إهداء :
المرأة لا تحتاج أن نحجز لها يوما من شهر مارس حتى نكرّم إرادتها و طموحها فيه ..
كل يوم و أنتِ بخ ـــير .
ـــــــــــــــ
تنتهي من الأشغال المنزلية ، تحضّر الغذاء وتتركه على النار، تجلس تشاهد التلفاز تلك هي عادتها ؛ رن هاتفها و هذا ليس مبرمجا في العادة ، كانت المتصلة إبنة جارتهم فاطمة :
"كل عام وأنت بخير يا وهيبة، كيف حالك؟"
تعجبت وهيبة وإستغربت مناسبة هذه التهنئة، اليوم ليس عيد ميلادها ، فلماذا تهنئها فاطمة إذن ؟ ردّت :
"بخير ."
إتصلت فاطمة لتطلب منها أن توافق على مرافقتها لدار الثقافة، فهناك حفل سيقام تكريما للمرأة، بمناسبة اليوم العالمي لعيد المرأة ؛ قالت أن أمها لم تسمح لها بالذهاب بمفردها ،وإن أقنعتها وهيبة بمرافقتها لها ستوافق . ترددت وهيبة في القبول في بداية الأمر، هي لم تذهب يوما إلى دار الثقافة ، كانت تفكر أن دار الثقافة لا يدخلها إلا المثقفون، ولكنها ليست مثقفة ولا متعلمة كفاية، لم تكن تعلم أصلا أن للمرأة عيد فقالت بحرج :
"آسفة يا فاطمة،أنت تعلمين أن ثقافتي محدودة، لست متعودة على الذهاب إلى دار الثقافة هذه ، ولا على الحفلات" ...و أرادت أن تضيف منذ أن بلغتُ الخامسة والثلاثين، نسيت أنني إمرأة أصلا، لكنها إكتفت بالجملة الأولى.
ضحكت فاطمة لسذاجة وهيبة :
"من قال أنك ستلقين محاضرة؟! كل ما في الأمر أن فرقة عيساوى ستحضر، سيكون هناك الكثير من النسوة ،سنقضي وقتا ممتعا، وافقي أرجوك.. كل صديقاتي سيذهبن ،أمي لم توافق على ذهابي وحدي ،لكن إن تكلمتِ معها أنتِ ستوافق ،لأنها تثق بك "
وافقت من باب الفضول ،علّها تسترجع في هذا العيد شيئا من الأنوثة التي فقدتها ؛ وصلنَ إلى دار الثقافة كانت تشبه قليلا تلك التي تخيّلتها، قرأت اللافتة بحروف متقطعة:
"د ا ر ا ل ث ق ا فة عبد الرحمن ك ا ك ي " مرّة أخرى : "دار الثقافة عبد الرحمن كاكي ".
أرادت أن تسأل فاطمة عن صاحب هذا الإسم الذي نُسبت له دار الثقافة، لكنها كانت منشغلة عنها مع صديقاتها ،وحتى لو سألتها لما عرفته ربّما ، وماذا يهمها هي غير أن تستمتع، فيما يفيدها معرفة صاحب هذا الإسم ! وبقيت وهيبة تتبعهن و تفترض بينها وبين نفسها :
"ربما مهندس لا... لا ربما رجل مثقف في البلاد أو المدينة ..."
إلى أن دخلن إلى قاعة كبيرة ، شكلها نصف دائرة ، لونها أزرق، الستائر زرقاء ، الكراسي زرقاء ولهذا سميّت القاعة الزرقاء ، تشبه تلك الكراسي الموجودة في القاعة ، الكراسي التي تشاهدها في برنامج ستار أكاديمي، تلك التي يجلس عليها طلبة البرنامج ، مبدئيا أعجبها الجو ،دخلت إلى وسط القاعة مع فاطمة وصديقاتها المراهقات ، شاهدت في الأمام مسرحا متوسط الحجم، عليه آلات متنوعة .أخذت صديقات فاطمة مكانا يمكّنهُنَّ من رؤية كل شيء، وجلست هي خلفهن تراقب الناس، إلتفت خلفها فرأت مجموعة من الشباب يصفرون و يحدثون جلبة لإثارة الإنتباه إليهم ،و نساء مع الأطفال؛ إختلط الجميع في القاعة، وإنطلقت الفرقة العيساوية بالعزف ،و إنطلق صراخ النسوة، و التصفيقات، والزغاريد، و التهريج ،هذا يراقص هذه ،و ذاك يخاصر تلك، حتى فاطمة إندمجت و أخذت ترقص، و تزغرد، و تصفق ، و وهيبة إستوقفتها الدهشة ، هذا كله في دار الثقافة !! حتى سمعت إحدى صديقات فاطمة تهمس لهن وسط المجموعة التي شكلنها مع بعض ، فسمحت لنفسها بإستراق السمع سمعتها تسأل فاطمة :
جارتك متزوجة؟ فأجابت فاطمة بهز رأسها يمينا ويسارا أن لا، فقالت أخرى : ومن سيقبل الزواج من فتاة كهذه، أنظري إليها ، تبدو عجوزة و حب الشباب يملأ وجهها، و تضيف أخرى: حتى جارنا العجوز الذي إن عطس عطسة تصعد روحه إلى السماء، لن يرضى بها كزوجة، تبدو معقدة، ماهذه الملابس التي ترتديها !لماذا أحضرتها معك يا فاطمة ،سوف يظننا الشباب أننا من إحدى الدوائر ، ولسنا بنات المدينة ،كانت فاطمة تضحك، و كانت وهيبة تحاول تكذيب ما تسمع، لقد تعوّدت على سماع هذا الكلام من أعين الناس ،و لكنها اليوم تسمعه من أفواه مراهقات جميلات القد ،متحررات، تحسدهن على جمالهن ،و أناقتهن، يسخرن من هيئتها ،و شكلها ،أرادت أن تبكي أن تقول : أنا إمرأة تطالب بهدية جميلة ،أليس هذا عيدي ؟ أريد رجلا الآن ...حالا أريد رجلاً يتزوجني، أرادت أن تنتقم من فاطمة و تطلب منها العودة إلى البيت لتفسد عليها الحفلة ،لكنها لم تفعل خشية أن يتهمنها فوق كل هذا، بالجنون، و هن العاقلات، الصالحات ،الباقيات؛ وظلّت تتخبط في ألآمها ،و الجميع سعداء ،لا أحد يشعر بالحزن الذي تشعر به وهيبة، كلهن يحتفلن بعيد المرأة، و هناك إمرأة تحتفل على طريقتها بعِيد حزنها، إنزوت في ركن قلبها، جمعت جسدها بيديها، و وضعت رأسها بين ركبتيها ،و أنشدت النواح :من يردّ لي إعتباري ،من يحس بألامي، من يعطني قطعة فرحة، و علبة إبتسامة .....ويتكررّ المقطع المأساوي الذي يتفنن المايسترو في تلقينه للأوركسترا ، يتوقف القلب عن التطبيل ،و تشرع أوتار مشاعرها في العزف ،و تنشد هي :أنا المرأة الضائعة، أنا المرأة التي لا تملك حظا ،ولا يملكها أحد غير اليأس و الألم ...أنا ...أنا...أنا
المرأة لا تحتاج أن نحجز لها يوما من شهر مارس حتى نكرّم إرادتها و طموحها فيه ..
كل يوم و أنتِ بخ ـــير .
ـــــــــــــــ
تنتهي من الأشغال المنزلية ، تحضّر الغذاء وتتركه على النار، تجلس تشاهد التلفاز تلك هي عادتها ؛ رن هاتفها و هذا ليس مبرمجا في العادة ، كانت المتصلة إبنة جارتهم فاطمة :
"كل عام وأنت بخير يا وهيبة، كيف حالك؟"
تعجبت وهيبة وإستغربت مناسبة هذه التهنئة، اليوم ليس عيد ميلادها ، فلماذا تهنئها فاطمة إذن ؟ ردّت :
"بخير ."
إتصلت فاطمة لتطلب منها أن توافق على مرافقتها لدار الثقافة، فهناك حفل سيقام تكريما للمرأة، بمناسبة اليوم العالمي لعيد المرأة ؛ قالت أن أمها لم تسمح لها بالذهاب بمفردها ،وإن أقنعتها وهيبة بمرافقتها لها ستوافق . ترددت وهيبة في القبول في بداية الأمر، هي لم تذهب يوما إلى دار الثقافة ، كانت تفكر أن دار الثقافة لا يدخلها إلا المثقفون، ولكنها ليست مثقفة ولا متعلمة كفاية، لم تكن تعلم أصلا أن للمرأة عيد فقالت بحرج :
"آسفة يا فاطمة،أنت تعلمين أن ثقافتي محدودة، لست متعودة على الذهاب إلى دار الثقافة هذه ، ولا على الحفلات" ...و أرادت أن تضيف منذ أن بلغتُ الخامسة والثلاثين، نسيت أنني إمرأة أصلا، لكنها إكتفت بالجملة الأولى.
ضحكت فاطمة لسذاجة وهيبة :
"من قال أنك ستلقين محاضرة؟! كل ما في الأمر أن فرقة عيساوى ستحضر، سيكون هناك الكثير من النسوة ،سنقضي وقتا ممتعا، وافقي أرجوك.. كل صديقاتي سيذهبن ،أمي لم توافق على ذهابي وحدي ،لكن إن تكلمتِ معها أنتِ ستوافق ،لأنها تثق بك "
وافقت من باب الفضول ،علّها تسترجع في هذا العيد شيئا من الأنوثة التي فقدتها ؛ وصلنَ إلى دار الثقافة كانت تشبه قليلا تلك التي تخيّلتها، قرأت اللافتة بحروف متقطعة:
"د ا ر ا ل ث ق ا فة عبد الرحمن ك ا ك ي " مرّة أخرى : "دار الثقافة عبد الرحمن كاكي ".
أرادت أن تسأل فاطمة عن صاحب هذا الإسم الذي نُسبت له دار الثقافة، لكنها كانت منشغلة عنها مع صديقاتها ،وحتى لو سألتها لما عرفته ربّما ، وماذا يهمها هي غير أن تستمتع، فيما يفيدها معرفة صاحب هذا الإسم ! وبقيت وهيبة تتبعهن و تفترض بينها وبين نفسها :
"ربما مهندس لا... لا ربما رجل مثقف في البلاد أو المدينة ..."
إلى أن دخلن إلى قاعة كبيرة ، شكلها نصف دائرة ، لونها أزرق، الستائر زرقاء ، الكراسي زرقاء ولهذا سميّت القاعة الزرقاء ، تشبه تلك الكراسي الموجودة في القاعة ، الكراسي التي تشاهدها في برنامج ستار أكاديمي، تلك التي يجلس عليها طلبة البرنامج ، مبدئيا أعجبها الجو ،دخلت إلى وسط القاعة مع فاطمة وصديقاتها المراهقات ، شاهدت في الأمام مسرحا متوسط الحجم، عليه آلات متنوعة .أخذت صديقات فاطمة مكانا يمكّنهُنَّ من رؤية كل شيء، وجلست هي خلفهن تراقب الناس، إلتفت خلفها فرأت مجموعة من الشباب يصفرون و يحدثون جلبة لإثارة الإنتباه إليهم ،و نساء مع الأطفال؛ إختلط الجميع في القاعة، وإنطلقت الفرقة العيساوية بالعزف ،و إنطلق صراخ النسوة، و التصفيقات، والزغاريد، و التهريج ،هذا يراقص هذه ،و ذاك يخاصر تلك، حتى فاطمة إندمجت و أخذت ترقص، و تزغرد، و تصفق ، و وهيبة إستوقفتها الدهشة ، هذا كله في دار الثقافة !! حتى سمعت إحدى صديقات فاطمة تهمس لهن وسط المجموعة التي شكلنها مع بعض ، فسمحت لنفسها بإستراق السمع سمعتها تسأل فاطمة :
جارتك متزوجة؟ فأجابت فاطمة بهز رأسها يمينا ويسارا أن لا، فقالت أخرى : ومن سيقبل الزواج من فتاة كهذه، أنظري إليها ، تبدو عجوزة و حب الشباب يملأ وجهها، و تضيف أخرى: حتى جارنا العجوز الذي إن عطس عطسة تصعد روحه إلى السماء، لن يرضى بها كزوجة، تبدو معقدة، ماهذه الملابس التي ترتديها !لماذا أحضرتها معك يا فاطمة ،سوف يظننا الشباب أننا من إحدى الدوائر ، ولسنا بنات المدينة ،كانت فاطمة تضحك، و كانت وهيبة تحاول تكذيب ما تسمع، لقد تعوّدت على سماع هذا الكلام من أعين الناس ،و لكنها اليوم تسمعه من أفواه مراهقات جميلات القد ،متحررات، تحسدهن على جمالهن ،و أناقتهن، يسخرن من هيئتها ،و شكلها ،أرادت أن تبكي أن تقول : أنا إمرأة تطالب بهدية جميلة ،أليس هذا عيدي ؟ أريد رجلا الآن ...حالا أريد رجلاً يتزوجني، أرادت أن تنتقم من فاطمة و تطلب منها العودة إلى البيت لتفسد عليها الحفلة ،لكنها لم تفعل خشية أن يتهمنها فوق كل هذا، بالجنون، و هن العاقلات، الصالحات ،الباقيات؛ وظلّت تتخبط في ألآمها ،و الجميع سعداء ،لا أحد يشعر بالحزن الذي تشعر به وهيبة، كلهن يحتفلن بعيد المرأة، و هناك إمرأة تحتفل على طريقتها بعِيد حزنها، إنزوت في ركن قلبها، جمعت جسدها بيديها، و وضعت رأسها بين ركبتيها ،و أنشدت النواح :من يردّ لي إعتباري ،من يحس بألامي، من يعطني قطعة فرحة، و علبة إبتسامة .....ويتكررّ المقطع المأساوي الذي يتفنن المايسترو في تلقينه للأوركسترا ، يتوقف القلب عن التطبيل ،و تشرع أوتار مشاعرها في العزف ،و تنشد هي :أنا المرأة الضائعة، أنا المرأة التي لا تملك حظا ،ولا يملكها أحد غير اليأس و الألم ...أنا ...أنا...أنا
تعليق