تحت جنح الظلام الحالك من شهر يناير الشديد البرودة، ودّعتُ صديقي الذي أبى إلا أن يوصلني إلى محطّة القطار، بعد أن استرق دقائق معدودات من ليلة عرسه، خرجتُ من سيارته الدافئة لأستقبل جو الشتاء البارد المصحوب بقطرات ندى تقشعرّ لها الأبدان، أعطاني الفرصة الأخيرة لأعدل عن قراري في العود إلى الديار، لكني ألححتُ في الامتناع ملوحا بعذريَ الوحيد الذي أتبجّح به في مثل هذه المواقف، و الذي لا يستطيع أحد مناقشته أو مقاومته، "دعني أذهب فزوجتي بالانتظار"، لم أكن متأكدا إن كانت هناك رحلات في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل أو سأنتظر حتى الصباح، دخلتُ المحطة، فإذا بها فارغة من خلق الله و لولا شريط اللوحة الإلكترونية الذي يشير إلى قطار قادم عند الرابعة فجرا،لظننتُ أنها مهجورة، سألتُ موظف الاستقبال ، إن كان هناك قطارا قادما، فأومأ رأسه بالإيجاب و هو يتثاءب من نوم عميق، أديتُ ثمن التذكرة، و دخلتُ إلى الساحة التي تغمرها عتمة الظلام، فضلت الجلوس على المقعد الخشبي البارد أستنشق النسيم العليل الذي يميز هذا الوقت الذي يسبق الفجر، بقيتُ للحظات وحدي، أراقب الساعة كل مرة، حتى جاءت شابة بملابس أنيقة عصرية، وقفت على بعد أمتار قليلة مني، لم تُلق عليّ التحية رغم رؤيتها لي، استغربتُ وجود فتاة في العشرينات في محطة القطار بهذا الوقت المتأخر جدا، بدأت الوساوس تنتابني بشأنها فأنظارها تلاحقني، و كأنها تريد أن تخبرني بشيء، أو أنها خائفة من الظلمة المحيطة بالمكان، أو... بادلتها النظرات بحذر، لعلي أستشف من عينيها شيئا، لكن الظلمة و بعد المسافة حالتا دون تحقيق هدفي، مرت دقائق قليلة و نحن على هذه الحال فإذا برجلين يقتربان منها بخطى سريعة، بدآ الحديث معها و كأنهم يعرفون بعضهم البعض، لكن صوتهما ما فتئ يتصاعد، رغم ذلك لم أستطع فهم ما يدور بينهم، فجأة صفع أحدهما الفتاة المسكينة، فتملّكني شعور بالذعر و الخوف، و بدأت تتقاطر علي أفكار و تساؤلات، "من هؤلاء" "هل لي أن أتدخل؟ هل أستطيع؟" "ماذا إن كانا لصين و معهما سلاح أبيض؟ هل أخاطر بنفسي؟ و من يعيل أسرتي إن أصابني مكروه؟" ازدحمت علي هذه الأفكار و الوقت لا يرحم، و استحضرتُ العزيمة التي كانت تشغلني في تغيير المجتمع و إصلاحه، فقد كنتُ حينها ساخطا على وضع الأمة الإسلامية فيما هي عليه من هوان وتشتت، و أرجعتُ السبب في ذلك لضعف إيماننا بالله، و ترك جهاد النفس التي توغلت في مستنقع الشهوات و متاع الدنيا. فالتقى الجمعان وتصارعا على الانفراد بالقرار، فالأفكار الخنوعة تدعو إلى غض الطرف عما يحدث أمامي، فأنا لستُ ملك نفسي، فكيف لي أن أُرمّل زوجتي في عامها الوردي الأول، وكيف لي أن أسمح بأن يُيتَّم إبني قبل أن يولد و لربما لا تستحق الفتاة كل هذه التضحية، و الأفكار الثائرة تذكرني بأن التغيير يبدأ بنفسي و بمحيطي قبل التفكير فيما هو أكبر، و ربما هذا اختبار من الله تعالى يمتحن إيماني و نيتي في التغيير و الإصلاح. فاخترتُ الخيار الأصعب متوكلا على الله في ذلك، و قلتُ لهم بصوت ثابت " يا سادة، دعا الفتاة و شأنها، ما الذي فعلَته حتى تلقى منكما سوء المعاملة؟ " حملقا فيّ قليلا، وتهامسا ثم تقدّما نحوي، عرفتُ أن العراك هي الخطوة الموالية، استعددتُ له رغم قلة حيلتي في الفنون القتالية، و عند اقترابهما لي أرسل أحدهما قبضته نحوي و هو يهمهم بكلمات ساخطة: " ما دخلك يا هذا؟ أ تحسب نفسك بطلا؟" لم تُصبني اللكمة الأولى لأنها لم تكن مركزّة، يبدو أن السُّكْرَ قد أثَّر على تحرّكاتهما، توالت اللكمات عليّ، تصدّيتُ لبعضها لكن أغلبها أصابت هدفها، اكتفيتُ بالدفاع فلم يتركا لي الفرصة لردّ الضربات، تعالت صرخات الفتاة و عمّت المكان، و بعد لحظات، التحق حارس الأمن و شرطي المراقبة، ليتم إنهاء النِّزال بالقبض على الرجلين الثملين، اقتربت الفتاة مني لتشكرني بعبارات الامتنان بعد أن وصفت شجاعتي النادرة للحاضرين الذين تجمهروا بسرعة البرق، لم أكن مصدقا لما انتهى به المطاف، فحتى كلماتها لم أصغي إليها بقدر ما أصغي إلى نفسي و ما توسوس لي به، لم أنتظر انتهاء كلامها، و لم أسأل عن طبيعة علاقتها بالرجلين لغاية لم أعِ حتى اللحظة مغزاها، تلقّيتُ كلمات الشكر والإعجاب من نظرات الحاضرين، ها قد وصل القطار، فركبته بتأن شديد فهول ما حدث أعجز ركبتيّ عن الحركة، لم ألتفت ورائي لأن ما تركته سيبقى وساما يزين صفحات الذكريات البيضاء و السوداء التي طبعت حياتي.
ورقة سقطت من دفتر ذكرياتي...قصة قصيرة
تقليص
X
-
ورقة سقطت من دفتر ذكرياتي...قصة قصيرة
التعديل الأخير تم بواسطة كريم أنصاري; الساعة 16-03-2011, 02:31.الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد
-
-
تحت جنح الظلام الحالك من شهر يناير الشديد البرودة، ودّعتُ صديقي الذي أبى إلا أن يوصلني إلى محطّة القطار، بعد أن استرق دقائق معدودات من ليلة عرسه، خرجتُ من سيارته الدافئة لأستقبل جو الشتاء البارد المصحوب بقطرات ندى تقشعرّ لها الأبدان، أعطاني الفرصة الأخيرة لأعدل عن قراري في العود إلى الديار، لكني ألححتُ في الامتناع ملوحا بعذريَ الوحيد الذي أتبجّح به في مثل هذه المواقف، و الذي لا يستطيع أحد مناقشته أو مقاومته، "دعني أذهب فزوجتي بالانتظار"
كريم
هلااااااااا بك في الشقائق
نورت
الأديب الراقي الخلوق
حقا ..أسما على مسمى
كانت بداية القصة جميلة وماهرة وغير تقليدية
عبرتُ المحطة ببردها
ودخلت دهاليز الواقع والتناقض
استرسلت معك بكل حوارك الداخلي الجميل
ووقعت في تلك المعمة والإمتحان
ووجدتني أفوز في النهاية بفوز بطلك
قصة مشوقة
تطرح عدة تساؤلات
السفر ؟؟؟
الإضطرار للرحيل والبعد عن الزوجة والأولاد ؟؟؟؟؟
إضطراب الأفكار
وتزعزع الخلق عما خلقنا به الله ؟؟؟
وقلة الإيمان !!!!
وجدت هناك خيطااا حزينا جدا يربط القصة
شممت رائحته وأزكمتني
قفلة جميلة جداااا
عنوان جميل
ويسعدنا أن نحلق هناا
دعواتي
ميساء
مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be
-
-
المبدعة المتألقة الجميلة ميساء، بدأت أدمن ردودك الوافية الماسحة، يا ليت كل الردود تكون على هذا الشكل، شكرا جزيلا على التثبيت. مودتي و تقديريالتعديل الأخير تم بواسطة كريم أنصاري; الساعة 16-03-2011, 12:45.
تعليق
-
-
و بدأت تتقاطر علي أفكار و تساؤلات، "من هؤلاء" "هل لي أن أتدخل؟ هل أستطيع؟" "ماذا إن كانا لصين و معهما سلاح أبيض؟ هل أخاطر بنفسي؟ و من يعيل أسرتي إن أصابني مكروه؟" ازدحمت علي هذه الأفكار و الوقت لا يرحم، و استحضرتُ العزيمة التي كانت تشغلني في تغيير المجتمع و إصلاحه، فقد كنتُ حينها ساخطا على وضع الأمة الإسلامية فيما هي عليه من هوان وتشتت،
مازلت
في محطة السفر
في محطة تفصل بين الحياة والموت
بين السماء والأرض
وكإن الفصول تتعارك
ووحده ربيع كلماتك يورق حبا وصدقا وجمالا
ننتظر جديدك وتفاعلك
دعواتي
ميساءمخالب النور .. بصوتي .. محبتي
https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be
تعليق
-
-
أستاذي العزيز / كريم أنصاري
إستسلمت تماما لسطورك حتى إحتلت مداخل الخلجات ..
صراحة فاجأني جدا أسلوبك المتمكن وحبكتك الفارهة ..
كنت أرى وما قرأت وشاهدت حادثة بإم ذائقتي ..
أحببتها كثيرا ووددت أن أقرأ لك المزيد ..
محبتي وأكثر[flash= http://www.almolltaqa.com/upload//up....gif]WIDTH=400 HEIGHT=350[/flash]
أكتب الشعر لا ليقرأه المهووسون بالجمال
بل أكتب لأوثق انهيارات القُبــــح ..
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 202586. الأعضاء 4 والزوار 202582.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق