مطر أزرق- قصيدة نثرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يحي الحسن الطاهر
    أديب وكاتب
    • 20-03-2011
    • 111

    مطر أزرق- قصيدة نثرية



    مطر أزرق

    شعر : يحي الحسن الطاهر
    السوناتا الاولي:
    الليل
    الليل رحم أعمى...
    يلد النهار جنينا فصيحا..
    في سلة الليل يتكور الوجود
    جاعلا من الليل بالونة يثقبها دبوس النهار:
    فيتدفق حينها الوجود
    غابات أفاقت من نومها للتو
    علي شقشقات عصافير بهيجة
    حين تنصت اليها تضحك:
    من كونها تحتار
    كيف تنسي ما كانت تغرده قبل النوم من نوتات مرحها الحر الطليق!!

    السوناتا الثانية:
    الظل:
    الظل وشم حنين يبصمه الليل علي جلد النهار:
    شهقة غياب ووعد حضور صريح
    يزيح الظل لليل من جسد النهار ما يزيح
    الظل بثور الليل تطفح علي جلد النهار
    السوناتا الثالثة:
    الحلم:
    في المساء
    حين أفى الي غابة نومي
    وأزيح ادغالا من الضوء النهاري الفج من أمام عيناي
    فاتحا اسفل وعي عتمة غابية.. كي تمارس فيها الكائنات حرية انسلاخها من جلد هوياتها النهارية العتيقة... كثعابين مقدسة
    وتتسكع في بهو احلامها بالصيرورة
    فى تلك البرهة: أتذكرك
    مرة:
    حلم عصفور بأنه أبكم صار،
    مثل صرصار عجوز ..ثم..في دغل فسيح مات
    وحين أفاق صباحا
    ارتعش بفرح ضاحك من كونه حيا ما يزال ..
    ضحك حتى مات حقا!!
    وعرف فى موته فقط :
    أن النهار هو ما يوثق الوجود

    السوناتا الرابعة:
    المرأة
    أحلم أن أغرق ذاتي في طميك الانثوي
    عشبك الأخضر ...المبلل بندى مطر ليلي بهيج
    هسهساته مثل عصفور شقى:
    ينقر على شبابيك الروح:
    كي تأذن للقلب بالخروج في نزهة
    في اقصي أقاليم روحك،
    وحواريها وازقتها القصية،
    ..المكتوب على حيطانها:
    ان اقتربت مني ..فقد اغتربت عنك!!

    أيتها المرأة السر:
    أصحيح ان النهد أعلي قمة في العالم؟
    لذا آله القدماء القمر؟
    أمد ذراعاى في الفضاء الفسيح:
    فأقبض ريحا
    أخالها طيفك.. فتتندى أناملي بمس أثيرك العطري......
    فأشهد أني:
    رأيت فيك
    اذ رأيت في
    النجوم
    تتفتح أزاهيرا في قلبي
    يتندى رحيقها ضؤءا يكون دمي..
    فيتعطر كوني..
    وأشهد أني
    السوناتا الخامسة:
    جسدك ولغتي
    ومثلما الموسيقى
    يا حبيبتي
    اطفال اشقياء..
    يتسكعون في براري وأزقة الروح القصية،
    ..ولا ندري الي حواف اي عوالم غريبة يقودونا ولا الي أي مجاهل
    كذلك جسدك:
    حدائق قرنفل..
    جزائر ياسمين ..
    ما وطئتها من قبل أقدام القصائد
    فبأي المعاجين أنظف أسنان لغتي..
    كي لا تؤذي قرنفل شفتيك وهي تقبلك شفاه القصائد؟
    وبأي تمارين يوغ
    ا..معقدة..
    وغامضة..
    علي أن أطوع حرفي..حتى يتتبعك؟
    ازميلا
    قوسا قزحيا
    ينساب داكنا من الليل في شعرك..
    الي ظهيرة العنق الساحلي..
    ويستدير حول نهديك نهرا من عميق الحنين..
    يتكسر رزاز موجه عند خصرك..
    ويرتاح هناك قليلا
    مثلما يرتاح في المدى اعصار الأنين
    وتستدفئ المفردة الغريبة بين الفواصل؟
    أعلي أن أخجل؟
    اذا اشتهت لغتي أن تقضم قليلا من تفاح نهديك الغمام؟
    أأخجل...اذ..
    برهتئذ..
    انتصبت الحروف وقذفت سائلا أرجوانيا هو القصيدة؟
    فعلميني اذن
    كيف تشرق في روحي شمس الكلام المهذب!
    السوناتا السادسة:
    الطفل:
    ومنذ أن كنت صغيرا..
    حدثتني أمي..
    بأن قماطي كان هو النهر..
    وأرضعتني أمي..قالت..
    خرافة ما تثرثره الماء من أشجان عشقها الى اليابسة
    وأظن أمي صدقت..
    اذ أني أشتم للنهر في دمي دوما عبق
    واظنها صدقت..
    اذ تسلميني دوما الي الأرق ..
    وتبصمين روحي بميسم القلق..
    فسبحان من كوثرك في دمي وسبحان من لي خلق!

    يحي الحسن الطاهر

    أديس أبابا -مارس 1992

    sigpic

    سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
    yahia.change@gmail.com
    http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
    https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan
  • محمد مثقال الخضور
    مشرف
    مستشار قصيدة النثر
    • 24-08-2010
    • 5517

    #2
    أستاذي الفاضل
    يحيى الحسن الطاهر

    أرحب بك وأشكرك على النص الجميل
    ننتظر المزيد من الجمال
    وأدعوك للتفاعل مع قصائد الشعراء الاخرين وإبداء الرأي

    مودتي وتقديري

    تعليق

    • عمرضياءالدين
      أديب وكاتب
      • 01-02-2011
      • 99

      #3
      الأستاذ الكريم
      يحيى الحسن الطاهر
      رسم جميل يدركه المرء بشفافية فتدركه الفكرة
      اللي بدو يصير يصير وبتفرج بكره والله

      تعليق

      • يحي الحسن الطاهر
        أديب وكاتب
        • 20-03-2011
        • 111

        #4
        أشكركما على الثناء ..وعلى ما ناثرتما في فضائي من قرنفل ..لكما المحبة ..ولي أن أكابد أشواقي الى مجهول يسميني يرقات قلق ترتعد من بهاء صيرورتها..
        سأحاول أن أهذي حول كتابات غيري من الشعراء..فأنا لا أجيد النقد..وانما تعرف روحي كيف تشاطيء ألق الآخرين بمحبة -يسميها البعض- نقدا..وأسميها تناصا..مرة أخرى لكما عميق المحبة

        sigpic

        سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
        yahia.change@gmail.com
        http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
        https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

        تعليق

        • سليمى السرايري
          مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
          • 08-01-2010
          • 13572

          #5
          [QUOTE=يحي الحسن الطاهر;633852]

          مطر أزرق

          شعر : يحي الحسن الطاهر


          السوناتا الاولي:



          الليل

          الليل رحم أعمى...
          يلد النهار جنينا فصيحا..
          في سلة الليل يتكور الوجود
          جاعلا من الليل بالونة يثقبها دبوس النهار:

          فيتدفق حينها الوجود
          غابات أفاقت من نومها للتو

          علي شقشقات عصافير بهيجة
          حين تنصت اليها تضحك:
          من كونها تحتار

          كيف تنسي ما كانت تغرده قبل النوم من نوتات مرحها الحر الطليق!!



          هنا الليل منسحب من ثنايا النهار باسطا جناحيه
          على أوجاعنا التي يخفيها حتما من عيون الآخرين

          جئتَ كما النورس الأبيض أيّها الشاعر رغم السواد.


          ~~~~~~~~~~~~~

          السوناتا الثانية:


          الظل:

          الظل وشم حنين يبصمه الليل علي جلد النهار:

          شهقة غياب ووعد حضور صريح
          يزيح الظل لليل من جسد النهار ما يزيح
          الظل بثور الليل تطفح علي جلد النهار





          كم من ظلال مازالت تسكننا رغم الغياب
          ظلال الذين رحلوا تاركين آهة وتنهيدة في العمق.

          ها هو الشاعر بصف الظل وشما في ذاكرة لا يمكنها ان تنسى أو تتناسى.


          ~~~~~~~~~~~~~
          السوناتا الثالثة:


          الحلم:

          في المساء
          حين أفى الي غابة نومي
          وأزيح ادغالا من الضوء النهاري الفج من أمام عيناي
          فاتحا اسفل وعي عتمة غابية..
          كي تمارس فيها الكائنات حرية انسلاخها من جلد هوياتها النهارية العتيقة...
          كثعابين مقدسة
          وتتسكع في بهو احلامها بالصيرورة
          فى تلك البرهة: أتذكرك
          مرة:

          حلم عصفور بأنه أبكم صار،
          مثل صرصار عجوز ..ثم..في دغل فسيح مات
          وحين أفاق صباحا

          ارتعش بفرح ضاحك من كونه حيا ما يزال ..
          ضحك حتى مات حقا!!
          وعرف فى موته فقط :
          أن النهار هو ما يوثق الوجود




          حلمنا كثيرا
          مثل العصافير

          فهل تحققت أحلامنا المسافرة دائما مع الفجر؟؟
          هل للحلم مكان في زمن أصبح يميل للرماد؟؟

          نحن أيضا نعتقد أننا أحياء
          لكن،
          شيئ ما انتحر في داخلنا


          ~~~~~~~~~~~
          السوناتا الرابعة:


          المرأة

          أحلم أن أغرق ذاتي في طميك الانثوي
          عشبك الأخضر ...المبلل بندى مطر ليلي بهيج
          هسهساته مثل عصفور شقى:

          ينقر على شبابيك الروح:
          كي تأذن للقلب بالخروج في نزهة
          في اقصي أقاليم روحك،

          وحواريها وازقتها القصية،
          ..المكتوب على حيطانها:
          ان اقتربت مني ..فقد اغتربت عنك!!

          أيتها المرأة السر:
          أصحيح ان النهد أعلي قمة في العالم؟
          لذا آله القدماء القمر؟
          أمد ذراعاى في الفضاء الفسيح:
          فأقبض ريحا
          أخالها طيفك.. فتتندى أناملي بمس أثيرك العطري......
          فأشهد أني:
          رأيت فيك
          اذ رأيت في
          النجوم
          تتفتح أزاهيرا في قلبي
          يتندى رحيقها ضؤءا يكون دمي..

          فيتعطر كوني..
          وأشهد أني
          السوناتا الخامسة:
          جسدك ولغتي
          ومثلما الموسيقى
          يا حبيبتي
          اطفال اشقياء..
          يتسكعون في براري وأزقة الروح القصية،

          ..ولا ندري الي حواف اي عوالم غريبة يقودونا ولا الي أي مجاهل
          كذلك جسدك:
          حدائق قرنفل..

          جزائر ياسمين ..
          ما وطئتها من قبل أقدام القصائد
          فبأي المعاجين أنظف أسنان لغتي..

          كي لا تؤذي قرنفل شفتيك وهي تقبلك شفاه القصائد؟
          وبأي تمارين يوغ

          ا..معقدة..
          وغامضة..
          علي أن أطوع حرفي..حتى يتتبعك؟
          ازميلا
          قوسا قزحيا
          ينساب داكنا من الليل في شعرك..
          الي ظهيرة العنق الساحلي..
          ويستدير حول نهديك نهرا من عميق الحنين..
          يتكسر رزاز موجه عند خصرك..

          ويرتاح هناك قليلا
          مثلما يرتاح في المدى اعصار الأنين
          وتستدفئ المفردة الغريبة بين الفواصل؟
          أعلي أن أخجل؟
          اذا اشتهت لغتي أن تقضم قليلا من تفاح نهديك الغمام؟

          أأخجل...اذ..
          برهتئذ..

          انتصبت الحروف وقذفت سائلا أرجوانيا هو القصيدة؟
          فعلميني اذن
          كيف تشرق في روحي شمس الكلام المهذب!

          ~~~~~~~~~


          ربما هنا جاء وصف الجسد جريئا متحديا كل الحواجز
          فإذا بشاعرنا يصف أنثاه بإله صغير
          أو كبحر عميق مليء بالنفائس


          ~~~~~~~~~~

          السوناتا السادسة:

          الطفل:

          ومنذ أن كنت صغيرا..
          حدثتني أمي..
          بأن قماطي كان هو النهر..
          وأرضعتني أمي..قالت..

          خرافة ما تثرثره الماء من أشجان عشقها الى اليابسة
          وأظن أمي صدقت..
          اذ أني أشتم للنهر في دمي دوما عبق
          واظنها صدقت..
          اذ تسلميني دوما الي الأرق ..
          وتبصمين روحي بميسم القلق..
          فسبحان من كوثرك في دمي وسبحان من لي خلق!

          ~~~~~~



          ليتنا بقينا أطفالا
          لا نعرف سوى حنان وابتسامة امّهاتنا
          هذا العالم قاس يا أمّي....!!


          ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
          شكرا لك أديبنا يحيى الحسن
          وأهلا وسهلا بحضرتك في ملتقانا

          التعديل الأخير تم بواسطة سليمى السرايري; الساعة 09-10-2011, 13:23.
          لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

          تعليق

          • يحي الحسن الطاهر
            أديب وكاتب
            • 20-03-2011
            • 111

            #6
            يا لبهاء فخاخك سليمي!!!

            يا لهذه الروعة والجمال...عرفت كيف تنصبين لنصي فخاخا من همس اللون وبهاء أحرفك ..فيا لنصي المسكين من هذه الغواية !! أكاد أحسه يرتعش خوفا من حصاره الجميل حتى الرعب : تخاصره يمينا سيمفونية لون وحرف ...بينما تمتد يساره أذيال منسحبة بخلس ثعباني وثني لكائناته التي تداعت أسفل وعيك وأنت تقرئينه ..وتقرئينني من خلاله .. يا للبهاء..

            sigpic

            سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
            yahia.change@gmail.com
            http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
            https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

            تعليق

            • حكيم الراجي
              أديب وكاتب
              • 03-11-2010
              • 2623

              #7
              أستاذي الغالي / يحيى الحسن الطاهر
              رهيف هذا البوح النديّ ..
              سرق من ذائقتنا كل المساحة وتربع على عروش الصدق فكان معيارا للجمال ..
              أسعدني أن قرأت لك أيها المبدع ..
              على أبواب الوله سننتظر روائعك الهنيّة ..
              محبتي وأكثر ..

              همسة :
              لربما خاتلك الكيبورد أحيانا فوضع الحروف في غير مواردها فخرجت الكلمات بهيئة مغايرة لما ترجو ..
              أرجو إعادة النظر فيما شاب نصك الرائع ..
              [flash= http://www.almolltaqa.com/upload//up....gif]WIDTH=400 HEIGHT=350[/flash]

              أكتب الشعر لا ليقرأه المهووسون بالجمال
              بل أكتب لأوثق انهيارات القُبــــح ..



              تعليق

              • يحي الحسن الطاهر
                أديب وكاتب
                • 20-03-2011
                • 111

                #8
                ما كتبته أنت يا راجي هو مطلق البشاشة بنص لا يستحق كل هذا الاحتفاء ...فهو مجرد أحلام وهلوسات كانت تتسكع في خيالي وأنا بعد طفلا يلثغ لتتو أبجدية وجوده اندهاشا من ضجيج الكون بكل هذا التنوع ..أشكر لك كذلك همسك والذي يبدو انه يحن الى الصراخ قليلا اذ أنه هناك مباهيا بحضوره البائن لكل من ألقى السمع وهو شهيد وكل من بصره اليوم حديد ..ولكن يا صديقي الجميل : أنا رجل عجوز وأحيانا أكتب وتوأمتي ( نظارة القراءة) لا تكون بجانبي ...وعندها يقع ما يقع من أخطاء املائية وغيرها ( يبدو انها تدخلات سافرة من جن خفي ما ..لا يريد لنصوصي أن تكون خالية من العيوب ...ومعتدة - بما وصفته أنت - بجمالها المحض بلا شائبة ..لك عميق الود وجميل السلام ..

                sigpic

                سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                yahia.change@gmail.com
                http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                تعليق

                • يحي الحسن الطاهر
                  أديب وكاتب
                  • 20-03-2011
                  • 111

                  #9
                  شكرا أستاذي الكبير الجميل ...الذي أتعلم منه كل يوم جديدا مدهشا: محمد علي يسن ...على ما تفضلتم به من نقد عميق لهذا النص ..والذي شئتم - برقتكم المعهودة - أن تقولوه شفاهة عبر الهاتف حرصا منك على عدم خدش غروري ككاتب ..وشكرا على تفضلكم بأن وضعتم هذا النص- لا عن جدارة فيه ..بل كتشجيع منكم - في مفضلتكم - وهذا شرف يزين صدري وقلادة على عنقي ...فمن أنا حتى يضع عارف كبير مثلكم نصي على مفضلته ؟؟
                  التعديل الأخير تم بواسطة يحي الحسن الطاهر; الساعة 10-10-2011, 11:22.

                  sigpic

                  سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                  yahia.change@gmail.com
                  http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                  https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                  تعليق

                  • شيماءعبدالله
                    أديب وكاتب
                    • 06-08-2010
                    • 7583

                    #10
                    الأستاذ القدير يحي الحسن
                    كم سعيدة لأرى عطر حروفك المطرية هنا في رواق قصيدة النثر
                    وقرأتها أخرى وأخرى لروعة سمتها وجزالة لغتها
                    وثرائها معنى وعمقا
                    دام العطاء والإبداع
                    ونتمنى المزيد من هذا النبع الصافي الزاخر من سمو ذائقتكم
                    تحيتي وتقديري

                    تعليق

                    • يحي الحسن الطاهر
                      أديب وكاتب
                      • 20-03-2011
                      • 111

                      #11
                      الطفولة فينا..وهج حقيقتنا الغائبة

                      أيتها المبدعة التي تستف في حقائب أحرفها عبق الآف الأزهار من عدن الشعر وكوثر المعاني القصيات ..هاأنذا أحاور ما كتبتيه حول نصي المسكين ...الملقى على أعتاب خيالكم الباسل طارقا الأبواب عله يجد لذاته منفذا من خلال ما يحتشد به ذلك المخيال الجميل من صور ..ألوان ..وروائح لنصوص تغتسل برحيق يذكيها ذاكرة منقوشة في رمال ذياك الخيال ..

                      هنا الليل منسحب من ثنايا النهار باسطا جناحيه
                      على أوجاعنا التي يخفيها حتما من عيون الآخرين
                      جئتَ كما النورس الأبيض أيّها الشاعر رغم السواد.

                      ما كتبتيه هنا – يا سيدتي - تصوير بديع – ليس لنصي عليه من سبيل إلا تعالقه مع نصك بوشيجة من قربى المشابهة ..فكلاهما يحاولان تفكيك شفرة هذا ( السر الزماني والعرفاني الذي هو بالأصل عماء مطلق يتهجس في بيادره نشيد الوجود..ان كنت نورسا أبيض يشق سواد ليل الوجود راسما بصفيق أجنحته في الفضاء مخايلا للكائنات وهي تبزغ من عتمة العدم الى إشراق الإفصاح ..فما أجنحتي سوى ما استوهبه خيالك الباسل- في غير من ولا أذى – لأحرفي التي أرهقها الركض في دروب المعاني القصيات ..


                      كم من ظلال مازالت تسكننا رغم الغياب
                      ظلال الذين رحلوا تاركين آهة وتنهيدة في العمق.

                      ها هو الشاعر بصف الظل وشما في ذاكرة لا يمكنها ان تنسى أو تتناسى.

                      الغياب...أليس هو صنو الحضور ؟ وهل هناك ثمة غياب يا سيدتي ؟ الراحلون ينصبون خيامهم على رمال شواطئ ذاكرتنا..وحنيننا إليهم ماهو إلا حنين لذواتنا التي عرفناها معهم..هو حنين إلينا ..هو حنين الجزء الى الكل ..لأمر ما أتذكر هنا قول العارف :
                      وصرت ( موسى ) زماني..
                      مذ صار بعضي كلي..
                      ما نحن إليه ..هو زمان هروبنا منا ..نحن الى الاتحاد بذوات كناها ..وما الآخرين سوى برق يضيء غمام أحزاننا من كدر زماننا الذي نحن في أكنافه تنهشنا تعاسة الذكرى ويرحقنا نحل الوقت ..فتفيض مخيلتنا .. عسل الكلام


                      حلمنا كثيرا
                      مثل العصافير

                      فهل تحققت أحلامنا المسافرة دائما مع الفجر؟؟
                      هل للحلم مكان في زمن أصبح يميل للرماد؟؟

                      نحن أيضا نعتقد أننا أحياء
                      لكن،
                      شيء ما انتحر في داخلنا

                      ولم تتحقق أحلامنا أصلا؟ أن لمزيد من الأحلام البكر ..فمرحبا.. بتحقق أحلام كانت تسمينا في الماضي وتتدثر طي أرواحنا .. ولكن لمطلق أن نعيش كما حلمنا فذاك ما لا يستهويني..لم لا نغامر –سيدتي – في أن نصير واقعنا ذاته حلما ؟ وحلمنا واقعنا ؟ أليس هذا هو جوهر الشعرية نفسها ؟ أليس هذا عين ما يجب على هذه اللعبة الساحرة ( اللغة) أن تنجزه: تصيير الحلم واقعا ...والواقع حلما..


                      ربما هنا جاء وصف الجسد جريئا متحديا كل الحواجز
                      فإذا بشاعرنا يصف أنثاه بإله صغير
                      أو كبحر عميق مليء بالنفائس

                      لك الله – ياسيدتي- فان كشف لك غيب النص هنا ..لأدركت كم هو نص خجول ومحتشم في هوسه حول الجسد – هذا الوثن البديع - لو علمت ان ما ظهر على سطح( اللغة ) في وصف ما أحسه حول الجسد ..هو مجرد نص يتلفع بدثارات الحياء الثقيلة خوفا من محرماتنا الاجتماعية الكثيفة كليلنا الشرقي الطويل ..الذي يخشى انبلاج فجر حقيقتنا..كي لا تكشف زيف ادعاءاته بالطهارة الجوفاء والعفة الخربة ..نحن نكتب ..خوفنا ..يا سيدتي ..لا نكتب انعتاقنا من هذا الخوف ...وعجيب تضامننا على البقاء داخل أسوار كهوف خوفنا من ذواتنا الحقيقية ..أليس ما كتبت حول الجسد بديعا فحسب؟ لم لا يقرأ هكذا ..بمعزل عن سطوة ( العقل الجمعي ..ومسكوتاته الكثيرة ..وتابوهاته العديدة؟؟؟)


                      ليتنا بقينا أطفالا
                      لا نعرف سوى حنان وابتسامة امّهاتنا
                      هذا العالم قاس يا أمّي....!!
                      لا أقول شيئا هنا ..يا سيدتي. غير ان الطفولة الحقيقية ..هي ليست ما تركناه خلفنا ....بل هي ما نتجه إليه ...في سعينا صوبنا ....صوب ذاتنا الخفية الأعمق ...الطفل فينا ...في داخلنا ....ولكنا نغتاله بادعاء ( النضج والتعقل ) لأن هذا ما يطلبه منا العقل الجمعي بمقولاته السخيفة عن ما يسميه بالنضج....الطفولة ...عندي- هي للروح ...وليست للجسد ...هي في القدرة على الاندهاش والإدهاش ...هي في عبقرية الإصغاء لهمس الوجود بأحيائه وأشيائه دون شفاعة من ( فهم القطيع ...والتوافق الجمعي ) فمتى ما كنا قادرين على تفخيخ ( اليقين الجمعي) بأسئلة مشاكسة لسكونه البليد على ( حقائقه الجاهزة ) فنحن لم نزل أطفالا ..جعلنا الله منهم ...وحسن أولئك رفيقا...

                      sigpic

                      سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                      yahia.change@gmail.com
                      http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                      https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                      تعليق

                      • محمد ثلجي
                        أديب وكاتب
                        • 01-04-2008
                        • 1607

                        #12
                        أخي يحيى الحسن الطاهر
                        تحية طيبة :

                        قليله هي النصوص النثرية التي ترغب في قراءتها مرة أخرى ، وأعوز ذلك إلى قلة مردودها على النفس والعقل من حيث الصدمة التي تؤطر لها المفردات والمعنى والانزياح .

                        أجدت حبك النص وتطويع الأفكار بأناقة وانصياع تام في حضرة المعنى المستخلص . راق لي رسمك للصور والتعبير عنها بجمل موجزة مدهشة في تركيبها وايحاءاتها.

                        دمت بخير
                        التعديل الأخير تم بواسطة محمد ثلجي; الساعة 10-10-2011, 16:03.
                        ***
                        إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
                        يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
                        كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
                        أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
                        وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
                        قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
                        يساوى قتيلاً بقابرهِ

                        تعليق

                        • رشا السيد احمد
                          فنانة تشكيلية
                          مشرف
                          • 28-09-2010
                          • 3917

                          #13


                          الأستاذ القدير يحي الطاهر



                          ماذا أقول بحرفي الصغير
                          ،
                          ،
                          وقفت على أبواب مزنك
                          فبللتني ....
                          أمطارها الزرق من ألفي إلى يائي
                          مدهوشة تلفعت دهشي
                          أهو بَرَدٌ يتناثر على روحي
                          فيلبسنا غلالة من دهش البَرْدِ
                          أم مزن جاءت
                          تهمي في ليلة معراج
                          الحرف
                          ،
                          ،
                          ما زلت أقف على أبواب مزنك
                          مبللة من ألفي إلى يائي
                          وأنا أقول
                          مطر ملون أعادني مبللة الوجد
                          حلفت عليه أن يجمد
                          في سمائي لحيظات
                          أتوق لرؤية
                          مطر الحرف ...
                          يتناثر !! ..
                          دررا تبلل لغتي
                          وما زلت أقف على أبواب مزنك
                          مبللة ...
                          من ألفي إلى يائي
                          أتلفع من فيض المطر بدهشي .
                          كلما مرت فوقي مزنة مترفة الهمر
                          تسألت ... !!
                          ،
                          بوجوم الصمت
                          من أين يأتي إلهام هذه المزن
                          من أين يأتي ...
                          حرف لا يذري
                          ولا يبقي
                          ألتفتُ لخارطتي
                          مبللة من ألفي إلى يائي
                          .
                          .
                          غريب ...
                          عجيب ...
                          دافء هذا المطر
                          في ليلة شتوية لحرفي ياربي .
                          التعديل الأخير تم بواسطة رشا السيد احمد; الساعة 10-10-2011, 22:05.
                          https://www.facebook.com/mjed.alhadad

                          للوطن
                          لقنديل الروح ...
                          ستظلُ صوفية فرشاتي
                          ترسمُ أسرارَ وجهِكَ بألوانِ الأرجوان
                          بلمساتِ الشَّفقِ المسافرِ في أديم السَّماء .

                          تعليق

                          • يحي الحسن الطاهر
                            أديب وكاتب
                            • 20-03-2011
                            • 111

                            #14
                            لك الله يا شيماء ..الشماء

                            أستاذتي الكبيرة شيماء الشماء...
                            أخجلتني كتابتك حول نصي المتواضع ..فأنا ..مجرد شاعر مسكين ..قافيتي هي عصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على غربان تعاستي البعيدة تحلق في فضاء روحي ....ولا تغفل عن نهش قلبي في رواحها وأوبتها ....أعالج بالشعر هزائم وجود فقد البشاشة فيما مر من مسبحة الوقت ...أما الآن فقد اعتزلت الشعر منذ تحولت حياتي الى قصيدة أسمها سارة – حبيبتي- بقافيتها الملونة بضحكات من ( محمود) ابني ...وموسيقا من فقاقيع ضحكات ( ريم ...وإيمان) ابنتاي..فلم أكتب شعرا بعد؟ ألم أكن أتوسل بالشعر كي يصطاد – كصنارة سحرية – هذا الجمال الذي أعيشه الآن واقعا؟ الشعر – يا صديقتي- هو استمناء للعالم على مستوى الحلم ...وكما قيل في الحكمة( إذا حضر الماء ...بطل التيمم ) صارت حياتي شعرا منذ أن باكرتني برهتعشق أميرتي ..سارة..التي حلمت بها كل قصائدي ...قافية معطرة من قرنفل أشواقي ومجامر بخور حزني العريق..
                            كتبت فيها...لها..وبحولها ...هاذيا :

                            عشقنامة ..أو كتاب العشق
                            قصة قصيرة
                            يحى الحسن الطاهر
                            مزيج من صباح ناعس تشقشق عصافيره البهيجة على فنن القلب ، غناء لذتها في فوضاها الحميمة مع قهوة داكنة الرعشة ، تتسلل الى أطرافك خدرا لذيذا يسخر من خمريات أبي نواس ، فتشهد ان لا عشق إلا لها ..ولا فناء إلا فيها وبها ،وتصلي حامدا ان جعلك العشق حواريا مذهول اللب مسكونا بأريج فتنتها التي تتقاطر من شرفة عينيها المطلتين على كون أحزانك المترامي الأطراف في أقصى أزقة روحك وحواريها البعيدة .. ، هكذا وصفتها إحدى موجات هلوساتي المجنونة ، ولكن مهلا ، للقلب أن يفترش النجوم مسهدا عل ألق نجمة بعيدة تباكر شاطئيه بأنثاه التي تتمشى حافية القدمين على مرمر الروح ..عارية إلا من النشوة التي تسكن سيمفونية الجسد لحنا يسكب قوارير عذوبته كغمامة حانية تحكي عشق الماء الى يابسة بعيدة مسكونة بجنيات الرمل في موطنها ( الأبيض ) بغرب السودان ، حيث شهد إحدى صباحات مارس المباركة كيف تسرب فتنة الأنوثة مرمر نعاسها وتستوطن أجساد البشر .
                            بعضهم ذهل من هذا السر الكوني البديع، بعضهم أخذته عزة الحزن بإثم عدم التصديق، إذ كيف لهذه المدينة المنسية أن تزدهي بأجمل برهة فضت فيها ( الأنوثة ) مغاليق أسرار فتنتها الأخيرة هكذا بكل بشاشة وسحر؟
                            كانت صرختها الأولى ، وهي للتو مولودة تلثغ بهاء أبجدية حضورها عبر شقوق الزمان ، كما أقسم من شهدوها، كانت خليطا رائعا من قهقهة حارقة كيدا وتشفيا على فناء زمان القبح الذي عمر ( أرض الفنانين) طويلا ملقيا عصا تسياره على رمال المدينة، وإيذانا بتاريخ سيادة الجنون العاشق والعشق المجنون.
                            لم أك برهتئذ ، ألتحف حزني العريق ، كما هو حالي دوما ، بل –كنت – للغرابة ، أراهن على كيد زمانيتي العتيدة.. التي تسميني نبيا أضاع خاتم سليمان بهجته،واستعاضه لا مبالاة ممعنة في لا مبالاتها بأن تبالي بشيء أو بحي ، كنت أراهن على شدة بأس الزمان في تضييع ألق وسحر برهات العذوبة في نهر تعاسته الهادر كنت حينها أكتب الشعر استمناءا لعالم تستوطنه أنثاي..تلك التي تساقط ثمر أنوثتها جنيا من نخيل أحزاني الفارع الطول كقافية جاهلية .. المدبب الحواف كصراخ طفل جائع ، حين أتت هي .. غاب الشعر ( قلت لأحد أصدقائي مباهيا: هي قصيدتي التي حلمت بها كل قصائدي..وهاهي ذي تسطرها نبضات قلبي..فكيف أكتب شعرا؟ وقصيدتي تساكنني جسدي وعقلي؟ كيف..- بينما أتنفسها –ألفظها زفيرا من حبر ؟)..
                            كانت ( الأبيض ) في ذاك الصباح المارسي تحشد كل فتنتها كي ترسم بذراري رمالها كرنفال احتفاءها ( قال بعضهم : ان النوارس التي تحلق في سماء ذاك اليوم لم يروا لها مثيلا في كثرتها وغرابة أصواتها التي لا يسمع منها بوضوح غير : نشهد ان لا عشق إلا أنت ،ان العشق والفناء فيك أنت ..لا جنون إلا بك ) حشدت الطبيعة كل مزاميرها..أتت أشجار السرو وهي تمايل أغصانها في دلال –تحاول جاهدة أن تضاهي تمايل جسد أنثاي ، كانت صغار الملائكة التي تتخفى في كنف الأغصان تغني في حبور ، فر أحدهم بشقاوة ومكر طفولي واستقر على صدري هامسا( نعم ..ما تظنه صحيح ..إنها هي..ليس ما بك هذيانا ..ولا هي ضلالات الشعر وتخاريف الشعراء..لا.. هي فعلا ولدت ..إلا تسمع صراخها ؟ إلا ترانا قد حشدنا نغنى بهاء الميلاد؟؟..).. احتشدت كل عناصر الجمال في مباهلة : أيها يكون برزخا مباركا يلملم ما تفرق منهم في جسدها وروحها.. كي يعيده إليهم بدلا عن ما استبدلوه من أطياف ترنو الى أصولها ، فالنسيم ، حاول برقته المعهودة أن يستضيف حلاوة الشهد ويعبق برحيق الورود خاصرته وهي تتمطى في فناء الريح ، خرير ينبوع يخالس النظر من مكمنه ، زعم ان يحاكي عذوبة صوتها وسلسبيل ضحكتها ، فاته ان الآف العصافير الضوئية الرقيقة، تركت حناجرها الفضية تسقط سهوا في حلق فتاتي، وسكنته فضاءا حفي الإقامة ، أما القمر ..فقد أقبل على استحياء من صحرائه البعيدة ، ليرى من يمكنه من الفوز باختلاس بعضا من لألاء وجهها وضياء وجنتيها، ضجت الكائنات بقلق من هوياتها العتيقة ..حاولت التسكع في هويات أخرى ..كي تصير مثل أنثاي ..القمر أشتهى لأشعته حرية الريح ..الماء هش وبش لعبير الأزهار وغناء الأطيار ..في فوضى الهوية تلك ..كانت ..هي وحدها..تبتسم في رأفة فقد علمت استحالة أن تنتجها عبقرية تحول ما..فحتى لو اجتمعن جميعا لن يستطعن لملمة ما تفرق فيها من مطلق الجمال في كيان واحد..فللقمر أن يختلس من الزهر غضارته وللنسيم أن يتزيأ بخرير المياه جسدا ورشاقة السرو ، لكنهم باخعين أنفسهم على آثار فتنتها قصصا ..فهي..خرافية العذوبة...أسطورية الألق... وبعشق الثعابين المقدس للتملص من جلودها العتيقة ...انزلقت الهويات فوق بعضها : فهاهو النسيم يئن من ثقل القمر ، وهاهي الوردة تتشكى من عنفوان الماء ، وهناك في البعيد سرادق عزاء نصبته الآف الطيور حزنا على فرار أعذب نوتاتها في سرنمة سرية الى همهمات فتاتي وهمسها .
                            تعجبت إذ رأيت أبويها ( بشرا من طين ) يأكلون الطعام ويمشون في أسواق أبي جهل ...وأمدرمان ودهشت كيف ينجبان قصيدة ؟ وذهلت منها أكثر: كيف تفر من عاليات غيوم الشعر وتسكن أجساد البشر!!!
                            نظرت الى مغيب ذاك اليوم..كانت الشمس للتو قد فرغت من تدبير أمر اختفاءها في جوف النهر الذي كان بدوره يرتب للقمر انعكاسه الفضي كدنانير بيضاء واهبة بهاءها السماوي ..كان يوما بديعا ..تزيت فيه الطبيعة بأبهى حللها وخرجت على الناس في زينة لم يألفوها من قبل .. الشمس قبل مغيبها كانت حيية خجول كعذراء في خدرها ..لم تكن كالمعتاد صارخة الحضور.. ..كأنها تقدم برهانا ساطعا على إلوهيتها الخفية وسطوتها على كل مافي الكون، التي تنمنمها منحوتات عبدة آمون ...لا ..أقسم جدي بلحية أبيه.. وبخط الشيب برأس أمه ..إنها كانت شفيفة كثلج يقبل على الذوبان ..الأزهار في أغصانها كانت تتمايل طربا على سيمفونيات لذة وثنية خفية، تتصاعد كبخار شاي من مسام أرض فرحة ..بوعد المطر ومجيء الزنابق ..وتفتح قرنفل الوقت على بشريات الميلاد ..حدثني جدي .. وفقاقيعا ملونة من فرح خفي تتراقص على وجنتيه ..التي سرح الزمان جداوله المتعرجة فيها ندوبا وتعاريج، تحاكي جروف نهر منسي يتشقق طينه نعناعا وبيادر قمح ..وكنت حينها دون الخامسة بقليل :
                            ( حين ولدت أمك : كان القمر يلعب مع السحاب ( الاستغماية ) يطل من حيث لا تتوقعه الأنظار ..وكان السحاب خرافا ترعى في أعشاب السماء ما تستنبته كف الرحمن ، كنت أصلي المغرب حينها ..بينما يشرق في قلبي وعقلي فيض رحمات علوية ..سمعت تصايح النساء ..قدمت إحداهن ..بجسارة ..متحدية كل قوانين الذكورة الفجة في مجتمع القرية ..الى مجلسنا نحن الرجال .الى الديوان-ذلك الكنف الآمن لسطوتنا على النساء - كما كنا نسميه .قالت : صهيب ..صهيب ..صهيب : اليوم ولد ت زوجتك بنية ..أخشى عليها من كيد ( إخوة يوسف) حين ولدت لم تصرخ مثل جميع الأطفال ..اكتفت بابتسامة صغيرة أضاءت جنبات الغرفة ..حتى بهت الضياء الشاحب لمصباح ( الكيروسين ) خجلا من شدة سطوع ضياء عينيها قال جدي..يا ولدي ..لا تسلني كيف تراقص قلبي طربا حتى خشيت أن يقفز خارجا من حرزه الحريز في قفصي الصدري ....تناسيت بدوري كل قوانين خوفنا من الأنثى التي نسيج بها ذكورتنا كصدفة سميكة من غائلة فتنتهن..لا تتكسر قشورها إلا حين تستخفنا النشوة في الفراش ليلا فنبوح وقتها بما ننكره جهارا في الصباح ..جريت لاهثا حيث جدتك ترقد محتضنة برعما سماويا لزهرة من لحم ودم ..أسميتها ( آمنة ) لتأمن من عين جنيات القدر من جن وبشر ..كنت أستمع الى جدي وأنا مذهول اللب ..كيف يحكي ما سيأتي بعد أكثر من ثمانين عاما أو يزيدون؟ ..عجبت كيف يستدير الزمان كقرص عجين في يد ( دمشقي يجيد صنع الفطائر ) فهاهي ( الأبيض ) تشهد ما شهده جدي في مدينته القاطنة في الشمال قبل ما يزيد عن نصف قرن ....عجبت من ( ثعبانية الزمن : كيف يستدير رأسه كي يلثم ذيله ؟ في رقصة وثنية فيها كل طقوس السحر والغرابة.. وفتنة غموض نعومة الثعابين ) تلك كانت أمي..أما هذه فحبيبتي .وللعجب...فهي ابنتي..نعم ..ابنتي:لماذا تندهشون أيها السادة؟ من قال بأن الرجل لا يحبل؟ ألم أحملها في أحشائي حلما ..ألم تتكور في رحم تعاستي بشرى بالخلاص من إسار حزني العريق ووحدتي المجوفة كقاع بئر عميق ؟ هي ابنتي ..التي ولدتها من حنيني الى أروع رفيقة في الوجود لروحي شقيقة الأصيل ..ابنتي وزوجتي ..وأم أطفالي ..وأمي ..هي – ببساطة- عالمي الذي إليه أنتمي ..وبظله أحتمي ..هي كوثري ..وفراري مني ..إلي .. كانت تتكور بداخلي وعدا ..وكما تحبل النساء ويلدن أجنة مشوهة ..وحبلا زائفا في بعض الأحيان ..كانت كل من أنجبت غيرها من النساء كذلك ..ولدت الكثيرات قبلها ...كنت أحسبهن ( هي) جنيني المدهش الذي يكركر في داخلي نشيد ميلاده البهيج..حتى ولدت أخيرا ..بالطبع ..أعرفها كجوعي لها ..كعطشي لزلال قبلاتها ..وكرائحة كوثر عناقها ..كيف لا أعرف من استجن في أحشائي كل تلك السنوات ؟ منذ ميلادي كانت حياتي كلها ..بكل تعاساتها ..تمرينا لي ...تهيئة كي يحتمل قلبي المثقل بالحزن بهجة حضورها.
                            لم تكد شمس اليوم التالي لميلادها تشرق على كون سعيد بهذا الحدث البهيج ، حتى بدأ كل شيء وكل حي يعرض أثواب فتنته في كرنفال غريب :فالطيور المحلقة في فضاء ذلك اليوم كانت ترقب في غبطة نادرة كيف تنخر زنابق العشق منسأة حزني العريق وتجعل- بما مكنتها العناية- من رمادها بيني وبين التعاسة ردما ..غاب نباح الكلاب ..سكنت الريح إلا من ترتيل خفي من مزمور سعيد يتمشي كسلا بين أغصان السرو وحشائش شواطئ القلب..القمر ..كان هادئ الزرقة..كان الجميع يحسبها ليلة القدر ..حتى نبههم جدها العارف ( سيف الدين ) صائحا :
                            نحن لسنا بعد في شهر الصوم أيها الغفلة.. كما نحن لسنا في الليل بعد..إذ لا ليل لهذا اليوم..بل لا صباح ...ثم غمغم في سكون: مالي مضطرب هكذا على غير العادة؟ ماذا جرى لي؟ ..بعد تأمل واطراق مليي عرف ان لأمر حيرته صلة بميلادها ..كبر ثلاثا..وغاب في غفوة سعيدة رأى فيها.. كما يرى النائم:
                            ( كنت ..كأني في أرض غريبة ..لم أر مثلها في البلاد ..كانت أشجارها تنبت ثمارا بديعة: فشجرة الليمون تلك ..بها ثمار تفاح ومانجو وكمثرى وجوافة وموز وبعض ثمرات يانعة من الأناناس ..عجبا ..كيف لشجرة واحدة أن تحمل كل تلك الفواكه في آن واحد ؟ كنت مستغرقا في حيرتي ..حتى صاح بي صائح من بعيد : إذا صفا القلب ..رأى ما لا يرى..كان الصوت يهدر داخلي كينبوع خفي لم أدر له مصدرا..حتى ولدت هذه الطفلة ...فحين اقتربت من أذنيها كي أتلو عليها الآذان مثلما اعتدنا ...سمعت ذات الصوت.. ولكنه كان في هذه المرة آتيا من فم الطفلة: أنا تلك الشجرة يا جدي .. تحوقلت ثلاثا...وأعذتها وذريتها من الشيطان الرجيم ).
                            كان جميع من بمجلس (العارف سيف الدين) مطرقين من جلال وجمال ما يحكيه وقد ألجمت دهشة عظيمة ألسنتهم ..وحبستها في الحناجر.. كاظمين بهجة عميمة بحظوة أن يكونوا شاهدين على هذا البهاء البديع.
                            سمع الجميع لغطا عظيما في الفناء الخلفي للمنزل ..كانت الأبقار والماعز والخراف تتصارع في أيها تناله حظوة أن يذبح قربانا يزف بين يدي اسمها ..سمعوا بصفاء كل غمغمة من خوار وثغاء ..كما اندهشوا كيف تجيء الآف الطيور من مهاجر بعيدة يحدوها فأل أن تكون أول من يذبح ابتهاجا:
                            لم نعرف من قبل فداءا تذبح فيه الطير ...ولكن ما رأوه من أحداث جليلة جعل عقولهم مهيأة لكل استثناء مهما بلغت غرائبيته ..فمن كان يظن ...لوهلة..أن تستحم الآف البطاريق على شاطئ( الأبيض) الرملي الذي – كما يقول أسلافهم – كان يستحم بنهر كبير.. أطول من نهر النيل نفسه بالآف المرات ..ولكنه اختفى لأسباب لا يعلمها إلا العارفون.. الذين لا يبوحون بذلك السر، إلا لخلاصة خاصة الخاصة ورحيق ختام الأصفياء..كانت حيوانات الفقمة المرحة والدلافين تتقافز في بهجة غريبة وإغاظة لأسماك القرش التي كانت بالكاد تلجم غيظها لكونها التزمت – كما الجميع- الصوم في ذلك اليوم المبارك..( علمت فيما بعد.. لماذا تحب حبيبتي هذه الحيوانات أكثر من غيرها...فقد شهدت ميلادها ...بل وشاركت في الاحتفاء به بحبور لحظه الجميع....رغم أنف جغرافيا الفانين وغفلتهم ) وكما أتى ( الجن) بعرش بلقيس ..قبل أن يأتوه مسلمين أتى ( الحب) بكل كائنات الكون كي تشهد عرس الميلاد طائعين ..وان علت حواجبهم دهشة وذهول بديعين : كيف أنستهم أشواقهم عناء الرحلة الطويلة الى ( الأبيض ) حيث خيام الفرح قد نصبت من مرمر أحزان الفقراء.. وأشواق اليتامى ، وحشدت فسيفساء رمال المدينة بمزيج بهيج من حسرات هزائم العشاق وآمالهم ، وجدلت ضفائر مياه الينابيع من دموع الملتاعين ، عجبت الكائنات كذلك ..من هذا المكان الغريب ..الذي استضاف مرة واحدة والى الأبد.. الحملان وهي تتقافز على وقع ضحكات الذئاب المرحة .. ورأوا كيف تربت الأسود بحنان غامر على أعناق الغزلان ..أما النمور فقد كان أمرها عجبا: اختارت أن تلعب بهناءة لعبة التخفي والظهور مع الشياه والأغنام.. وكانت الأخيرة تسلك سبلها ذللا.. سادرة في غي لعبها الجميل مطمئنة القلب للحنان المباغت الذي أبدته النمور ..
                            قال ابني الصغير (محمود) من مكمنه البديع في شفق أحلام حبيبتي وهي للتو طفلة:
                            أبي ..لأمي ميزة ..وسكت ..حاولت أن أعرف ماهي ميزتها ..لكنه بإغاظة طفولية لم يخبرني ..كانت طفلتي الجميلة تشع من عينيها ضياءا بديعا يريني أطفالي الحلوين( ريم، إيمان والشقي اللاعب محمود) .. وهم يتكورون وعدا وبشرى في أحشائها الصغيرة..ضحكت حين رأيتهم ..وعرفت ان لا شقاء بعدها..عرفت بأنني مبارك وبأني أستطيع أن أبارك الآخرين.. لم تكن( ريم) الضاحكة دوما تبالي كثيرا بما اختلسته –سرا- من هوس أمها الخرافي بالمرح ..كانت فقط تضحك ..الى حد ان القابلة التي أشرفت على ولادة زوجتي كانت محتارة من هذه الفقاقيع الملونة من الضحك الصادرة من جوف الطفلة النائمة ...ضحكات من شفق الغيب ..فأمها للتو قد ولدت ..(إيمان)هي الأخرى كانت ممسكة بيدها الصغيرة بألوانها وفرشاتها ...ترسم في وجنتي أمها شوارعا للفرح ومدائنا تسكر وتفيق على هلوسات عشقي المجنون ..كانت القابلة تسكن قشعريرة خوفها الكلي السيطرة من هذا الحشد الكثيف لمخايل جمال الطفولة وطفولة الجمال التي تتمشى خالية الروح من إسار الطين في جسد الطفلة المدهشة ..هالتها كل تلك الصور الأثيرية لأطياف أطفالي الرائعين وهم يشهدون ولادة أمهم ..لم تدر ماذا تصنع ..أتكلم من كان في المهد طفلا؟ أم لعل عقلها خالطه جنون ما ..وما هذي الصور والأصوات التي تسمعها جيدا وتراها إلا محض هواجس وتخيلات وأوهام ؟ ذهبت القابلة الى أمي تحادثها ..وقبل أن تشرع في فك طلاسم ما يبدو عليها من حيرة عميقة..فاجأتها أمي ضاحكة:
                            هل رأيت كم هم رائعون أطفال هذه المولودة الخرافية السحر ..أحفادي مدهشين أليس كذلك ؟
                            عرفت القابلة حينها ان في الأمر سرا يتجاوز أفق إدراكها المحدود ، وان لهذه الطفلة شأنا فيما سيلي من الوقت ...وأقسمت ثلاثا ان لو شهدت ولادتهم لتخدمنهم مدى ما بقي في عروقها من دماء وفي قلبها من نبض واجف.
                            كانت المولودة حينها تحرك يديها الصغيرتين، عبر الثقوب اللا مرئية في كريستال الزمان الشفاف كأحزان عذراء في ليلة زفافها لشخص بغيض ،كي تلاعب أطفالها الآتون على صهوات غمام عشقي المجنون ،مرة ، وكي تزجرهم مرات ، عن هذا الاندفاع المحموم للعبث الطفولي ..( محمود ) كان يتصنع – بعبثية وشقاوة – الهدوء طوال الوقت، بينما ينشغل سرا بمحاولة إضحاك أمه عبر غمزها بأصابعه الصغيرة على جنبيها ..لم تكف أمه عن الضحك ..الذي أدهش كل من كان بالغرفة لكونه يخالف مألوفهم ( فالأطفال ..عادة ..ما يأتون للحياة وهم يصرخون ..ويخرجون منها وهم يصرخ عليهم ) ولكن أن يضحك من ولدوا للتو ..فهذا لم يحدث إلا معها هي ..ألم أقل لكم كم هي مدهشة؟!





                            sigpic

                            سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                            yahia.change@gmail.com
                            http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                            https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                            تعليق

                            • يحي الحسن الطاهر
                              أديب وكاتب
                              • 20-03-2011
                              • 111

                              #15
                              نصك شجن أليف يا رشا ..

                              رشا ...
                              ان بللك مطري الأزرق من ألفك الى يائك ...فهذا هو الناموس الذي كان يأتي ( هولدرلين...ريلكه ...البحتري...السياب..أدونيس..) أليس جميعهم في حلف سري يمتد من برهة الوجد الى آهة الفكر؟ أليس بالشعر تتآخى أرواح الأصفياء المساكين في الروح؟ أليست اللغة – مسكن أمننا – الذي في دفئه نحتمي من هجير العالم ..الذي لا يرى في الشعراء سوى سقط متاع – في سعيه الدائب للقوت؟ وليت القوت كان بعضا من أعشاب سكينه يتشهاها القلب وتأوي الى كنفها الروح من لهاثها اللايهدأ للمعنى الخبيء للجمال المحض...بل هو سعي لكل ما ينفي الروح ..ويؤسطر الجسد ...نصك مثير للأشجان يا رشا .. وأنا قد غادرت حزني في محطة عشق معطرة أرصفتها بقرنفل الوجد ( سارة )...لك سلامي في الخالدين ..

                              sigpic

                              سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                              yahia.change@gmail.com
                              http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                              https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                              تعليق

                              يعمل...
                              X