كراس الأعشاب الجافة
على الهضبة المطلة على بحيرة ناعمة كان يقضي شطر أيامه يراقب حركة الماء و تدرج الألوان و الظلال يضمد بها شح عواطفه التي
أنضبتها صفعات متتالية على قلبه الهش و في الليل كان يراقب الفراشات و هي تقترب من مصباحه مراوغة الموت و النهاية رافضة الإحتراق إلا بعد متعة حيث يضيع الوعي و يستشري الخيال و تمتد غيبوبة جميلة تستعذب السكين في الجرح. لم يكن يريد أن يعد الأيام فلم يفعل غير ذلك في السابق حيث لم يكن ينام من الليل إلا أقلـَّهُ يكدّ و يجدّ ليل نهار من أجل أن تحيا عائلته في أرفع مقام أما الآن و قد تفطن إلى حتمية الموت فقد عاد يحاور شبابه الذي أفل دون أن يعيشه أو يتذوقه فقد كان في رحى العمل و الحياة يصادف نساء يعشقنَهُ أو يرغبن في الزواج منه لكنه يكتفي بأن يخلدهن في شكل زهرة يضعها في كراس دون أن يدوّن إسما أو فكرة و إنما جعل ذلك الكراس حديقته السرية التي لا تنبس و كثيرا ما نسي اسما أو حادثة أو مرت بخاطره صورة لا يذكر أين أو متى أو كيف أو استقرت في حلقه مرارة لا يدري مأتاها و لكنه لم يكن يهتم فقد كان مشغولا دوما و في عزلته الجديدة التي ألغى فيها كل شيء مستأثرا بذاك البيت الصغير في قلب السهل لم يأخذ معه من المدينة غير ذلك الكراس فقد عاش كل حياته لغيره و من حقه أن يحيا ما تبقى من عمره لنفسه.
لم يختر الزمن و لا المكان و لكن في ساعة متأخرة من الليل في تلك الغرفة البسيطة و على ضوء شمعة بيضاء أخذ بين يديه الكراس المخبأ بعناية و ترتيب فطارت منه حوريات جميلة أضاءت الغرفة الخالية إلا منه فاُرتعش جسده المكتهل و اُبتسم في سعادة الأطفال و أخذ يمرر يده المتغضنة برفق على الزهور الملونة و الأعشاب الغريبة و عيناه مغمضتان و كأنه يلمس يدا رفضها أو يقبل وجها أشاح عنه في أحد الأيام، لقد عرف نساء كثيرات و كان في كل مرة يَهجُرُهن فيها يشعر أنه أسيرُ حرب لا تحرره إلا حرب قادمة فلا أحد يرفض جمال مقبلا عليه دون أن يبقى في جسده منه غصة و حريق فقد كان عليه أن يختار و لم يكن عليه أن يختار إلا بيته و أولاده. شعر بالإرهاق و كأن تعب السنين قد هجم عليه فجأة و استسلم لأحلام عذبة ارتخت لها جفونه و نام.
في الصباح الباكر، استيقظ نشيطا و فكر في صيد السمك من البحيرة "إنه يحسن إدارة هذه الإجازة الإختيارية" فكّرَ. بحث في مكان من الغرفة عن صنارة قديمة و توجه إلى البحيرة حاملا بعض الطعم. كانت السميكات تتراقص على الزبد فزادته جذلا فأشعل سيجارة و اُستمتع بالمياه اللألاءة و لم يصطد سوى سمكتين عاد بهما و هو يشعر بعبير الحرية يسري بين الأشجار و الغيوم و يحمل خطواته على بساط من عبير. تناول غداءه في وقت متأخر و اُستسلم لقيلولة انتهت عند المساء فاُختار القيام بجولة خارج البيت قبل أن يستقبل شبابه مرة أخرى بلهفة عجلى.
خفّ إلى الرف الصغير و أخذ منه الكراس و حين فتحه وقعت عيناه على زهرة بنفسجية فذكّّرته تلك الفتاةَ ذات الفستان البنفسجي "رُلَى" التي عرفها في آخر سنة من تعليمه الجامعي و في عدم اكتراث الشباب جلست بقربه دون كلفة و اُدّعت أنها لم تفهم فقرة في القانون الإداري و رغبت في أن يشرحها لها..اِقتربت منه بوجهها الأبيض و عينيها الصافيتين و شعرها الشوكولا، كان كل شيء فيها ثرثارا بجمال حتى عطرها و لم يفهم كيف اُنتقل من القانون الإداري لسرد أبيات لنزار قباني و هو يرى فيها المرأة و المدينة و الشعر و لكن كان عليه أن يفكر في أبيه الفقير و إخوته الكثر فأسكت نبض قلبه و واصل طريقه.و ضحك بلذة و هو يذكرها و تلمظ بطعم سكّّري.. ثم قلب الصفحات فوقعت عينه على زهرة بيضاء محل لونُها فذكر "سونيا" اُبنة الجيران التي عشقته منذ طفولتهما و كانت تراقبه دوما بحزن من النافذة و كلما اُزداد جمالا و رجولة غزا نظرتها حزن و سواد غائم فهو لم ينتبه إليها يوما و رغم مرور السنوات الطوال لم يَخبُ حبّها بل كثيرا ما زاده الفراق ذكاء و ألما. و قد زارت بيته في غياب أفراد العائلة و طلبت أن تكون زوجته أو حتى عشيقته لسنة أو لليلة فرفض لأنه لا يفكر في الزواج و لا يرضى لها أن تكون عشيقة ثم اُختفت أخبارها حتى علم أنها صارت ابنة ليل تعمل في أحد المحلات المرخص لها فندّت منه آهة طويلة و أغلق الكراس على تعب.
و في اليوم التالي سبح في البحيرة باحثا في بردها عن السلام و ظل أياما يأكل و ينام دون التفكير في شيء و حين صفا ذهنه عاد يقلب الأوراق و هو لا يذكر أكثر الزهرات لكنه يستمتع بجمالها فهي شبابه الحي و حياته الموازية التي طالما أرجأها. قطع عليه عزلته رنين جواله فقد كان أحد أبنائه يطمئن عليه. أنهى الإتصال فبدا له شبح سلمى، امرأة حياته، فأسند ظهره للأريكة و أغمض عينيه، فتاة قلبه التي لم يشوهها كبر أو مرض أو خيانة، لم تضع عطرا يوما و لا مسحوقا و لكنها كانت أنثى في كل شيء، نظراتها، شكل أصابعها، حركاتها من الرأس حتى القدم، ضحكتها الضاجة بعنفوان الشباب،،، كان يصعد إلى السطح المقابل لبيتها ليشاهدها بشعر مبتل كل أيام الصيف و هي تنتقل كالفراشة من غرفة لغرفة و جسمها يفوح نظافة و يشع عاطفة و هو يذكر أول قبلة لهما، أول قبلة في حياته، كيف اُحمرّ وجهاهما و لم يدريا كيف يُبليان و نظر كلاهما للآخر ضاحكا. هو الآن لا يحمل لها ندما و لا ضغينة فهكذا شاءت الحياة و قد كانت تعلم أنهما كانا في الوقت المناسب للحب لا للزواج و هي الآن ربة بيت و لم يعد يراها منذ تلك الأيام. لقد نام في تلك الليلة سعيدا كما لم يشعر بمتعة النوم في حياته فقد أحس بخدر لذيذ في أعضائه و شعر أنه يحضنها برفق و يغفو فكانت آخر صورة يغمض عليها عينيه و اُكتفى أخيرا من ذلك الكراس فأعاده إلى الرف على أن لا يفتحه ثانية و مرت أيام متشابهة كان يشعر فيها بالسلام و بأنه تخفف من تعب السنين و وجع الذكرى و عاد صبيا لا يحمل أيّ همّ و أراد في إحدى الأماسي أن يدفن الكراس تحت شجرة قرب البحيرة و ينساه إلى الأبد فحمل فأسا و أخذ يهيّء الحفرة ثم رفع رأسه ليرتاح فإذا به يشاهد حورية تخرج من البحيرة و شعرها الطويل يغطي صدرها و ينسدل على جسمها فجرى نحوها و هي تجفف جسمها في دعة و كأنها لا تشعر بما حولها فلما رأته اُضطربت كغزال و خف ليحضنها فإذا الكراس مازال في يده فألقاه للماء و لم يعرف كيف عاد شابا غضا و كيف عادت سلمى و في سهل يموج بزرقة المساء و حمرة الشفق كانا يتقلبان على العشب الأخضر الطري فيما كانت الزهور الميتة تطفو على سطح البحيرة و يحملها التيار الضعيف إلى لانهاية.
كوثر خليل
تعليق