يقول عبد القاهر الجرجاني :
لو كان النظم لايكون إلا في معاني النحو لكان البدوي الذي لم يسمع بالنحو قط ، ولم يعرف المبتدأ و الخبر وشيئا مما يذكرونه لا يتأتى له كلام ،
وإنا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا يحسنه المتقدم في علم النحو .
والجواب على ذلك كما يقول عبد القاهر :
هو أن الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات لا بمعرفة العبارات، فإذا عرف البدوي الفرق بين أن يقول : جاءني زيد راكبا ، وبين قوله : جاءني زيد الراكب .
لم يضره ألا يعرف أنه إذا قال : راكبا كانت حالا كما يقول فيها النحويون ، وإذا قال الراكب إنه صفة جارية على زيد ،
وإذا عرف في قوله : زيد منطلق ، أن زيدا مخبر عنه ومنطلق خبر؛ لم يضره ألا يعلم أنا نسمي زيدا مبتدأ،
وإذا عرف في قولنا : ضربته تأديبا له أن المعنى في التأديب أنه غرض من الضرب ، وأن ضربه ليتأدب لم يضره ألا يعلم أنا نسمي التأديب ( مفعولا لأجله )
ولو كان عدم العلم بهذه العبارات يمنعه العلم بما وضعناه له وأردناه بها ، لكان ينبغي ألا يكون له سبيل إلى بيان أغراضه، وألا يفصل فيما يتكلم به بين نفي وإثبات وبين (ما) إذا كانت استفهاما ، وبينها إذا كانت بمعنى الذي ،
وإذا كان بمعنى المجازاة لأنه لم يسمع عبارتنا في الفرق بين هذه المعاني ، أترى أن الأعرابي حين سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسولَ الله
بالنصب فأنكر عليه ، وقال : صنع ماذا ؟!
أنكر عليه عن غير علم أن النصب يخرجه عن أن يكون خبرا، ويجعله والأول في حكم واحد ،
وأنه إذا صار والأول في حكم واحد احتيج إلى اسم آخر أو فعل حتى يكون كلاما ، وحتى يكون قد ذكر ماله فائدة ؟
إن كان لم يعلم ذلك فلماذا قال : صنع ماذا ؟!
فطلب ما يجعله خبرا .
ويلزم على هذا الاعتراض أن يكون امرؤ القيس حيت قال :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ...........
قاله وهو لايعلم ما نعنيه بقولنا : إن قفا أمرٌ، ونبك جواب الأمر ، وذكرى مضاف إلى حبيب ومنزل معطوف على حبيب ،
وأن تكون هذه الألفاظ رتبت له من غير قصد منه إلى هذه المعاني ،
وذلك يوجب أن يكون قفا (نبك ) بالجزم من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم ، وأتى به مؤخرا عن قفا ، من غير أن يعرف أن لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن في البيتن
و ذلك غير معقول بالضرورة ؛ فالعرب القدماء كانوا يعرفون النحو معرفة عملية أو فنية كما يقول الدكتور حسن عون ، وإن كانوا لا يعرفونه معرفة علمية فهذه الطرق الخاصة بالأداء في اللغة العربية قد التزمت باطراد في تراكيبها وأساليبها.
ومرنت عليها ألسنة العرب ، وتمكنت من طباعهم قبل أن توضع لها القواعد النحوية المجردة ، وضعا علميا وتدرس دراسة مستقلة لاتعرف وتحتذى.
من أجل ذلك على الأديب الموهوب ألا يخشى من فزاعة النحاة بالخطأ النحوي أو الإملائي ، مادام يدرك مدلولات الألفاظ ،
ويتأكد أن المتلقي سيفهم مضامين ما يقصده من كلام عندما تكون السليقة والقدرة على التمكن من المعاني لديه تفوق القدرة على معرفته لأصول النحو العربي وقواعد الإملاء العربية ، فعليه أن يبدع ، وعلى النحاة وأهل اللغة أن يدققوا ويصوبوا، وله أن يحترم
منهجهم الإعرابي واللغوي الذي يرصد رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه ووضع همزة القطع أو التاء المربوطة ،... وهكذا ترتبط عندهم المعاني
بالقواعد النحوية والكتابة الإملائية الصحيحة لتستقيم الألسنة والأقلام بمداد العلم والمعرفة .
تعليق