كثيراما أدخل مخدعها لأراها تائهة بين الأطرالزجاجية تناجي قاطنيها، تشدو بشجن المواويل حسرات الراحلين " سكابيا يا دموع العين سكابا.. "
أرجوها : كفاك نواحا، لا أدري لمَ النسيان لا يجد طريقا إلى ذاكرتك؟ السنوات تمرّ وأنت في صومعة الذكريات تنسجين بكائية الأحزان على الراحلين .
ترد غاضبة : ولا أعلم من أين أتيت بهذه القسوة ؟
احتجّ على توبيخها :إنها كرامتي، وابنتك هذه لن أتنازل لمصالحتها، فتتنهد وتشيح بوجهها غاضبة .
حبّي لها لا يفوقه حب، وطاعتي لها عمياء، مستعدة لعمل أيّ شيء يرضيها إلا في مواقف تتعلق بكرامتي، هذه مسحة العناد التي اتّصف بها، كنت استشعر مسحة الحزن في عينيها تكاد تحرقني حين تلحّ عليّ بوجوب مصالحة أختي، وأحاول أن أفسر لها الموقف وأن أختي أخطأت بحقي وجرحت كرامتي.
فترد مستعطفة : يا ابنتي، هل الذي يجري في العروق ماء؟ تصالحا حتى يرضى قلبي عليكما.
لكنّ شياطين الكرامة والكبرياء تعترض تفكيري، وأصمت رافضة وأصرّعلى القطيعة وأنسى سببها، ترحل بعيدا بنظراتها الحزينة،أتمنى لحظتها أن أرتمي عند قدميها لتصفح عني لكنّ شيطان كرامتي يحملني إلى غرفتي تحيط بقلبي كل جُدر القسوة .
انتظرأوامرها للقيام بالأعمال المنزليّة، ابتسم لدفء كلماتها التي اعتدت عليها، فأنا الوحيدة من بناتها التي ركبتُ قطار العنوسة برغبتي،اقتنعت أن بقائي بخدمة والديّ الطيبين أفضل ألف مرة من أكون إحدى حايا سجن الزوجية.
وصلني صوتها آمرا :العيد ضيف عزيزويجب استقباله بأناقة مميزة.
بدأت حرب التنظيف لمكونات المنزل والتجديد لبعض أثاثه، وصلت يدي إلى خزانة أمي وفي الرّف العلوي تتحسست تلك الصرة المجهولة المحتوى، منذ سنين بعيدة ألحظها في مكانها، وكلما سألت أمي عن سّرهذه الصرة تجيب باقتضاب :هذا ليس شأنك اتركيها ولا تحاولي معرفة ما فيها، أياّك معرفة محتواها! كنت احترم رغبتها والفضول يثير فيّ ألف سؤال، كلّ شيء في متناول يدي وتحت تصرفي إلا هذه الصرة، احترمت خصوصيتها وحاولت مسح وجودها من ذاكرتي.
هذا العيد كبقية الأعياد يطل علينا ومعظم أخواتي في بلاد الغربة، يبدو أن الأعمال المنزلية أرهقتها وأحزان الاغتراب أثقلت قلبها، عند العصر تغير لون وجهها إلى صُفرة غيرمعهودة ، تمددتْ في سريرها، فأسرعتُ إلى الهاتف وطلبتُ الطبيب، إذ بها تشير إلى الخزانة :أحضري الصرة، أسرعت إلى الخزانة يدفعني الفضول، تناولتْها بحب واحتضنتْها بدفء وليد واستنشقت بعمق عبيرها وذرفت دمعا وجيعا وتنهدتْ : ما زال عطرك يبكيني، ونظرتْ إليّ بحنو وجيع :افتحيها، واقتحمتها بلهفة وكأنها قلعة عصيّة، وأذهلتني محتوياتها :زجاجة عطر فوّاح،منشفة،قطعة صابون، ليفة حمّام، مشط جديد، وإذ بتيار من نظرات الاستغراب يتماوج بيننا ثم نظرتُ إلى محتويات الصرة وإذ بدمع دفيء يغرق الوجه الحبيب، قلت متعجبة:ما هذه الأشياء ؟ بعد صمت شارد أجابت :إذا وافاني الأجل وصيتي إليك أن يكون غسلي بهذه الأشياء، قلت: لكن ساعة المشيئة الإلهية، نستطيع شراءها.
أجابت باصرار: لا يا ابنتي، أريدها هي بالذات، لأن بهذه الأشياء كان غسل أختي عائشة عند وفاتها قبل عشرين عاما.
بدا لي أن شبح الموت يطرق باب بيتنا فانتابتني موجة من البكاء وأغرقتني في حزن وأسى، أوجعتني كلماتها وتذكرت الحبّ الكبير الذي كان بينهاوبين المرحومة خالتي.
لكن الطبيب تدارك بقدرة الله الأزمة القلبية التي انتابتها، غفوت قربها وهي تحتضن الصرة وتشم رائحة محتوياتها الحميمة ذلك العبق الساكن فيها منذ ذاك الزمن.
صحوت على تكبيرات العيد تصدح في الأجواء وابتسامة العافية تشرق على وجهها الحبيب، طرقات قوية متسارعة على الباب، وضغط متواصل على الجرس، فالطارق ملهوف، فأسرعت لفتح الباب، إتها أختي بعيون باكية ونداءات لاهفة :أمي، أين أمي ؟ أهي بخير؟ ودلفت إلى غرفتها، احتضنتها وأغرقتها بسيل من القبلات، لكن نظرات أمي الوجلة من شيء ما تخترقني.
أطرقتُ بنظرات هاربة نحو الصرة التي هوت بي إلى وادٍ سحيق من الندم، ورقّ قلبي فمددت يدي إلى أختي مصافحة وبصوت متهدج : كل عام وأنت بخير يا أختي الحبيبة وأغرقت نفسي في حضنها ونداء الندم يصرخ في أعماقي ودموع اللقاء الحميم تغرق وجه كلتينا، كم أنت ملعون ياهذا الكبرياء ثلاث سنوات وأنا أختبئ وراء جدرانك الصدئة، كم أنت رائعة يا أمي العجوزتحتفظين بعطرغسل أختك ساعة الموت عشرين عاما، وتوصين بأن يكون غسلك بعبير أشيائها عند الموت، ماهذا الحب في الحياة، ورغبة اللقاء الحميم لحظة الموت من خلال نثرات عطر، والتفت إليها، فرحة عامرة اعتلت قسمات وجهها وسؤال ارتسم على شفتيها وبكلمات يخالطها الدمع أجبت: أيعبق قلبك بكل هذا الحبّ والنقاء ونكون بهذه القسوة !! ورحمك الطاهر حملنا بكل حنان (..يمّا ) أمي، إنّ في العروق دماء وليس ماء!!
تعليق