كثيرة من التخيلات التي هيمنت على روحي , لن تظهر لك حياتي المتمردة , التي تعاني جوعا ما لم أعد قادرة على إشباعه , بحيث يجبرني أن أعيش كل العواصف ’ وسيخبرك الأطفال الذين راحوا يصغون لأحاديثي المرعبة ويلهثون , أكاد أسمع خفقات قلوبهم وأسنانهم تصطك رعبا , سأحدثك أخيرا عن رأسي وهو يمارس دور المسئول عن حياتي , يستيقظ ويغسل وجهه ويعد طعام الإفطار ثم يوقظني , يصاب بالجنون أحيانا ويلعب معي لعبة " التخفي " فأعاود النوم فيمل في مخبأة ويعود إليّ طواعية .
سأذهب الآن , فالممرضة الشاحبة انتهت نوبتها فاستلمت عنها أخرى أشد نشاطا وتفرط في الزينة , والفتاة حسمت أمرها أخيرا وتزوجت ابن عمها وأنجبت الأبناء , والقافلة وصلت بأمان , لم تعد مشاهدة المسلسل الصباحي ممتعة الآن , ربما غدا في الحلقة الأخيرة نكمل الحديث .
إلى سلمى :
الشمس تبدو مثل عروس خجول , تذوب وتذوب خجلا وتختفي خلف الجبال , البنايات كالمشهد الأخير في المسرحية الدرامية حيث يسدل الستار على الجملة الأخيرة , والسيارات مثل قبيلتين تناحرتا والشارع موقع المعركة .
وأنا كعادتي أجلس على حافة النافذة أكتب لك رسائلي التي لا تصلك , عن مجالات الهروب والخوف والجنون , عن حياتي التي لا تختلف , عن ذلك التغيير الطفيف والذي يحدث كل عشرة أيام فأفرح به فرحة الأطفال بالعيد, سأكتب لك هذه المرة عن الجنون , عن الشيطان الخبيث القابع داخل أنفاسي السوداء , سأكتب لك عن السعادة التي أعمل جاهدة على هدم مغزاها الجميل ,عن رغبتي الملحة في الاحتفاظ بكراهية الناس , في جمع الأحقاد في علبتي الفضية , عن ذلك الصوت الرهيب الذي يوقظ الضمير , عن جريمتي النكراء , سأكتب لك عن عواطفي المتباينة , عن رغبتي في الانتحار , عن مشاعري التي تسكن في الأعماق وتعصف بالأعماق , عن روحي التي سافرت تجول كل البقاع إلا تلك التي أسكنها , عن العشب الأخضر الذي نبت تحت السرير , عن تلك القشعريرة القوية التي تجعلني أرتجف كلما تذكرته , عن ندائي الملح وصداه , عن الخلاص الذي يسكنني دون أن أجرؤ على الصياح أو البكاء أو حتى النظر , عن جسدي المفكك والذي أجمعه كلعبة المكعبات فيحلو لي أن أعيد ترتيبه , عن أصابعي التي تهرب وتختبئ فأمارس حياتي من دونها , عن الألم , عن الألم , عن الوحدة , عن مصيري المتعلق بجلوسي أو وقوفي , بضحكي أو عبوسي , بأملي أو يأسي .
إلى سلمى :
القمر يبدو مثل راقصة "باليه" أصيبت بالكساح يتمايل ويختبئ خلف الغيوم , والنجوم جمهور لا يملك ذائقة موسيقية , والشارع المظلم مثل سجين معمر أطلق سراحه بعد سجن دام مئات السنوات ولا يعرف إلى أين يتجه يعقد يديه خلف ظهره ويسير جيئة وذهابا ويتمنى أن ينتهي , البنايات كأطفال المدارس نامت مبكرا جدا بعد أن استذكرت دروسها , والسيارات كلافتات الطرق في وقوفها , فقط لتقول للسارقين انظروا أنا سيارة أقف هنا والطريق إليّ من هناك .
وأنا كعادتي أجلس على حافة نافذتي وأكتب لك رسائلي التي لا تصلك , لست كعادتي أبدا , لم أعد أستطيع البكاء , فالبكاء خانني طلب مني أن أضعة في البراد دقيقة ليبرد وحين عدت وجدت أخي قد التهمة , رأيته يبكي وفاة صديقة وهي أول مرة أرى رجل يبكي ولم أبكي , أبدا لم أبكي .
سأحدثك هذه المرة أحاديث جنونيه , عن عقلي الذي اختفى فجأة فأظل أبحث عنه تحت السجادة , في المطبخ والسيارة في الأسواق في لافتات الإعلانات , في الشوارع ودور الأيتام والمستشفيات , والمدارس والوزارات والسفارات والمقابر, والانترنت , وحين عاد .. عاد وقد مر بها جميعها , مغطى بكل معالم الجريمة والقبح , والغرائز والأحقاد , والظلم والهزيمة والسقوط , الهموم والأفكار السوداء .
عن نفسي التي أرسلتها لتتنقل في القرى والمدن والبلدان , لأربط الناس بالصمت , فأستورد منهم الثرثرة , لأستعير من كل عاق أمه وأبيه حتى يأتيني باكيا بعد الندم فأعيدهما إليه , أدخل المساجد وأسرق المصاحف وبعض التقوى من قلوب المصلين , عن الحرب الضروس التي تقوم في قلبي , روحي التي بعتها في سوقة نخاسة للشيطان , عن غضبي الذي أصب وابله على البشر , عن أصابعي التي أغمسها في كوب الحليب الساخن لأتأكد أنها لم تتخشب .
عن إحساسي العفوي الغريزي تجاه مادة "الصمغ " فألصق كل الأشياء ببعضها , تلك الأشياء التي لا تتقابل تدور حول بعضها البعض ثم تعود من حيث أتت , مثل طائران من بيضة واحدة لم يسبق لها أن إلتقيا , والبيضة لا تفقس إلا عن طائر واحد فلم يسبق أن سمعت بأن بيضة أخرجت توأمان ولكن الصمغ يفعل , يلصق صورهم بجانب صوري الحالية فأشعر بهم معي لا يزالون , أن ألصق الحرية بالتقييد , القوانين بالعبثية , أنا بكل شيء لا يشبهني كي أمارس طقوسي الشرسة تجاه الكائنات البشرية , كأن ألصق رأس أفعى بصورة من أكره .
عن البئر الذي كان يفيض ويغمرني بالسعادة , حتى أخذت أرض مشاعري بالذبول حتى جفت , فالبئر نضب , ولم تنضب دموعي بعد , سأكتب لك أخيرا باللون الأزرق ليس تفاؤلا بل لأن الحبر الأسود لم يعد يشعرني بالرهبة , أحاول أن أفهم الذبابة لماذا أستخدم المبيد الحشري فلا تفهم أخبرها أنني أخشى الموت كخشيتها هي منه فتهرب , عن سهرتي الخبيثة التي نصبت لهن فيها شركا ولم يأتين , وأخيرا لأخبرك بأنني لم أمت بعد وإن لم تبدو عليّ أيّ من علامات الحياة .
إلى سلمى :
الشمس تمر بمأزق لم تتعرض له فيما مضى , لذا تم القبض عليها واختفت , السماء تبرق وترعد غاضبة مني , والشارع الطويل ذلك الشارع الذي اعتدت أن أحدثك عنه يتناول غدائه غير مبالي بما يحدث , والبنايات ترتعش كعصفور مبلل , والسيارات راحت تستعرض نفسها وتستحم بالمطر , وأنا أجلس على حافة النافذة كعادتي أكتب لك رسائلي التي لا تصلك , عن مجالات التعايش مع الواقع وترنح الأصوات , ومرور الزمن , تتلاطم خواطري فلم تعد أمامي أيّ فكرة واضحة بعد سوى شعوري بأنني في كل دقيقة أتلقى لطمه تفقدني الوعي لدقائق فقط.
سأحدثك هذه المرة عن المطر , عن الرعب الذي يسكنني من صوت الرعد فأحتمي بالخزانة كالأطفال , أكره المطر لأنه يقتحمني في الأعماق , يكشفني , يغسلني , في حين كنت أعمل جاهدة على زيادة رصيدي من الأخطاء فيمسحها تماما , فأبدأ سلسلة أخرى , سأحدثك عن دفاتري , مدوناتي الصغيرة , عن تلك التي ألقي بها في النار , عن حروف السخط والألم الغير مباح , عن المدينة , والمتاجر , والنساء والأطفال والشيوخ , وأنا التي تعيش وسطهم فيحلو لي حرقهم وإحالتهم إلى العدم إلى الرماد , عن ذلك المكان الوهمي الذي أجدت القيام فيه بأدواري ونلت الجوائز , عن التعاسة والفقر والجهل .
عن المضي في النوم الطويل , الذي يجعلني أنسى كل شيء , عن ذاك الرجل العجوز الذي يزورنا ويرزح تحت مخالفات الحياة المتراكمة , أحب الحديث مع العجائز , ذلك يجعلني أمضي في هوان ومذلة , هم فقط من يجبرني أن أبحث في قاموسي عن كلمة تدعى الاحترام فأترجمها واقعيا , عن السأم الشديد الذي يقودني إلى المجهول فأسلك دروبا غير معلومة نهاياتها , عن ذلك الطفل الطيفي والطاغي الذي يثير فيّ شغفا ممزوجا بالحب والهلع اللذيذ من تعلقي به وأنا أعرف أنه سيرحل يوما ما , فيعود في أحلامي ويقول لي بصوته الجميل أنا أحيا بك وفيك , عن صوته الذي بدأ خافتا ثم أخذ يرتفع تدريجيا إلى أن أصبح مدويا , فسكن أنفاسي وجدد مشاعر الفقد مرة أخرى , لأذكرك فقط بأنني سأحضر بأقرب وقت ممكن .
عن نداءاتي الليلية لأمي ولا تسمعني فأظل كل ليلة أرددها ولا تسمعني , " أينك الآن أشعر بحاجتي إليك أكثر مما مضى , تعبت وأنا أحاول أن أتأقلم ولم أعد أستطيع حتى المحاولة , لم يتبق لي منك سوى القسط الأوفر من الطفولة وذكرياتها " عن التهديد الغامض الذي بقي يحوم فوق رأسي وتلك المآسي التي أتوقع حلولها بي ذات يوم فيضنيني التوقع بها , عن تلك الأمور التي تثير فيّ الغثيان ويجبروني على القيام بها , عن الجوع الذي بات يلح عليّ في هذه الأيام لاحتضانها وأبكي كل ما مضى بي دونها .
إلى سلمى "الموت " :
القمر لا يدرك النجوم ولا تدركه , والشارع يبدو مثل حقيبة سوداء قديمة تحمل بداخلها أشياء عجوز أمينة تجاه ما تملك فلا تفرط حتى ببكرة الخيوط حين تنتهي , والسيارات تمشي في جنازات الشارع المتعددة , والبنايات كثكلى تتقبل العزاء في ابنها الشهيد , وأنا كعادتي أجلس على حافة النافذة أكتب لك عن مجالات الحياة , والدمع , والبؤس , والعزلة , رسائلي التي لا تصلك .
سأحدثك هذه المرة عن الموت الخبيث الذي ملك جواز مرور لدخولي عنوة وعلى مفترق طريقين لا ثالث لهما إما هو أو هو يتركني أتخبط , بالمرض راح يشغلني وبشكل غامض أخذ يزخرفة على جبيني شامة كي يقتفي بها أثري إذا ما اختفيت دون أن يدركني , وكالسهم ضل يخترقني ويصوب الحسرة تجاهي فأبكي وبلا صوت يسمعني , يطرق بابي ويدخلني يسكنني ويبني في أعماقي مدينته ويهدمني ويبرح أرضي وبلا سكان يتركني , وفي المآتم يسمعني موسيقى شعبية تأسرني تمنحني الشقاء والشقاء يمنحني , وفي الأضواء يراقبني أطارد ظلي ويطاردني فيضع النجوم في كفي ليروضني , في النافذة يصلبني لانحرافي يعاقبني وبذهول أشد بالقادم ينبئني وعن الشطر الثاني من عمري يحدثني وبالعذر أقنعة لتخلفي عن الموعد فيذكرني بصورته التي تمنحني الرهبة وبتعذر الخلود تقنعني , وبالنهاية يخيفني وعلى خوض المعارك يجبرني وبقلبي أنا أخوضها فأتعلم أخيرا كيف أعيشني .
سأموت قبل بلوغ النهاية ورسائلي التي لا تصلك هي فقط من سيبكيني , سترتدي السواد وتقف في المحطات وصناديق البريد تبحث عن نورك لتؤدي مهمتها وتصلك , لست خائفة منه لكنه يخافني يراوغ ويباغتني في نومي لذا لا أنام , شيء ما مني يبقى مستيقظ كحارس ليلي يحرسني , قد أكون اختبرت الموت وهو أمر اهتديت له بعد ألم مخيف غير أن الموت لم يختبرني , لم يعرف بعد ما هي أسلحتي , يضل في رأسي يصيبه بالتصدع فصوته يطغى على كل تلك الخيالات التي تراودني فأسري بها عن نفسي كي أنسى ولا أنسى .
شعور يغمرني بالارتياح أن أضع الموت حدا نهائيا لحياتي , فبدأت أقرأ الموت وأتعلم لغته كي أعيش معه وننسجم في عيشنا معا , أحيا نهايتي ويحيا هو بدايتنا , الموت بكل ما في العبارة من رعب وفناء ولكنني اعتدت لفظها , لم يعد نطقها يصيبني بغصة ولم أعد أنطقها بصوت خافت وكأنني أخشى أن يسمعني فيأتي , حتى أنني أصبحت أكتب حروفه متصلة وليست متقطعة كما كنت أفعل قديما خوفا من قدومه , سيأتي لينتزعني من عالمي ولا تعلمين أن لا حدود للرعب الذي يستبد بي بمجرد إيماني بهذا وانتظاري الموجع له .
لم أعد كما أنا أبدا , ولم أعد حتى أستطيع التظاهر بعكس ما أشعر به حقا , لا أمارس الابتسام أو حتى أحاوله , مستاءة على الدوام , مذعورة جدا , مذعورة من كل شيء حتى من صوت أنفاسي , تعاودني ذكرى تلك الحادثة كل ثانية فأمقت الوقت وأمقت نفسي , تضل شفتاي ترددان " .... " من دون أن أسمع لي أدنى صوت حتى بت أعتقد أنني شكلا مترفا من النماذج التي تصنع ليشرح عليها للناس طريقة الموت وخطواته البطيئة , فقبلت أخيرا كوني كذلك فضحكت من قلبي ومنذ زمن وأنا لم أفعل , فأخيرا أصبحت شيئا ولو كان اعتقادي هذا راسخ في الجزء المعتم من نفسي.
مؤيد وموت محقق :
على أيّ حال وبصورة عامة سأموت , كنت كسولة جدا في المشاركة في أي من الحركات العلاجية , وغالبا ما كان تمردي يأخذ شكل المراوغة والتملص , غلقوا الأبواب والنوافذ وكل مكان يمكن له أن يكون منفذا للموت , ضعوا مبيد حشري على حواف النوافذ والأبواب , اختبئوا تحت السرير وداخل الخزانة , تناولوا بيضا مسلوقا وضعوا قشر البيض مع الحليب , واشربوا كميات كبيرة من اليانسون المحلى بالعسل .
في هذه الأيام يمكن اتقاءه بأي طريقة , يمكنك العيش واقفا تحت السرير وعلى الرغم من أنها خدعة لا تصلح في الواقع ولكن يمكنك فعلها , ولكن لا مفر في النهاية حتى لو اختبأت في خزانة من فلاذ , عليك الآن أن تصنع لنفسك صنيعا يخلد ذكراك .
اسمع يا عزيزي في البدء عليك القيام بتجربة مفيدة , أتذكر حين أخبرتني أنك كنت تجمع أعواد الآيس كريم منا ! كنت خبيثا في طفولتك ولم تخبرنا أننا يمكننا استبدالها بعبوة أخرى , تستحق التهاب اللوزتين إذن , يبدو أنك نادم الآن كثيرا عما فعلته , بالطبع لن أسامحك , دعنا نعود للتجربة التي عليك أن تجربها , أبلغ رؤسائك وزوجاتك أنك ستذهب في مهمة حساسة جدا , مسألة حياة أو موت , عليك أن تتوجه إلى المقبرة واحفر قبرا بحجم منزلك الآن , نم فيه ليلتك , ثم عد وأخبرني بماذا تشعر .
أها لقد عدت باكرا , هل مللت , يمكنني أن أتنبأ من شكلك أن الديدان والحشرات لسعتك وربما تغوطت على رأسك أيضا , لما لم تنتظر شروق الشمس , كان عليك أن تبقى يوما كاملا لدراسة الوضع , بالنسبة لي أتذكر المكان جيدا , حتى النبات لن يتركك في شأنك فتلك الشجرة , ستزورك جذورها ذات يوم , حين تفعل حاول أن تفتح جذورها بأي شيء حاد معك , تجد رسالتي هذه بداخلها .
الآن اذهب اصنع لنفسك تماثيل حجرية واجعلها تقف بجانب البوابة الأمامية لمنزلك ترحب بضيفك وتخلد ذكرك , لن يطحنها الزمن بالتأكيد , يا للقرف هلا تحسست رأسك الآن وأرنبة أنفك أو حاجبك , اممم لقد عشش الحمام على قمة رأسك وتغوط على أنفك وبعض الريش دخل إلى فمك , ألهذه الدرجة أنت لا تشعر ؟!
أعرف أنك شخصية مرموقة جدا , لهذا تخشى أن يتغوط الحمام على رأسك فيها مهانة أدري , يمكنك أن تعلق صورتك في متحف اللوفر بجانب الموناليزا أيضا كطريقة بديلة لتخليد ذكراك , ولشهرتك ستسرق ! وسارقك لا يقدر شخصك , في الحقيقة كان يريد لوحة الموناليزا وأخطأ لشدة الظلام , وحين اكتشف رمى بك في أقرب حاوية قمامة , يا للقرف انظر حولك بعض النقانق و البطاطا المقلية والكاتشاب يمكنك تذوقها , وحفائظ الأطفال التي بالتأكيد تحمل في أحشائها شيء مقرف, اسمع أحدهم يقترب , ربما سينقذك يمكنك الصراخ ولكن لا بأس عليك لن يسمعك أحد فلسنا في فيلم خيالي , طخ , يبدو أنك جالب للحيوانات هذه القطة تبحث عن الطعام ,يع .. أتحس بالبلل , يبدو أنها تبولت على وجهك أعانك الله .
دعنا من كل هذا الآن وأخبرني أنت , كيف حالك لقد كان لرسائلك الطفولية بصمتها المميزة , كنت أعاملك بوحشية حين وبمرح حين آخر , أوبأية وسيلة كنت أشعر بها , كم عام مر إلى الآن , لم أرك فيها , ربما كما تقول فيروز ( كنت مفركتك برات البلاد , كيفك انت قال صار عندك ولاد ) أتذكرني , إن كنت تعتقد أنني أذكرك فأنت مخطئ فالبارحة فتحت صندوقي وجدت رسالتك التي رسمت فيها قلب أحمر بسهمين , ويؤسفني أن أقول لك بأن السيارة التي أهديتني إياها تحطمت من يوما فمن يهدي فتاة سيارة على أية حال , صورتك بجانب جدي وأنت ترتدي ذلك الزي في العيد الثامن لي على وجه الأرض ما زالت موجودة , هل حلقت شعرك الأشعث ؟! لا زلت تحب " سلفستر ستالون " وتقلده ؟!
ألم توحي لي ذات طفولة أنك تحبني , أنت شخص غير وفي أبدا , أربع يا مجرم أربع زوجات, أهو حب كبير يسع لخمس ؟! كم ولد لك ؟! 24 يا لقدرتك على الشقاء , وتريد ما يخلد ذكرك أيضا , أما زلت تطلب طريقة , زدهم 24 آخرين وستصبح حقا مخلد الذكر حتى آخر جيل يستطيع أن يتنفس هواء طبيعي دون الحاجة لقناع أكسجين .
ديوانك الشعري الوحيد , بلغني أنه كله موجه لي , قصائدك لا بأس بها , حين أخبرتني بغيرة زوجاتك مني , لم أصدقك , ولكن حين أخبرتني أنهن يمسحن الأطباق ومرايا المنزل بأوراق ديوانك صدقتك , يبدو أنك لست بشاعر لا يستهان به , ما أحمقك كنت تعتقد أنهن يفعلن هذا كالتبرك به , طيب القلب أنت بل أحمق .
خذ مني سر عليك أن لا تخبر حتى نفسك به , أحضر ورقة وضمنها بأسماء أعداءك , وأولئك الذين أقسمت على أن تكون صداقتك أبدية بهم, بشرط أن يكون العدد متساو , استبدل أصدقاؤك بأعدائك , أفرط سبحتك الآن ودعها تتناثر على الورقة فمن تقع عليه الخرزة الفريدة بين أخواتها , إنه الخيار السليم حتما وهو الشخص الجدير بأن يكون صديقك الأبدي , هذا لا يعني أن تخبره بشأني , كن واثقا إن أخبرته سيقتلك فالأصدقاء هم أول من يقتلك في حين أنت تعتقد أن أعداءك يضمرون لك الشر .
أعلم أن زحف مخيف لأفكارك ونية أخرى تحارب نواياك بأن تجربها على زوجاتك فقد مللتهن وتريد أن تبقي على إحداهن ولكنك تخشى أن تسيء الاختيار , يمكنك تجربتها ولكن عليك أن تحضر أربعة ألماسات متوسطة الحجم , وتكتب أسماءهن على بردة من حرير , بماء الذهب وامضي في التجربة , أعانك الله .
أخبرتك أنني لا أريد المزيد من سفك الدماء أو الصراعات الدرامية بينك وبين أبناءك , أدري .. أدري دون أن تخبرني أن ابنك هيمنت علية أفكار خطيرة , وأصبح شخصا تافها , أراه كل ليلة يتسلل خارجا من مخبأة ويمارس لعب الكرة في الظلام , لقد سيطرة عليه هذه الخرافة اللعينة , أعتقد أنها لعنة حلت عليه , عليك عرضه على طبيب , ثم تعال إلى هنا أتريدني أن أذكرك بطفولتك أو بالأحرى مراهقتك فلم أحضر طفولتك , سأخبرك ما يقلقك أكثر ابنك يعيد تاريخك فإن كنت تستطيع أن تعود إلى ماضيك وتمسح أخطاءك وهفواتك , آها .. أتريدني أن أذكرك , أتذكر ؟! إن أمكنك ذلك يمكنك الآن أن تعيد إصلاح ابنك من جديد .
بلغني ما فعلت في مقر عملك آخر مرة , راح الناس يغمغمون كثيرا حول ما جرى , ألم تظهر بالتلفاز ؟! لقد تضاعف عدد أعدائك من جرائها , حتى أن بائعة اللب العجوز بصقت عليك و تفوهت بكلام عجيب ورمت أربعة أكياس في حاوية القمامة , وقالت لي وكأنها تعرف علاقتي بك : أخبريه أن رقم أربعة مشئوم يا ابنتي , سيموت في العقد الرابع , سيشاركه قبره أربعة أجنة لم ترى النور وأربعة ثعابين , سنة موته ستنفجر أربعة براكين , وزوجاته يعشن قحط في منزل واحد من أربع حجرات , سيتبعه أربعة من أبناءة بعد أربعة أيام .
رسالة خاصة :
ريم , في المكان الوحيد الذي لا يشبه الموت التقينا , ثم أنك لم تخبريني بعد أنك نجحت وستدخلين الجامعة مبارك يا عزيزتي, آسفة يا عزيزتي إن كنت هجرتك فجأة فأنا لم أسدد فاتورة نبضاتي وقطعت الخدمة عني نهائيا لتأخري في السداد , كفي عن الاتصال بي فذلك يؤلمني كثيرا , حتى الـ sms تصلني كل النص مفقود وإيميلاتك تصلني خالية وبحروف كالطلاسم أعجز عن فكها , أنا لا أظهر دون اتصال فأنا دون اتصال أساسا , لا يوجد هنا بن مطحون أضعة على الجرح ولا ملح أضعة على شراب التوت المسكوب على سجادة حجرتي , ولا معجون أسنان أضعة تحت درج المكتب لأعرف إن كان أحدهم يعبث بأغراضي , ولا يوجد دفتر أحمر أرسم فيه أرانب وفئران وأضع اسمك تحتها واسم معلمة الفيزياء الكريهة , أفتقدك وأفتقد كل أشياءنا الجميلة معا , عطر live is , وأساور الذهب التي ظلت أمي تكبر مقاسها كلما ضاق مقاسها على معصمي, نزعوها عني , ورد الشاي والريحان لن يعتني بهما أحد وسيلحقان بي بالتأكيد , فستاني الأزرق الذي تكرهينه معلق في الخزانة قصصت أجزاء كثيرة منه وحشوتها في دميتي , ريم , من المكان الوحيد الذي يشبه الموت يمكنك مراسلتي والاتصال بي , فقط تذكريني قبل النوم وسأزورك في المنام كما كانت تفعل أمي بي وسأرتدي الفستان الأزرق .
مذكراتي :
أرى أنكم على عجالة من أمركم فجثتي لم تبرد بعد , يا لخيبتكم ,على الأرجح أن مذكراتي لن تخبر الحقيقة , فمن يعتقد أنني سأضع فيها ما بقي مستترا فهو غبي .
جريمة ذات سحر :
أعيش منعزلة , قطة بيضاء تشاركني عزلتي , يزعجني مواءها كلما تحدثت معها ولا تفهمني , يتساءل الجميع أين اختفت , لا يعلمون أنني غضبت منها ذات ليلة وألقيت بها من النافذة من علو , ماتت المسكينة , سحقا لم أبك على موتتها أبدا , دفنتها بدم بارد , ودفنت معها كتاب "تعلمت من الحياة " تعلمت من الحياة كيف أقتل قطة .
تغريبة ذات سحر :
أينك الآن , مللت الوحدة هل يمكنك العودة الآن , لن أرميك مرة أخرى من النافذة صدقيني , سأستبدلك بخمس سمكات .
جريمة ذات فجر :
لقد التهم اللهيب كل شيء وفي النهاية لم يمت البطل , لماذا الأبطال لا يموتون دائما , تبا لكن أجبنني , ومع أن الجميع لم يسأل أين اختفين السمكات ولكن المرحاض يمكنه أن يجيب الجميع إن سأل أحدهم .
مزعج :
يحاول أن يشعرني بالسعادة فيضحك , ولكنه كان في الواقع يزعجني يشعرني بذلك الشعور الغامض للسيرك , حين تحملق في العروض ولا تعرف مشاعرك ما التصرف الواجب عليها القيام به .
غبية :
أهدتني حين خرجت من المشفى قلادة ذات تعليقه على هيئة هلال أحمر تحيط به ثلاثة نجوم , أي هبة ريح صغيرة ستأخذها في طريقها , وكما تصفها الغبية الأخرى أنها سخط , وصفها بالسخط أعجبني مما دعاني أتمسك بها وأرتديها دائما , الغبية تظن أنني أحبها ولست أحب أحدا عموما .
كذبت :
أنا نائمة , ولست نائمة لا أريد الحديث بشأن الموضوع , قلبي لا يوجعني لا أطيق النفاق والحديث بلا نتيجة , نعم أخذت الدواء , أتحسسه تحت وسادتي كبسولتان , حسنا لا أصدقك سأعد كم كبسولة في العلبة لأعرف , فتنطلي عليها الخدعة , أحلم بالموت , أستيقظ وأخرجها من تحت وسادتي وأبتلعها وأعاود النوم براحة , تبا لي كم أنا جبانة , لماذا أتمسك بالحياة .
انتحرت :
لم أعد جبانة تركت الدواء فعلا , عملية كانت كفيلة بزيادة جرعات الدواء وأيام أخرى لأعيش .
مت :
أعرف أنكم منزعجون من سكوتي وغموضي فلا أحد فيكم يعرف سري , تلهثون الآن وأنتم تقرئون مذكراتي بكل حماقة , ما ينفعكم أن عرفتم أسراري الآن , لن تزيدكم إلا بؤسا وحماقة .
محنط :
إن التعامل مع شخص مثلك أمر لا أستطيع فهمه أبدا , ذلك المساء كنت محنطا كفرعون بكامل جسدك إلا من عينك اليسار , ورئتك اليمنى , لا أدري ولكن سكنني الخوف من مجرد الإبقاء عليك في داري , الشجرة الخضراء في الخارج أبدت ترحيبا بك , ولم أضيعها من فرصة , الغراب يحاول نهش عينك الأخرى , لا يدري أنك كالخشب , أخبرني بماذا تشعر ؟! أعلم أنك تشعر بالبرد , انتظر سألبسك زيا , فما ترتديه يمكنه أن يجعل منك شخصا ذا مكانة , زيا عسكري , أو رداء طبيب , أو كفن , يليق بك الكفن صدقني مع قبعة من الريش سوداء اللون , تشعر الغراب بأن بينكما صلة قرابة , حين أهزك تخرخر تعبيرا عن رضاك .
أها .. هاقد انتهينا , ما بالك أحمر اللون وكأنك فتاة تسيء استعمال الزينة , هبت الزوبعة وتناحر الجميع وأنت تقف هنا بلا حراك , تسألني ما بال عينك اليسرى وكيف فقدتها , إن كانت هي لا تريدك من الأفضل لك أن تستغني عنها , أنظر إلى الأخرى حاول الغراب نهشها وتمسكت بك بكل طاقتها هذا هو الوفاء.
كف عن سؤالي , يفترض بك أن تعلم أنت أين ذهبت روحك فهي روحك وليست روحي , روحك الحمقاء كانت تعرف أن الجواد غير مروض , تمسكت بالسرج كثيرا , حتى سقطت ودهسها الجواد , ميتته سيئة جدا تحت أقدام جواد , على الرغم من أنها قديما كانت ميتة بشرف , لست فارسا كما كنت تعتقد .
على أية حال فقد كنت مادة دسمة للثرثرة بالنسبة للعجائز , حيث شغلن بك ونسين التفاخر بأحفادهن وأصهارهن , ذاك طبيب وآخر مهندس , وذاك مذيع والأجمل كان وزير الإعلام , أصبحت مشهورا جدا , فحتى الطيور في أعشاشها تأتي لتتغزل بنعومة ريش قبعتك , لا تدري أنه مزيف كأخلاقك تماما .
تعلم بما أشبهك الآن , بالمصفاة , نعم المصفاة , من خلالك يمكنني أن أعيد التشديد على أوجه الحياة المختلفة , الأخلاق , الصدق , ثم أهزك , فيبقى السوء بك فأنت كخشبة معلقة بغصن لا أعتقد أنك ستسيء المعاملة أبدا وأنت على هذه الهيئة , ولكنك مصفاة ذات شقوق كبيرة جدا , لا فائدة منك إطلاقا .
أترى هذا الخنفاس , ذلك المرقط الذي يترك خلفه أثرا عجيبا , يواصل تخطيطه للقيام برحلة إلى مكان ما , فحتى الأعشاب هناك لن تقف حائلا بينه وبين تخطيطه , الدماء تسري في جسدي الآن بسرعة , يراودني خاطر أن أصبح خنفاس , حتى ردائها جميل جدا , تعتقد أنه يمكنني فعل ذلك .
للأسف حياتك كلها لم تثمر عن شيء , بيتك أبناءك كلهم عبارة عن مجموعة هائلة من الحيوانات الجائعة التي ليست ملائمة لشيء إلا لاصطياد الحيوانات الأليفة , لا يبدو لي شيئا غريبا إن أخبروني يوما أن الجواد كان مروضا .
يبدو أنك لن تصمد طويلا أمام هذه الافتراءات وأنا أستمر فيها دون تحد لأنني سيدة الموقف هنا , ربما يكفي إلى الآن ما يحدث , لذا قد أعود غدا لدفنك , سآخذ القبعة معي أخشى عليك لدغ الثعابين .
إلى سلمى :
الشمس تبدو مثل ممرضة شاحبة جدا , انحنى ظهرها من كثرة العمل وتقوس , رداءها الأبيض اصفر لونه , في الواقع لم يتمكن أحد من الخروج في ذلك النهار , ولم يتمكن أحد غيري من أسر الشوق والحس الغامض في النظر اليها , دون أن أحجب نظري عن رؤيتها .
السيارات تبدو مثل فتاة ابتليت بحب عاصف ومخلص لرجل في الستين , تتقدم خطوة وتعود عشرات ,البنايات تبدو كقافلة تتوجس خيفة مع كل هبة ريح ومحاطة بقطاع الطرق ,الشارع الطويل يعاني من قلة النشاط , من حالة الهدوء , وأنا كعادتي أجلس على حافة النافذة أكتب لك في مجال المغامرة والهروب رسائلي التي لا تصلك ,أحافظ على التفاؤل اللامسؤول عن شيء مما أعيش فيه الآن , سأكتب لك هذه المرة عن الطمع , أرغب في زيادة بعض السنوات إلى رصيدي, سأحدثك عن مهارتي في المواصلة بحماس في ارتكاب الأخطاء , سأحدثك عن رغبتي في إطلاق العنان لساقيّ ليهربان بعيدا جدا عن بقية جسدي , سأتكئ على الحائط أنتظرها لتعود حافية القدمين عن رغبتي في إرسال يدي تلوح للمسافرين الذين لا يجدون أحدا يودعهم , سأحدثك عن رغبتي في التخلي عن إحدى عيني لتسافر بعيدا جدا , سأكون كريمة جدا وأدعها تشاهد بالنيابة عني كل المشاهد المفزعة في العالم ثم تعود وقد أصبحت عسلية اللون , سأمنحك سري الوحيد وهو أنني نزعت عني رداء المراهقة ولبست ثوب امرأة تجيد وضع الزينة بلا مبالغة .
لن أخبرك بحجم الرغبة التي تملكتني بأن أصبح أكثر طولا مما أنا عليه الآن حتى أصبح في طول فسان أمي الأسود , وأريد أن أكون أقصر بكثير حتى يغطيني ذلك اللحاف الذي حاكته لي بيديها وسيبلغك يوما أنني قفزت إلى عقلي واختفيت , تاركة خلفي كل اعتبار أخلاقي , وارتباط عائلي , محطمة كل سياج اجتماعي وستفصح لك الأيام أنني لونتها بجميع الألوان , ويوم الجمعة بالذات أتهمة بأنه مخلوق غير عادي يعمل جاهدا على جعلي أتساقط كحبات اللؤلؤ سبع مرات ليعيد جمعي في الأسبوع المقبل .
ستخبرك " جين آير " كم حملتها مالا طاقة لها به , فالصورة المشوهة لرواية " أحدب نوتردام " أثارت وبشكل غير مباشر أصنافا كثيرة من التخيلات التي هيمنت على روحي , لن تظهر لك حياتي المتمردة , التي تعاني جوعا ما لم أعد قادرة على إشباعه , بحيث يجبرني أن أعيش كل العواصف ’ وسيخبرك الأطفال الذين راحوا يصغون لأحاديثي المرعبة ويلهثون , أكاد أسمع خفقات قلوبهم وأسنانهم تصطك رعبا , سأحدثك أخيرا عن رأسي وهو يمارس دور المسئول عن حياتي , يستيقظ ويغسل وجهه ويعد طعام الإفطار ثم يوقظني , يصاب بالجنون أحيانا ويلعب معي لعبة " التخفي " فأعاود النوم فيمل في مخبأة ويعود إليّ طواعية .
سأذهب الآن , فالممرضة الشاحبة انتهت نوبتها فاستلمت عنها أخرى أشد نشاطا وتفرط في الزينة , والفتاة حسمت أمرها أخيرا وتزوجت ابن عمها وأنجبت الأبناء , والقافلة وصلت بأمان , لم تعد مشاهدة المسلسل الصباحي ممتعة الآن , ربما غدا في الحلقة الأخيرة نكمل الحديث .
إلى سلمى :
الشمس تبدو مثل عروس خجول , تذوب وتذوب خجلا وتختفي خلف الجبال , البنايات كالمشهد الأخير في المسرحية الدرامية حيث يسدل الستار على الجملة الأخيرة , والسيارات مثل قبيلتين تناحرتا والشارع موقع المعركة .
وأنا كعادتي أجلس على حافة النافذة أكتب لك رسائلي التي لا تصلك , عن مجالات الهروب والخوف والجنون , عن حياتي التي لا تختلف , عن ذلك التغيير الطفيف والذي يحدث كل عشرة أيام فأفرح به فرحة الأطفال بالعيد, سأكتب لك هذه المرة عن الجنون , عن الشيطان الخبيث القابع داخل أنفاسي السوداء , سأكتب لك عن السعادة التي أعمل جاهدة على هدم مغزاها الجميل ,عن رغبتي الملحة في الاحتفاظ بكراهية الناس , في جمع الأحقاد في علبتي الفضية , عن ذلك الصوت الرهيب الذي يوقظ الضمير , عن جريمتي النكراء , سأكتب لك عن عواطفي المتباينة , عن رغبتي في الانتحار , عن مشاعري التي تسكن في الأعماق وتعصف بالأعماق , عن روحي التي سافرت تجول كل البقاع إلا تلك التي أسكنها , عن العشب الأخضر الذي نبت تحت السرير , عن تلك القشعريرة القوية التي تجعلني أرتجف كلما تذكرته , عن ندائي الملح وصداه , عن الخلاص الذي يسكنني دون أن أجرؤ على الصياح أو البكاء أو حتى النظر , عن جسدي المفكك والذي أجمعه كلعبة المكعبات فيحلو لي أن أعيد ترتيبه , عن أصابعي التي تهرب وتختبئ فأمارس حياتي من دونها , عن الألم , عن الألم , عن الوحدة , عن مصيري المتعلق بجلوسي أو وقوفي , بضحكي أو عبوسي , بأملي أو يأسي .
إلى سلمى :
القمر يبدو مثل راقصة "باليه" أصيبت بالكساح يتمايل ويختبئ خلف الغيوم , والنجوم جمهور لا يملك ذائقة موسيقية , والشارع المظلم مثل سجين معمر أطلق سراحه بعد سجن دام مئات السنوات ولا يعرف إلى أين يتجه يعقد يديه خلف ظهره ويسير جيئة وذهابا ويتمنى أن ينتهي , البنايات كأطفال المدارس نامت مبكرا جدا بعد أن استذكرت دروسها , والسيارات كلافتات الطرق في وقوفها , فقط لتقول للسارقين انظروا أنا سيارة أقف هنا والطريق إليّ من هناك .
وأنا كعادتي أجلس على حافة نافذتي وأكتب لك رسائلي التي لا تصلك , لست كعادتي أبدا , لم أعد أستطيع البكاء , فالبكاء خانني طلب مني أن أضعة في البراد دقيقة ليبرد وحين عدت وجدت أخي قد التهمة , رأيته يبكي وفاة صديقة وهي أول مرة أرى رجل يبكي ولم أبكي , أبدا لم أبكي .
سأحدثك هذه المرة أحاديث جنونيه , عن عقلي الذي اختفى فجأة فأظل أبحث عنه تحت السجادة , في المطبخ والسيارة في الأسواق في لافتات الإعلانات , في الشوارع ودور الأيتام والمستشفيات , والمدارس والوزارات والسفارات والمقابر, والانترنت , وحين عاد .. عاد وقد مر بها جميعها , مغطى بكل معالم الجريمة والقبح , والغرائز والأحقاد , والظلم والهزيمة والسقوط , الهموم والأفكار السوداء .
عن نفسي التي أرسلتها لتتنقل في القرى والمدن والبلدان , لأربط الناس بالصمت , فأستورد منهم الثرثرة , لأستعير من كل عاق أمه وأبيه حتى يأتيني باكيا بعد الندم فأعيدهما إليه , أدخل المساجد وأسرق المصاحف وبعض التقوى من قلوب المصلين , عن الحرب الضروس التي تقوم في قلبي , روحي التي بعتها في سوقة نخاسة للشيطان , عن غضبي الذي أصب وابله على البشر , عن أصابعي التي أغمسها في كوب الحليب الساخن لأتأكد أنها لم تتخشب .
عن إحساسي العفوي الغريزي تجاه مادة "الصمغ " فألصق كل الأشياء ببعضها , تلك الأشياء التي لا تتقابل تدور حول بعضها البعض ثم تعود من حيث أتت , مثل طائران من بيضة واحدة لم يسبق لها أن إلتقيا , والبيضة لا تفقس إلا عن طائر واحد فلم يسبق أن سمعت بأن بيضة أخرجت توأمان ولكن الصمغ يفعل , يلصق صورهم بجانب صوري الحالية فأشعر بهم معي لا يزالون , أن ألصق الحرية بالتقييد , القوانين بالعبثية , أنا بكل شيء لا يشبهني كي أمارس طقوسي الشرسة تجاه الكائنات البشرية , كأن ألصق رأس أفعى بصورة من أكره .
عن البئر الذي كان يفيض ويغمرني بالسعادة , حتى أخذت أرض مشاعري بالذبول حتى جفت , فالبئر نضب , ولم تنضب دموعي بعد , سأكتب لك أخيرا باللون الأزرق ليس تفاؤلا بل لأن الحبر الأسود لم يعد يشعرني بالرهبة , أحاول أن أفهم الذبابة لماذا أستخدم المبيد الحشري فلا تفهم أخبرها أنني أخشى الموت كخشيتها هي منه فتهرب , عن سهرتي الخبيثة التي نصبت لهن فيها شركا ولم يأتين , وأخيرا لأخبرك بأنني لم أمت بعد وإن لم تبدو عليّ أيّ من علامات الحياة .
إلى سلمى :
الشمس تمر بمأزق لم تتعرض له فيما مضى , لذا تم القبض عليها واختفت , السماء تبرق وترعد غاضبة مني , والشارع الطويل ذلك الشارع الذي اعتدت أن أحدثك عنه يتناول غدائه غير مبالي بما يحدث , والبنايات ترتعش كعصفور مبلل , والسيارات راحت تستعرض نفسها وتستحم بالمطر , وأنا أجلس على حافة النافذة كعادتي أكتب لك رسائلي التي لا تصلك , عن مجالات التعايش مع الواقع وترنح الأصوات , ومرور الزمن , تتلاطم خواطري فلم تعد أمامي أيّ فكرة واضحة بعد سوى شعوري بأنني في كل دقيقة أتلقى لطمه تفقدني الوعي لدقائق فقط.
سأحدثك هذه المرة عن المطر , عن الرعب الذي يسكنني من صوت الرعد فأحتمي بالخزانة كالأطفال , أكره المطر لأنه يقتحمني في الأعماق , يكشفني , يغسلني , في حين كنت أعمل جاهدة على زيادة رصيدي من الأخطاء فيمسحها تماما , فأبدأ سلسلة أخرى , سأحدثك عن دفاتري , مدوناتي الصغيرة , عن تلك التي ألقي بها في النار , عن حروف السخط والألم الغير مباح , عن المدينة , والمتاجر , والنساء والأطفال والشيوخ , وأنا التي تعيش وسطهم فيحلو لي حرقهم وإحالتهم إلى العدم إلى الرماد , عن ذلك المكان الوهمي الذي أجدت القيام فيه بأدواري ونلت الجوائز , عن التعاسة والفقر والجهل .
عن المضي في النوم الطويل , الذي يجعلني أنسى كل شيء , عن ذاك الرجل العجوز الذي يزورنا ويرزح تحت مخالفات الحياة المتراكمة , أحب الحديث مع العجائز , ذلك يجعلني أمضي في هوان ومذلة , هم فقط من يجبرني أن أبحث في قاموسي عن كلمة تدعى الاحترام فأترجمها واقعيا , عن السأم الشديد الذي يقودني إلى المجهول فأسلك دروبا غير معلومة نهاياتها , عن ذلك الطفل الطيفي والطاغي الذي يثير فيّ شغفا ممزوجا بالحب والهلع اللذيذ من تعلقي به وأنا أعرف أنه سيرحل يوما ما , فيعود في أحلامي ويقول لي بصوته الجميل أنا أحيا بك وفيك , عن صوته الذي بدأ خافتا ثم أخذ يرتفع تدريجيا إلى أن أصبح مدويا , فسكن أنفاسي وجدد مشاعر الفقد مرة أخرى , لأذكرك فقط بأنني سأحضر بأقرب وقت ممكن .
عن نداءاتي الليلية لأمي ولا تسمعني فأظل كل ليلة أرددها ولا تسمعني , " أينك الآن أشعر بحاجتي إليك أكثر مما مضى , تعبت وأنا أحاول أن أتأقلم ولم أعد أستطيع حتى المحاولة , لم يتبق لي منك سوى القسط الأوفر من الطفولة وذكرياتها " عن التهديد الغامض الذي بقي يحوم فوق رأسي وتلك المآسي التي أتوقع حلولها بي ذات يوم فيضنيني التوقع بها , عن تلك الأمور التي تثير فيّ الغثيان ويجبروني على القيام بها , عن الجوع الذي بات يلح عليّ في هذه الأيام لاحتضانها وأبكي كل ما مضى بي دونها .
إلى سلمى "الموت " :
القمر لا يدرك النجوم ولا تدركه , والشارع يبدو مثل حقيبة سوداء قديمة تحمل بداخلها أشياء عجوز أمينة تجاه ما تملك فلا تفرط حتى ببكرة الخيوط حين تنتهي , والسيارات تمشي في جنازات الشارع المتعددة , والبنايات كثكلى تتقبل العزاء في ابنها الشهيد , وأنا كعادتي أجلس على حافة النافذة أكتب لك عن مجالات الحياة , والدمع , والبؤس , والعزلة , رسائلي التي لا تصلك .
سأحدثك هذه المرة عن الموت الخبيث الذي ملك جواز مرور لدخولي عنوة وعلى مفترق طريقين لا ثالث لهما إما هو أو هو يتركني أتخبط , بالمرض راح يشغلني وبشكل غامض أخذ يزخرفة على جبيني شامة كي يقتفي بها أثري إذا ما اختفيت دون أن يدركني , وكالسهم ضل يخترقني ويصوب الحسرة تجاهي فأبكي وبلا صوت يسمعني , يطرق بابي ويدخلني يسكنني ويبني في أعماقي مدينته ويهدمني ويبرح أرضي وبلا سكان يتركني , وفي المآتم يسمعني موسيقى شعبية تأسرني تمنحني الشقاء والشقاء يمنحني , وفي الأضواء يراقبني أطارد ظلي ويطاردني فيضع النجوم في كفي ليروضني , في النافذة يصلبني لانحرافي يعاقبني وبذهول أشد بالقادم ينبئني وعن الشطر الثاني من عمري يحدثني وبالعذر أقنعة لتخلفي عن الموعد فيذكرني بصورته التي تمنحني الرهبة وبتعذر الخلود تقنعني , وبالنهاية يخيفني وعلى خوض المعارك يجبرني وبقلبي أنا أخوضها فأتعلم أخيرا كيف أعيشني .
سأموت قبل بلوغ النهاية ورسائلي التي لا تصلك هي فقط من سيبكيني , سترتدي السواد وتقف في المحطات وصناديق البريد تبحث عن نورك لتؤدي مهمتها وتصلك , لست خائفة منه لكنه يخافني يراوغ ويباغتني في نومي لذا لا أنام , شيء ما مني يبقى مستيقظ كحارس ليلي يحرسني , قد أكون اختبرت الموت وهو أمر اهتديت له بعد ألم مخيف غير أن الموت لم يختبرني , لم يعرف بعد ما هي أسلحتي , يضل في رأسي يصيبه بالتصدع فصوته يطغى على كل تلك الخيالات التي تراودني فأسري بها عن نفسي كي أنسى ولا أنسى .
شعور يغمرني بالارتياح أن أضع الموت حدا نهائيا لحياتي , فبدأت أقرأ الموت وأتعلم لغته كي أعيش معه وننسجم في عيشنا معا , أحيا نهايتي ويحيا هو بدايتنا , الموت بكل ما في العبارة من رعب وفناء ولكنني اعتدت لفظها , لم يعد نطقها يصيبني بغصة ولم أعد أنطقها بصوت خافت وكأنني أخشى أن يسمعني فيأتي , حتى أنني أصبحت أكتب حروفه متصلة وليست متقطعة كما كنت أفعل قديما خوفا من قدومه , سيأتي لينتزعني من عالمي ولا تعلمين أن لا حدود للرعب الذي يستبد بي بمجرد إيماني بهذا وانتظاري الموجع له .
لم أعد كما أنا أبدا , ولم أعد حتى أستطيع التظاهر بعكس ما أشعر به حقا , لا أمارس الابتسام أو حتى أحاوله , مستاءة على الدوام , مذعورة جدا , مذعورة من كل شيء حتى من صوت أنفاسي , تعاودني ذكرى تلك الحادثة كل ثانية فأمقت الوقت وأمقت نفسي , تضل شفتاي ترددان " .... " من دون أن أسمع لي أدنى صوت حتى بت أعتقد أنني شكلا مترفا من النماذج التي تصنع ليشرح عليها للناس طريقة الموت وخطواته البطيئة , فقبلت أخيرا كوني كذلك فضحكت من قلبي ومنذ زمن وأنا لم أفعل , فأخيرا أصبحت شيئا ولو كان اعتقادي هذا راسخ في الجزء المعتم من نفسي.
_
تعليق