أين أنتـــ ؟
من أي رقعة أبدأ البحث َعنكــ؟
تعوّدتُ أن أمشي معك تحت المطر ، أن أتدثّر بك ، أن أختبئ تحت معطفك، نتأمل وجوه الناس، ونسخرَ من عبوسهم :
من أي رقعة أبدأ البحث َعنكــ؟
تعوّدتُ أن أمشي معك تحت المطر ، أن أتدثّر بك ، أن أختبئ تحت معطفك، نتأمل وجوه الناس، ونسخرَ من عبوسهم :
"كيف تعبسُ وجوه الناس في يومجميل كهذا !!"
نرثُ الشارع ويصبح ملكنا ، لا يشاركنا فيه أحد ، صباح كل يوم تعوّدتُ أن توصلني إلى العمل ،تأخذ يدي الباردة و تضمها إلى حضنك الدافئ ، نستغرق في الحديث ،عن طفلنا القادم،ونختلف في أمر تسميته ، نتوه في دروب الحكي ، فجأة نغرق في موجة من الضحكـ ،تمسحُ بمنديلكَ الكحلَ المنساب من عيوني مع الدموع من شدة الضحك ، بعد أن نكتشف أننا تجاوزنا مقر عملي ، لنعود أدراجنا .
ذات يوم ممطر تأخرَ عن العودة ، إنتظرته ساعة أخرى لكنه لم يعد ، هاتفه مغلق ،شعرتُ بالقلق ، خرجتُ إلى الشارع أبحث عنه ،أعرف كل الأماكن التي يرتاد إليها، بحثتُ عنه طويلا، عطره مفقود ،صرتُ أنادي بإسمه:
"سلطان....سلطان..."
والمارّة في الشارع جميعهم يحدّقون بي ، كأني مجنونة،شعرتُ بالبرد أردتُ أن أستدفئ به لكنه لم يكن إلى جانبي ، فقدتُ السيطرة على نفسي ، عليّ أن أصرخ أكثر ولا أبالي ، حتى لو اعتبروني مجنونة المهم عندي أن أجده، توقف المطر و بدأ الشارع يخلو ، شعرتُ أن الوحدة ستغتالني في أية لحظة ، فجأة مررتُ على فتاة كانت تقف تحت الجسر، تمسك بمرآة و أحمر شفاه ،تلمّع به شفتاها ، وكنتُ أضعُ شالا على كتفي ، خطر ببالي خاطر ، نزعتُ الشال من على كتفي واستعرتُ من الفتاة أحمر الشفاه وكتبتُ به إسمهُ عليه، حتى لا أصرخ وأزعج الناس ،حتى لا يظنون أني مجنونة ، رفعتُ الشال عاليا ، وبقيتُ أعبر به الشوارع في صمت، وهدوء يكسر أضلعي ويحطم أواني صبري ، لم أشعر إلا ويد خشنة تمسك بذراعي ،ولم تمضي ساعة إلا ووجدتُني متهمة بإثارة الفوضى والشغب ، قضيتُ ليلتين في المخفر ، حلمتُ أنه عاد إلى البيت ولم يجدني ، فهام بوجهه يبحثُ عن أراضيّ ، قضيتُ اللّيلة الأخرى مستيقظة،لم أنم حتى لا أحلم به يبكيني ، قضيتها واقفة أمام النافذة أراقب زخّات المطر ، والشارع الخالي من البشر ، شعرتُ أني كُسِرت ، حين أتهمت بذاك الإتهام الباطل ،كنتُ وقتها أتظاهر من أجله لكن ليس ضد أحد ،غير الوقت الذي سرقه مني ،وسلطان لم أكن أقصد به غير زوجي الذي خرج في صباح ذاك اليوم المشؤوم،ليبحثَ عن عمل آخر بعد أن إنتهت مدّة توظيفه في البلديّة ،لا أعرف سلطانا آخر غيره ،سلطاناً على قلبي وروحي وجنوني ، أُطلق سراحي في اليوم التالي،فعدت إلى الشارع أبحث عنه ، هذه المرة بوحشية ،بجنون ، بفوضى، وعاد الناس ينظرون إلي بغرابة ، يقولون :
"كانت مجنونة صارت وحشا, لوبقيت مجنونة كان أرحم " .
تعليق