في صباح يوم شتوي عاصف، استيقظ صالح على وقع رنات المنبه المزعجة، و التي اعتاد عليها في مثل هذا الوقت المبكر، ليبدأ يومه الشاق في العمل. فهو يكفل عائلة لا يطيق كفالتها رجل شاب و ثري فكيف به هو وقد بدت على تقاسيم وجهه التجاعيد ، و كسا رأسه الشيب، حتى أن البعض يظنه في الستين من عمره إلا أنه أصغر من ذلك بقليل، كما أنه لا يملك غير عمله كموظف بسيط في مؤسسة عمومية، و أسرته تتكون من زوجته التي ثابرت في تربية أبنائه و صلاحهم، و ثلاث بنات ينتظرن من يخطفهن من الفقر و الحرمان، ليكتشفن العالم الذي حُرمن منه في ظل نظام أبيهم الاستبدادي، و ابن مدلل عاطل عن العمل، لم تسعفه شهادته الجامعية في إيجاد عمل مناسب، حتى أنه لا يستطيع مزاولة عمل عضلي لهزالة جسمه الذي أنهكه سهر الدراسة. و والديه العجوزين اللذين لا يكادان يبرحان مكانهما طيلة اليوم، يذكران الله عسى أن يفرج عن فلذات كبديهما. انتظر صالح الحافلة ككل يوم وسط الزحام، واقفا وحيدا لا يلقي التحية على أحد، رغم أن الذين حوله من أبناء حيه، فهو منعزل عنهم همه الوحيد هو الحصول على قوت لأفراد أسرته، و تسديد الديون التي عليه. فجاة وقفت أمامه سيارة فاخرة يناديه صاحبها من نافذتها الزجاجية داعيا إياه أن يستقلها، التفت صالح ذات اليمين و ذات الشمال لعل غيره المقصود، فكيف له أن يعرف هذه الفئة من الناس و هو رجل من الطبقة الكادحة، فلما تيقن الأمر، تقدم نحو السيارة بتردد و حذر، و أرسل يده المرتجفة ليفتح السيارة، وجلس إلى جانب ذلك الرجل الغريب مبادرا له بتحية مرتبكة، فردها الرجل بلطف بالغ يوحي بدماثة أخلاقه، انطلقت السيارة في اتجاه الطريق المؤدي للعمل، فلم يشغل صالح أمر عمله الروتيني بقدر ما شغله هذا الرجل الذي أقله، بعد لحظة صمت رهيبة باغثه الرجل بسؤال لم يكن في الحسبان: - سمعتُ أن لك ابنا حاصلا على شهادة جامعية و هو عاطل عن العمل؟ فردّ صالح باندهاش يشوبه بعض التفاؤل: - نعم سيدي، لقد ضاع مستقبله كما بقية الشباب، فلم تعد الشواهد لها قيمة هذه الأيام.لكن كيف عرفت بالأمر؟ فأجابه الرجل بهدوئه المتكلف وهو يربت على كتفه النحيل: - اطمئن يا صالح، و لو لم تعرفني فأنا أعرفك و أعرف أيضا وضعك المزري و سأحل هذه المشكلة بمعرفتي، فقط أحضر ملفه و اتصل بي على هذا الرقم، و أعدك أن أوظفه بمركز البريد، فاستبشر خيرا يا رجل. أومأ صالح رأسه بالإيجاب و هو يمسك ببطاقة صغيرة مكتوب عليها معلومات الرجل الشخصية، فتوقفت السيارة أمام الباب الرئيسي للمصلحة التي يعمل بها صالح، فخرج منها تاركا دفء المكيف، مستقبلا برودة الطقس الذي اعتاده، شاكرا ممتنا مودعا الرجل بجمل غير مرتبة و بصوت متلعثم ، جلس صالح في مكتبه يفكر في ما حدث له هذا الصباح غير مصدق للأمر و غير مبال لبرج من الملفات التي لا تنتهي أمامه، سارحا في تأملاته، يدرس، يخطط حياة جديدة تلائم المستجد القادم و تعوض الآلام التي سببته الأخرى، غير مشكك في قول الرجل الذي يظهر عليه الغنى الباذخ و السلطة اللامتناهية، كيف لا يصدقه و هو يرى بعين الأسى و عدم الرضا التوظيفات الجديدة التي عرفتها مصلحته و التي لا تلتزم بأي معيار سوى الرشوة و الزبونية، فكان أولى أن يظفر بإحداها ابنه الذي كد و اجتهد و حصل على الشهادة، كما أن الرجل يبدو أنه رقّ لحاله التي لا ترضي أحدا، ويريد أن يسدي معروفا له قصد الثواب من الله أو طلبا للمغفرة لذنب اقترفه. بقي صالح على هذه الحال حتى حانت لحظة العودة إلى البيت التي كان ينتظرها بشغف ليبشر بها ابنه المسكين بل سائر أسرته الكبيرة. أليست معنية هي الأخرى بالخبر؟ التحق صالح بزملائه المنتظرين وصول الحافلة فاستغربوا بشاشة وجهه و طلاقته في الكلام الشيء الذي لم يعهدوه من قيدوم الموظفين, و عند قدوم الحافلة ركن إلى مؤخرتها كعادته ليتمم مخططاته و طريقة إلقاء الخبر على الأسرة التي لم تُبشر بخبر منذ حصول الابن على الشهادة المعاقة. و توقُع وقع الخبر على ابنه كيف سيسري عليه. وعند وصوله إلى بيته العتيق في الحي الشعبي، فتح الباب ليجد أسرته كما اعتاد أن يجدها، أجساما بائسة يائسة تتحرك بتثاقل غير آبهة بسرعة العصر الذي يشهده هذا الزمن، و كأنه لا يعنيها، البنات يتابعن بشغف مسلسلهم المفضل حتى على وجبة الغذاء. و الزوجة منهمكة منذ الصباح في تحضير الطعام، و العجوزان يستحضران الأيام الخوالي، و الذكريات الجميلة و الأليمة، و الابن غائب كعادته في هذا الوقت، ربما يعمل سرا أو يعبث مع أقرانه. جلس صالح منتظرا العودة الميمونة لابنه و انتهاء المسلسل الذي لا يهتم له و لا للتلفاز ككل، فهو لا يهمه في هذه الدنيا سوى الأسرة و العمل ، و ما هي إلا دقائق حتى انتهى مسلسل البنات لكنها مرت على صالح كأنها ساعات، وسمع صوت هتافات غير واضحة أو مظاهرة شعبية في الشارع، ففتح النافذة ليعرف مصدرها و هدفها، فالحرب على العراق قد انتهت و حصار غزة لم يعد يستفز الأمة، إلى أن اتضح الكلام و اكتملت الصورة بالبرهان، وسمع ما سمع و أخرج البطاقة من جيبه و تأملها قليلا ثم مزقها إربا إربا، و تبخرت التبريرات التي تكفل بتقديمها ليعطي شكلا ملائما و مقبولا للصنيع الذي سيديه الرجل الذي لم يعد غريبا، و بذلك تحطمت أحلامه و نُسفت مخططاته قبل أن تبدأ، و علم أن الذي يهب بلا مقابل هو الواحد القهار، و أن نظرة الرجل لحاله و لأسرته إنما هي نظرة لثمانية أصوات.
غنى الفقير
تقليص
X
-
ثلاث بنات ينتظرن من يخطفهن من الفقر و الحرمان، ليكتشفن العالم الذي حُرمن منه في ظل نظام أبيهم الاستبدادي، و ابن مدلل عاطل عن العمل، لم تسعفه شهادته الجامعية في إيجاد عمل مناسب، حتى أنه لا يستطيع مزاولة عمل عضلي لهزالة جسمه الذي أنهكه سهر الدراسة. و والديه العجوزين اللذين لا يكادان يبرحان مكانهما طيلة اليوم، يذكران الله عسى أن يفرج عن فلذات كبديهما
فخرج منها تاركا دفء المكيف، مستقبلا برودة الطقس الذي اعتاده، شاكرا ممتنا مودعا الرجل بجمل غير مرتبة و بصوت متلعثم
وعند وصوله إلى بيته العتيق في الحي الشعبي، فتح الباب ليجد أسرته كما اعتاد أن يجدها، أجساما بائسة يائسة </span>تتحرك بتثاقل غير آبهة بسرعة العصر الذي يشهده هذا الزمن، و كأنه
لا يعنيها، البنات يتابعن بشغف مسلسلهم المفضل حتى على وجبة الغذاء. و الزوجة منهمكة منذ الصباح في تحضير الطعام، و العجوزان يستحضران الأيام الخوالي، و الذكريات الجميلة و الأليمة، و الابن غائب كعادته في هذا الوقت، ربما يعمل سرا أو يعبث مع أقرانه
كريم
أديبنا الجديد
هلااا بك
نورت الملتقى
قصة ..جميلة
من تفاصيل الحياة
من مستنقع الألم وركود الأحلام
ممتعة مشوقة
ربما كان بإمكانك بعض الاختزال
وصفك وتصويرك لتلك العائلات البائسة والتي تحتل
نسبة كبيرة
كانت مؤثرة
جميلة جدا وموفقة
صادقة عفوية
روحك فنية أدبية
واضحة الجمال
رأيت النهاية يالعزيز
أقل تألقا وبريقا
سعدت جدا بحضوري
بين حروف روحك الجميلة
دعواتي
ميساءمخالب النور .. بصوتي .. محبتي
https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 213036. الأعضاء 6 والزوار 213030.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق