كراس الأعشاب الجافة//كوثر خليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    كراس الأعشاب الجافة//كوثر خليل

    كراس الأعشاب الجافة



    على الهضبة المطلة على بحيرة ناعمة كان يقضي شطر أيامه يراقب حركة الماء و تدرج الألوان و الظلال يضمد بها شح عواطفه التي
    أنضبتها صفعات متتالية على قلبه الهش و في الليل كان يراقب الفراشات و هي تقترب من مصباحه مراوغة الموت و النهاية رافضة الإحتراق إلا بعد متعة حيث يضيع الوعي و يستشري الخيال و تمتد غيبوبة جميلة تستعذب السكين في الجرح. لم يكن يريد أن يعد الأيام فلم يفعل غير ذلك في السابق حيث لم يكن ينام من الليل إلا أقلـَّهُ يكدّ و يجدّ ليل نهار من أجل أن تحيا عائلته في أرفع مقام أما الآن و قد تفطن إلى حتمية الموت فقد عاد يحاور شبابه الذي أفل دون أن يعيشه أو يتذوقه فقد كان في رحى العمل و الحياة يصادف نساء يعشقنَهُ أو يرغبن في الزواج منه لكنه يكتفي بأن يخلدهن في شكل زهرة يضعها في كراس دون أن يدوّن إسما أو فكرة و إنما جعل ذلك الكراس حديقته السرية التي لا تنبس و كثيرا ما نسي اسما أو حادثة أو مرت بخاطره صورة لا يذكر أين أو متى أو كيف أو استقرت في حلقه مرارة لا يدري مأتاها و لكنه لم يكن يهتم فقد كان مشغولا دوما و في عزلته الجديدة التي ألغى فيها كل شيء مستأثرا بذاك البيت الصغير في قلب السهل لم يأخذ معه من المدينة غير ذلك الكراس فقد عاش كل حياته لغيره و من حقه أن يحيا ما تبقى من عمره لنفسه.


    لم يختر الزمن و لا المكان و لكن في ساعة متأخرة من الليل في تلك الغرفة البسيطة و على ضوء شمعة بيضاء أخذ بين يديه الكراس المخبأ بعناية و ترتيب فطارت منه حوريات جميلة أضاءت الغرفة الخالية إلا منه فاُرتعش جسده المكتهل و اُبتسم في سعادة الأطفال و أخذ يمرر يده المتغضنة برفق على الزهور الملونة و الأعشاب الغريبة و عيناه مغمضتان و كأنه يلمس يدا رفضها أو يقبل وجها أشاح عنه في أحد الأيام، لقد عرف نساء كثيرات و كان في كل مرة يَهجُرُهن فيها يشعر أنه أسيرُ حرب لا تحرره إلا حرب قادمة فلا أحد يرفض جمال مقبلا عليه دون أن يبقى في جسده منه غصة و حريق فقد كان عليه أن يختار و لم يكن عليه أن يختار إلا بيته و أولاده. شعر بالإرهاق و كأن تعب السنين قد هجم عليه فجأة و استسلم لأحلام عذبة ارتخت لها جفونه و نام.


    في الصباح الباكر، استيقظ نشيطا و فكر في صيد السمك من البحيرة "إنه يحسن إدارة هذه الإجازة الإختيارية" فكّرَ. بحث في مكان من الغرفة عن صنارة قديمة و توجه إلى البحيرة حاملا بعض الطعم. كانت السميكات تتراقص على الزبد فزادته جذلا فأشعل سيجارة و اُستمتع بالمياه اللألاءة و لم يصطد سوى سمكتين عاد بهما و هو يشعر بعبير الحرية يسري بين الأشجار و الغيوم و يحمل خطواته على بساط من عبير. تناول غداءه في وقت متأخر و اُستسلم لقيلولة انتهت عند المساء فاُختار القيام بجولة خارج البيت قبل أن يستقبل شبابه مرة أخرى بلهفة عجلى.


    خفّ إلى الرف الصغير و أخذ منه الكراس و حين فتحه وقعت عيناه على زهرة بنفسجية فذكّّرته تلك الفتاةَ ذات الفستان البنفسجي "رُلَى" التي عرفها في آخر سنة من تعليمه الجامعي و في عدم اكتراث الشباب جلست بقربه دون كلفة و اُدّعت أنها لم تفهم فقرة في القانون الإداري و رغبت في أن يشرحها لها..اِقتربت منه بوجهها الأبيض و عينيها الصافيتين و شعرها الشوكولا، كان كل شيء فيها ثرثارا بجمال حتى عطرها و لم يفهم كيف اُنتقل من القانون الإداري لسرد أبيات لنزار قباني و هو يرى فيها المرأة و المدينة و الشعر و لكن كان عليه أن يفكر في أبيه الفقير و إخوته الكثر فأسكت نبض قلبه و واصل طريقه.و ضحك بلذة و هو يذكرها و تلمظ بطعم سكّّري.. ثم قلب الصفحات فوقعت عينه على زهرة بيضاء محل لونُها فذكر "سونيا" اُبنة الجيران التي عشقته منذ طفولتهما و كانت تراقبه دوما بحزن من النافذة و كلما اُزداد جمالا و رجولة غزا نظرتها حزن و سواد غائم فهو لم ينتبه إليها يوما و رغم مرور السنوات الطوال لم يَخبُ حبّها بل كثيرا ما زاده الفراق ذكاء و ألما. و قد زارت بيته في غياب أفراد العائلة و طلبت أن تكون زوجته أو حتى عشيقته لسنة أو لليلة فرفض لأنه لا يفكر في الزواج و لا يرضى لها أن تكون عشيقة ثم اُختفت أخبارها حتى علم أنها صارت ابنة ليل تعمل في أحد المحلات المرخص لها فندّت منه آهة طويلة و أغلق الكراس على تعب.


    و في اليوم التالي سبح في البحيرة باحثا في بردها عن السلام و ظل أياما يأكل و ينام دون التفكير في شيء و حين صفا ذهنه عاد يقلب الأوراق و هو لا يذكر أكثر الزهرات لكنه يستمتع بجمالها فهي شبابه الحي و حياته الموازية التي طالما أرجأها. قطع عليه عزلته رنين جواله فقد كان أحد أبنائه يطمئن عليه. أنهى الإتصال فبدا له شبح سلمى، امرأة حياته، فأسند ظهره للأريكة و أغمض عينيه، فتاة قلبه التي لم يشوهها كبر أو مرض أو خيانة، لم تضع عطرا يوما و لا مسحوقا و لكنها كانت أنثى في كل شيء، نظراتها، شكل أصابعها، حركاتها من الرأس حتى القدم، ضحكتها الضاجة بعنفوان الشباب،،، كان يصعد إلى السطح المقابل لبيتها ليشاهدها بشعر مبتل كل أيام الصيف و هي تنتقل كالفراشة من غرفة لغرفة و جسمها يفوح نظافة و يشع عاطفة و هو يذكر أول قبلة لهما، أول قبلة في حياته، كيف اُحمرّ وجهاهما و لم يدريا كيف يُبليان و نظر كلاهما للآخر ضاحكا. هو الآن لا يحمل لها ندما و لا ضغينة فهكذا شاءت الحياة و قد كانت تعلم أنهما كانا في الوقت المناسب للحب لا للزواج و هي الآن ربة بيت و لم يعد يراها منذ تلك الأيام. لقد نام في تلك الليلة سعيدا كما لم يشعر بمتعة النوم في حياته فقد أحس بخدر لذيذ في أعضائه و شعر أنه يحضنها برفق و يغفو فكانت آخر صورة يغمض عليها عينيه و اُكتفى أخيرا من ذلك الكراس فأعاده إلى الرف على أن لا يفتحه ثانية و مرت أيام متشابهة كان يشعر فيها بالسلام و بأنه تخفف من تعب السنين و وجع الذكرى و عاد صبيا لا يحمل أيّ همّ و أراد في إحدى الأماسي أن يدفن الكراس تحت شجرة قرب البحيرة و ينساه إلى الأبد فحمل فأسا و أخذ يهيّء الحفرة ثم رفع رأسه ليرتاح فإذا به يشاهد حورية تخرج من البحيرة و شعرها الطويل يغطي صدرها و ينسدل على جسمها فجرى نحوها و هي تجفف جسمها في دعة و كأنها لا تشعر بما حولها فلما رأته اُضطربت كغزال و خف ليحضنها فإذا الكراس مازال في يده فألقاه للماء و لم يعرف كيف عاد شابا غضا و كيف عادت سلمى و في سهل يموج بزرقة المساء و حمرة الشفق كانا يتقلبان على العشب الأخضر الطري فيما كانت الزهور الميتة تطفو على سطح البحيرة و يحملها التيار الضعيف إلى لانهاية.



    كوثر خليل
    التعديل الأخير تم بواسطة كوثر خليل; الساعة 13-03-2011, 12:23.
    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    رائعة قصّتك هذه أ.كوثر.
    الرّحلة كانت ممتعة و حارّة كمشتقّات الزّهور الحمر،و نحن نتعقّب هذا الرّجل المضمّخ بالإخوة و الذّكريات و أطياف الجميلات.
    لعلّك أهملت التّنقيط أستاذتي الفاضلة.
    ما عدا ذلك فقد نجحت في نشر الفنّ هنا.
    تحيّة تقدير و مودّة.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • كوثر خليل
      أديبة وكاتبة
      • 25-05-2009
      • 555

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
      رائعة قصّتك هذه أ.كوثر.
      الرّحلة كانت ممتعة و حارّة كمشتقّات الزّهور الحمر،و نحن نتعقّب هذا الرّجل المضمّخ بالإخوة و الذّكريات و أطياف الجميلات.
      لعلّك أهملت التّنقيط أستاذتي الفاضلة.
      ما عدا ذلك فقد نجحت في نشر الفنّ هنا.
      تحيّة تقدير و مودّة.

      شكرا لك أيها الأستاذ الفنان محمد فطومي

      شكرا لك على هذا التعقيب المشع الحقيقة لست أفهم كثيرا في التنقيط فها هو نصي بين يديك تفضل بتنقيطه كما تشاء فأنا أتمنى لو كانت كل النصوص بلا تنقيط و القارئ هو الذي يصنع محطاتها بنفسه.
      دمت بكل خير
      أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

      تعليق

      يعمل...
      X