[align=center]
[/align]
[align=center]...لقد عاد اليوم و الذكاء واجبة، كان جسمه قضيف وثوبه الخلق غير نظيف، عاد لبلاد الظلام و الصرد من جديد، لم يتغير شئ كأنه لم يهاجر البلاد قط..وصل لبيته المدفون داخل زقاق عتيق و كل أطفال الحي تجمهروا حوله كأنهم يسخرون من عودته، لقد سمعوا أنه هاجر ونجح في عملية( الحريك) التي تمت تحت ( الرموكة)، لكن ماهي إلا ثلاثة شهور حتى عاد وقلبه مقهور.
..دق الباب ولم يكن هناك احد ، فشاظ به الغضب بسبب الكلل الشديد ووعثاء السفر الطويل مد النهار،جلس القرفصاء ومكث على الريع منتظرا عودة أمه.
أدجنت السماء و أرخى الليل سجوفه، عندها عادت بعد أن أتمت عملها في تنظيف المقاهي و الحانات، كان في يدها مسرجة صغيرة تنير بها طريقها إلى البيت..لقد تفاجئت بعودته وفرحت جدا لرؤيته،لم تصدق نفسها أنها وجدته بعد أن تكلته، فكل من زججت نفسه و دخل البحر يكون مصيره الحمام لا مفر،بيد أنه حزن و أحس بغصة في حلقه عندما رأى ذلك السطل في اليد اليسرى، عاد مرة أحرى للعيش في الكرب و الحزن، ثم حنى و قبل يدها و بصمت أزالت البرقع من وجهها وفي عينيها عبرة الألم، طبعت على جبينه قبلة و ارفض الدمع من عينيها.
..فتحت الباب وقالت: ادخل يا بني تفضل الحمد لله على سلامتك.
لم يتفوه بكلمة و لم يتحلحل من مكانه بل فتح فمه و بدا يتفرس على البيت، في ذلك الحائط الباذخ الشبه المائل، و تلك الحصيرة التي أكلتها الفئران، و الظلام الذي يسود المكان ليلا و نهارا وتلك المقاعد التي هي بالفقر صادعة.
قدرت الأم مشاعره ولم تنبت ببنت شفة بل تركته وذهبت لتحضر له فنجان شاي ساخن ، فهذا كل ما أعطاه لها صاحب المقهى ، قدمته على صينية مثقوبة كأن دبابة الحرب قد دهستها ، لكن في الحقيقة الضيوف الذين يقطنون عندهم أقصد الفئران- أخذت تصب له فنجان الشاي و هي تخاطبه :ما بك يا ولدي؟ لما كل هذا الكرب و الحزن يشد خاطرك ؟
رد عليها و نجمة الحزن تلمع من عينيه: إنني في حالة يرثى لها يا أمي، و إن حكيت لكي عن قصتي سوف يتقطع قلبك بالبكاء.
أجابت: احكي يا ولدي على الأقل تخفف عن ما بداخلك.
نظر إلى الأعلى و بدا يحكي قصته المريرة : عندما وصلت إلى (الخزيرات) كان جسمي يتقرقف من البرد ولعابي يدور على لساني ألف مرة بحثا عن نقطة ماء أشد بها عطشي، فلم أجد غير (سربيسا) كانت ملقاة على جانب الحائط ، شربتها فبدأت أفكاري تدور بي ، و بدأ القدر يلعب لعبته معي ..لم أعرف ما الذي سأفعله و إلى أين سأذهب؟ إلى اليمين أم إلى اليسار؟ ..ساعات طويلة و أنا وحدي أدور و أدور، و أرمي بصري يمنة و يسرة ، أستمتع بخليط من الناس متفرجا على المتاجر و السلع المعروضة-عالم غير عالمنا- حتى التقيت بشخص هناك صدفة..حزن لحالي وصحبني إلى بيته أقصد مخبأه، فهو مثلي نفس المأساة نعاني منها..شهرين كاملين و أنا ابحث عن عمل و أنا في ذلك المخبأ، تشاجرت و تدمرت و تحملت جميع أنواع الذل و الصغار.
وفي يوم من الأيام كان الأحد، خرجت لأتجول في المجالي فإذا بشرطي قبض عليّ كأنني على موعد معه اصطكت ركبتاي من الخوف و أخذني معه إلى مركز الشرطة، هناك أكلت فلقة حتى سال من انفي الرعاف، فأعادوني من حيث أتيت.
..تأثرت أمه بكل ذلك الكلام الذي قصد به نفسه، و ضمته إلى صدرها و حمدت الله لعودته بسلام و طلبت منه أن يقتل موضوع ( الحريك) من فكره و يبحث عن عمل هنا في بلده قريبا من أهله و خلانه.
طيب خاطرها بكلمة نعم ، لكن ما يدور في رأسه لا يعلمه إلا الله – إما الحريك و إما الموت – هذا هو شعاره، شعار شاب فقد الأمل في الحياة و تساقطت كل أوراق أشجاره.
..أسفر النهار بعد ليل سرمدي، استيقظت أمه في صباح باكر فأحضرت له الفطور : فنجان شاي بارد مع خبز يابس بالزبدة، و تركته بجانبه على الحصيرة ونظرت في وجهه و السجم وكف من عينيها كأنها لن تراه للأبد، خرجت بصمت محاولة عدم إيقاظه، فالصباح الباكر هو منطلق عملها حتى الليل الحالك.
بيد انه سمع مع قفلة الباب صوت سيارة في الخارج بالضبط تحت نافذته الصغيرة، فتحكم فيه الفضول و فتح نافذة الحجرة، أطل منها فرأى سيارة ضخمة أمام البيت المجاور، وبعد هنيهة خرج صديقه الذي هاجر قبله بثلاثة أشهر يفتح باب السيارة بكل نخوة و كبرياء، فتلون دمه كلون السيارة أحمر قاتم و كاد أن ينفجر في تلك اللحظة مخاطبا نفسه بعد أن أغلق النافذة : ابن السعدية بتلك السيارة و البارحة كان يبيع (الديطاي) في رأس الدرب، و ما كان عليه إلا أن استعد و جمع كيسه الصغير ، ألقى نظرة على البيت ورحل و جسمه يغلي كأمواج البحر.
سار سيرا داركا حتى وصل البحر و جسمه يرتعش من شدة الغضب و القهر ، تحت تلك الشمس السافرة و الحر اللافح المحرق ، جلس على الصعيد ينتظر قارب الموت.. وعندما عسكر الليل واربدت الآفاق سوادا ابتدأت المغامرة بل رحلة الموت، ليس هو الوحيد الذي كان ينتظر قارب الموت بل أكثر من عشرون شخصا كانوا هناك، تصوروا ذلك المشهد المؤلم، مجتمعين في قارب صغير (أطفال-شباب-نساء) ، كلهم يرسمون في عقولهم بأنهم سيعودون و معهم أموال طائلة و سيارات الخ.. متجاهلين ما قد يصيبهم من أذى، حالمين بتحقيق كل آمالهم لكن هيهات..كانت الأمواج تلعب دور الشريرة التي انتقمت منهم، وساعدتها على ذلك رياح قاصفة كانت تهب من كل حدب و صوب ، و بدون استئذان و بعد صياح و زعاق طويل انقلب القارب و غرق الكل ولم ينجوا أحد.
عشرون شخصا ابتلعهم البحر، و آمال الشباب أكلها الحوت، فضاع الشباب و أظلمت الحياة..فأين شباب اليوم ، رجال الغد ؟ ماتوا..بل سافروا لدنيا الخوالي بعد أن كانوا في دنيا البواقي. [/align]
الرموكة : شاحنة الوزن الثقيل
الحريك : الهجرة السرية
الديطاي : بيع السجائر بلا رسوم ضريبية
سربيسا : مشروب كحولي
الخزيرات : شبه الجزيرة الخضراء

[align=center]...لقد عاد اليوم و الذكاء واجبة، كان جسمه قضيف وثوبه الخلق غير نظيف، عاد لبلاد الظلام و الصرد من جديد، لم يتغير شئ كأنه لم يهاجر البلاد قط..وصل لبيته المدفون داخل زقاق عتيق و كل أطفال الحي تجمهروا حوله كأنهم يسخرون من عودته، لقد سمعوا أنه هاجر ونجح في عملية( الحريك) التي تمت تحت ( الرموكة)، لكن ماهي إلا ثلاثة شهور حتى عاد وقلبه مقهور.
..دق الباب ولم يكن هناك احد ، فشاظ به الغضب بسبب الكلل الشديد ووعثاء السفر الطويل مد النهار،جلس القرفصاء ومكث على الريع منتظرا عودة أمه.
أدجنت السماء و أرخى الليل سجوفه، عندها عادت بعد أن أتمت عملها في تنظيف المقاهي و الحانات، كان في يدها مسرجة صغيرة تنير بها طريقها إلى البيت..لقد تفاجئت بعودته وفرحت جدا لرؤيته،لم تصدق نفسها أنها وجدته بعد أن تكلته، فكل من زججت نفسه و دخل البحر يكون مصيره الحمام لا مفر،بيد أنه حزن و أحس بغصة في حلقه عندما رأى ذلك السطل في اليد اليسرى، عاد مرة أحرى للعيش في الكرب و الحزن، ثم حنى و قبل يدها و بصمت أزالت البرقع من وجهها وفي عينيها عبرة الألم، طبعت على جبينه قبلة و ارفض الدمع من عينيها.
..فتحت الباب وقالت: ادخل يا بني تفضل الحمد لله على سلامتك.
لم يتفوه بكلمة و لم يتحلحل من مكانه بل فتح فمه و بدا يتفرس على البيت، في ذلك الحائط الباذخ الشبه المائل، و تلك الحصيرة التي أكلتها الفئران، و الظلام الذي يسود المكان ليلا و نهارا وتلك المقاعد التي هي بالفقر صادعة.
قدرت الأم مشاعره ولم تنبت ببنت شفة بل تركته وذهبت لتحضر له فنجان شاي ساخن ، فهذا كل ما أعطاه لها صاحب المقهى ، قدمته على صينية مثقوبة كأن دبابة الحرب قد دهستها ، لكن في الحقيقة الضيوف الذين يقطنون عندهم أقصد الفئران- أخذت تصب له فنجان الشاي و هي تخاطبه :ما بك يا ولدي؟ لما كل هذا الكرب و الحزن يشد خاطرك ؟
رد عليها و نجمة الحزن تلمع من عينيه: إنني في حالة يرثى لها يا أمي، و إن حكيت لكي عن قصتي سوف يتقطع قلبك بالبكاء.
أجابت: احكي يا ولدي على الأقل تخفف عن ما بداخلك.
نظر إلى الأعلى و بدا يحكي قصته المريرة : عندما وصلت إلى (الخزيرات) كان جسمي يتقرقف من البرد ولعابي يدور على لساني ألف مرة بحثا عن نقطة ماء أشد بها عطشي، فلم أجد غير (سربيسا) كانت ملقاة على جانب الحائط ، شربتها فبدأت أفكاري تدور بي ، و بدأ القدر يلعب لعبته معي ..لم أعرف ما الذي سأفعله و إلى أين سأذهب؟ إلى اليمين أم إلى اليسار؟ ..ساعات طويلة و أنا وحدي أدور و أدور، و أرمي بصري يمنة و يسرة ، أستمتع بخليط من الناس متفرجا على المتاجر و السلع المعروضة-عالم غير عالمنا- حتى التقيت بشخص هناك صدفة..حزن لحالي وصحبني إلى بيته أقصد مخبأه، فهو مثلي نفس المأساة نعاني منها..شهرين كاملين و أنا ابحث عن عمل و أنا في ذلك المخبأ، تشاجرت و تدمرت و تحملت جميع أنواع الذل و الصغار.
وفي يوم من الأيام كان الأحد، خرجت لأتجول في المجالي فإذا بشرطي قبض عليّ كأنني على موعد معه اصطكت ركبتاي من الخوف و أخذني معه إلى مركز الشرطة، هناك أكلت فلقة حتى سال من انفي الرعاف، فأعادوني من حيث أتيت.
..تأثرت أمه بكل ذلك الكلام الذي قصد به نفسه، و ضمته إلى صدرها و حمدت الله لعودته بسلام و طلبت منه أن يقتل موضوع ( الحريك) من فكره و يبحث عن عمل هنا في بلده قريبا من أهله و خلانه.
طيب خاطرها بكلمة نعم ، لكن ما يدور في رأسه لا يعلمه إلا الله – إما الحريك و إما الموت – هذا هو شعاره، شعار شاب فقد الأمل في الحياة و تساقطت كل أوراق أشجاره.
..أسفر النهار بعد ليل سرمدي، استيقظت أمه في صباح باكر فأحضرت له الفطور : فنجان شاي بارد مع خبز يابس بالزبدة، و تركته بجانبه على الحصيرة ونظرت في وجهه و السجم وكف من عينيها كأنها لن تراه للأبد، خرجت بصمت محاولة عدم إيقاظه، فالصباح الباكر هو منطلق عملها حتى الليل الحالك.
بيد انه سمع مع قفلة الباب صوت سيارة في الخارج بالضبط تحت نافذته الصغيرة، فتحكم فيه الفضول و فتح نافذة الحجرة، أطل منها فرأى سيارة ضخمة أمام البيت المجاور، وبعد هنيهة خرج صديقه الذي هاجر قبله بثلاثة أشهر يفتح باب السيارة بكل نخوة و كبرياء، فتلون دمه كلون السيارة أحمر قاتم و كاد أن ينفجر في تلك اللحظة مخاطبا نفسه بعد أن أغلق النافذة : ابن السعدية بتلك السيارة و البارحة كان يبيع (الديطاي) في رأس الدرب، و ما كان عليه إلا أن استعد و جمع كيسه الصغير ، ألقى نظرة على البيت ورحل و جسمه يغلي كأمواج البحر.
سار سيرا داركا حتى وصل البحر و جسمه يرتعش من شدة الغضب و القهر ، تحت تلك الشمس السافرة و الحر اللافح المحرق ، جلس على الصعيد ينتظر قارب الموت.. وعندما عسكر الليل واربدت الآفاق سوادا ابتدأت المغامرة بل رحلة الموت، ليس هو الوحيد الذي كان ينتظر قارب الموت بل أكثر من عشرون شخصا كانوا هناك، تصوروا ذلك المشهد المؤلم، مجتمعين في قارب صغير (أطفال-شباب-نساء) ، كلهم يرسمون في عقولهم بأنهم سيعودون و معهم أموال طائلة و سيارات الخ.. متجاهلين ما قد يصيبهم من أذى، حالمين بتحقيق كل آمالهم لكن هيهات..كانت الأمواج تلعب دور الشريرة التي انتقمت منهم، وساعدتها على ذلك رياح قاصفة كانت تهب من كل حدب و صوب ، و بدون استئذان و بعد صياح و زعاق طويل انقلب القارب و غرق الكل ولم ينجوا أحد.
عشرون شخصا ابتلعهم البحر، و آمال الشباب أكلها الحوت، فضاع الشباب و أظلمت الحياة..فأين شباب اليوم ، رجال الغد ؟ ماتوا..بل سافروا لدنيا الخوالي بعد أن كانوا في دنيا البواقي. [/align]
الرموكة : شاحنة الوزن الثقيل
الحريك : الهجرة السرية
الديطاي : بيع السجائر بلا رسوم ضريبية
سربيسا : مشروب كحولي
الخزيرات : شبه الجزيرة الخضراء
تعليق