في اللقاء الأخير مع جاراتها من سكان العمارة، أنصتت باهتمام وحسرة إلى محورأحاديثهن، أنّها أحاديث الاستعداد للاحتفاء بعيد الأم، كلّ جارة تتباهى بما يُقدم لها من هدايا من أولادها، وما تفعله من أطباق في هذا اليوم لاستقبال جمعهم السنويّ، الفرحة العارمة تزهر بها الوجوه وتورق لها القلوب، عادت إلى البيت، الحزن العميق غلّف قلبها، أرسلت نظراتها تعانق الجدران التي تزخر بها صورهم، ثمّ تساءلت: لم لا أعدُّ احتفالا رائعا لهذه المناسبة، وأتلقّى هدايا أليس هذا يوما للحب التسامح.
إنّها تحمل لهم أجمل حبّ، لكن لا تدري كيف تقع المشاحنات،وتكون نتيجتها القطيعة، لكن هذه المرة ستقيم حفلا للتسامح وستكون هي المبادرة وستتغافل عن أيّ موقف يؤدي إلى نزاع أو قطيعة، أليست الأم الرؤوم؟ أجالت ببصرها فوق الجدران تعانق صورهم، وأخذت تحاورهم بصمتها الملتاع إلى رؤيتهم: هذه صورة أمل مع زوجها والأولاد، ما أروع بسمات الأحفاد، وعد صادق يا ابنتي، لن افتعل شجارا مع زوجك،سأكون هادئة جدا، لن استدرجه إلى عراك ما، هذه دعوتي سأرسلها لك بالبريد السريع، يجب تلبيتها للاحتفال بعيد الأم ،هو يوم للحبّ والتسامح.
هذه صورة طارق مع زوجه وأولاده، ما زلت احتفظ بعنوانك، بُني ،سأتغاضى عن سماجة سلوك زوجك، لن انتقد عيوبها، من أجلك بُني أعدك أن أتحمّل سلاطة لسانها وعجرفتها، وهذه دعوتي سأرسلها لك بالبريد السريع، يجب تلبيتها للاحتفال بعيد الأم، هويوم للحبّ والتسامح.
هذه صورة هدى الحبيبة وأولادها،لقد ترمّلت في ريعان شبابها، حقا يا ابنتي لا أحبّ حماتك، لأنها بعد وفاة زوجك تتحكم بك وبالأولاد، سأكون متسامحة مع الجميع، هذه دعوتي سأرسلها لك بالبريد السريع يجب تلبية الدعوة للاحتفال بعيدالأم، هو يوم للحبّ والتسامح.
ماجد الغالي، اشتقت لكَ كثيرا، بُني الأصغرالمدلل، لم ترسل لي صورة، لكنك شامخا في الذاكرة، البيت خواء دون صوتك، لا معنى له ولا رونق، الدراسة جعلتك تنساني، أم أنت غاضب مني، لأني أقسو عليك أحيانا بسبب تهوّرك واندفاعك في اتخاذ القرارات، أوراقك احتفظ بها، هذه دعوتي سأرسلها لك بالبريد السريع يجب تلبيتها للاحتفال بعيد الأم هو يوم للتسامح.
أخذت تقنع نفسها: الدعوات اكتملت، سأرسلها في البريد السريع، الجدران تشتاق إلي ضجيج الأحفاد وصخبهم، وأشجار الحديقة تحنّ إلى قفزاتهم، يجب أن يتواجد الجميع في غرفة الاستقبال للاحتفال بعيد الأم، هو يوم للحبّ والتسامح.
مسحت دمعات الشوق والحسرة وهي تحدق في صورهم قائلة : عودوا،مللت الوحدة والفراغ، أحبّكم جميعا .
ومرت أيام.. : يا أمّ السعد (خادم)، هيّا يا امرأة استعدي، هذا هو اليوم الموعود يوم الحبّ والتسامح، أسرعي في تجهيز المائدة، أريدها عامرة بكل ما لذّ وطاب من أطعمة، رتبي كما أريد، العصائروالفطائر هنا، الأطفال يحبونها، الحلويات والكعكة هنا، أبنائي يعشقونها، السلطات والتبولة من أجل البنات، الطبق الرئيسي ضعيه في الوسط وزيّنيه بالمكسرات، ضعي باقتين من الورود البيضاء على الطاولة لأنها تعبق بالحبّ، الشموع أشعليها لحظة البدء بالاحتفال، لأن خفوت الأضواء سيجعل القلوب أكثر تآلفا وحبّا وستذوي الأحقاد وتنتهي المشاحنات، الجميع وعد بالحضور، قبل العصر سيكون الجميع هنا ،أنظري يا أمّ السعد إلى عيونهم في الصور،أنهم صادقون لايكذبون أبدا،الحبّ يهفو على سيماهم، سيلبّون الدعوة.
قبيل العصر، طرقات عنيفة على الباب، أسرعت فرحة
:لا تفتحي يا أم السعد، أنا سأستقبل أولادي، أنا سأفتح الباب، دخل زوجها هائجا غاضبا :إلى متى هذا الهراء، متى ستعودين إلى صوابك، مررت بالبريد أعطاني هذه الرسائل، بعثرها بلؤم في وجهها ،لملمتها بدمعهاوأكمل :كالعادة لن تعودي إلى رشدك!! رسائل بلا عنوان، إلى متى؟ متى ستدركين، أنك عاقر، عاقر، لم تنجبي، لا أولاد لكِ؟
تعليق