عمو أنا ضايعة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عزوز
    عضو الملتقى
    • 30-03-2010
    • 150

    عمو أنا ضايعة

    عمو .. أنا ضايعة



    قصة : محمد عزوز



    لم يكونوا يسمحون لنا بالدخول أو الإنفراد بتلاميذ الشرطة في بداية التحاقهم بالدورة التدريبية المؤهلة ، وكان الأهل يلحون علي في أي اتصال معهم أن أزور أخي بشكل دائم كي أطمئنهم عليه وألبي له بعض حوائجه إن وجدت ..
    كنت أطلبه من الباب الرئيس وأنتظر حسب أوامر ذلك الشرطي المتجهم دائماً ، ثم أنحرف قليلاً نحو الجنوب كي أحادث أخي الذي يصل مهرولاً لفرط فرحته بالزيارة واستغلال الوقت المخصص لها بكامله ، السور الحديدي يفصل بيننا كقضبان السجن ، لكن سقفنا هنا الفضاء الرحب ..
    أسأله عن صحته وأحواله دون أن أبذل أي جهد أو أرفع صوتي ، لم يكن يفصلنا عن بعضنا سوى ذلك الحاجز ، يطمئنني ولايطلب شيئاً ، الطعام والشراب تؤمنهما مدارس الشرطة ، أما باقي الإحتياجات فتلبى خارج الأسوار ، وهو داخلها الان ..
    ولم أكن قد أنهيت الزمن المخصص للزيارة ، عندما اقتربت مني طفلة صغيرة وهي تبكي بحرقة وتلتفت يميناً ويساراً بلهفة واضحة :
    -عمو .. وينو شارع فلسطين ..؟
    وعاودت البكاء الهستيري ، كان شكلها الخارجي يؤكد أنها ليست متسولة وأن عمرها بحدود خمس أو ست سنوات ..
    اقتربت منها أكثر ، انحنيت قليلاً ، بعد أن اعتذرت من أخي الذي غاب داخل أبنية المدارس ..
    -أي شارع فلسطين ..؟ تقصدين المخيم ..؟
    -نعم ..
    -وأين أهلك ..؟
    -في البيت .. عمو الله يخليك وصلني عالبيت .. عمو أنا ضايعة .. عمو مابعرف ..
    واستمرت تبكي بشكل يقطع نياط القلب ..
    لم أفهم شيئاً ، وتساءلت : إذا كانت من شارع فلسطين أو كما درجوا على تسميته بمخيم فلسطين .. فما الذي أتى بها إلى القابون .. ؟ ثم أن المكان بعيد جداً .. تحتاج لركوب حافلتين كي تصل إليه..
    كانت صادقة في كل كلمة تنطق بها ، لكن الأمر بدا غير مقنع ..
    وتساءلت من جديد : هل أشفق عليها وأصطحبها معي إلى شارع فلسطين حيث أقيم ..؟ ولكن ما أدراني أنها تقصد شارعاً آخر قريباً من هنا ، وهو الأرجح .. نحن نسمي كثيراً من الشوارع والأزقة بهذا الاسم .. وقد يكون اسماً غير رسمي .. يعرفه أهل الحي فقط ، عندها سأعقد المسألة بدلاً من أن أحلها .. وربما وضعت نفسي في موقف لا أحسد عليه ، سأظهر وكأني اختطفت البنت ..
    عادت تلح علي ، وأنا في حيرة أكبر :
    -عمو ما بعرف .. عمو .. وصلني عالبيت .. والله بعطيك ربع ليرة..
    قلت : لماذا لا أدفعها إلى ركوب الحافلة وهناك يتولى المهمة أناس آخرون غيري ..؟ ازداد تأثري ، حاولت أن أفعل شيئاً آخر ، سألتها من جديد :
    -كيف وصلت إلى هنا ..؟ شارع فلسطين بعيد .. من تركك ..؟ هل كان أهلك هنا قبل قليل ..؟
    عادت للبكاء دون أن تجيبني ، وكررت اللازمة نفسها :
    -عمو ما بعرف .. أنا ضايعة .. وصلني عالبيت الله يخليك .. بيتنا بشارع فلسطين ..
    لم أعد مقتنعاً بحكايتها ، رغم الدموع السخية ولازمة الإستعطاف ..
    ولم يصح معي أن تكون من هناك ، وإذا صح فقد أتت بفعل فاعل ..
    هل يريد أهلها التخلص منها بهذه الطريقة ..؟ هل هي هنا نتيجة فعل جرمي ..؟
    طغى علي هذا الهاجس ، يقابله في الوقت ذاته هاجس أن تكون من مكان قريب من هنا .. وليس المخيم كما أكدت ..
    قلت لنفسي : إن التعاطف معها قد يسبب لي مشكلةً ما ، علي أن أكلف غيري بهذه المسألة ..
    عدت إلى حكاية دفعها كي تركب الحافلة المتجهة إلى مركز المدينة ، ومن هناك إلى المخيم .. رفضت الفكرة بإشارة من رأسها .. إذاً هي تعرف أن المكان لا يحتاج إلى ركوب حافلة ، هو قريب وأنا لا أعرفه. لم يكن حولي إلا بعض الداخلين إلى المدارس والخارجين منها ، لم يكترث بها أحد ، تركتها وابتعدت ، فصارت تلتفت مذعورة ، وارتفعت وتيرة بكائها ..
    لم أستطع إكمال خطوات قراري بالمغادرة قبل أن أطمئن عليها ، فوقفت أراقبها غير بعيد عنها .. وقف أمامها رجل بثياب الشرطة ، حاورها ثم تركها ودخل .. فعل ذلك شرطي آخر ..
    كدت أعود فأفعل شيئاً ، لكنني لم أستطع إكمال قراري .. قلت لنفسي مجدداً : أدر ظهرك يارجل .. ستجد من يهتم بها ، ليست في مكان مقفر ..
    نفذت قراري هذه المرة ، ولكن إلى الجهة المقابلة فقط ، حيث موقف الحافلة المتجهة إلى مركز المدينة ، وقفت أراقبها من هناك ، لم يعد يصلني صوت بكائها بسبب ضجيج السيارات العابرة .. كنت أرى البعض يقف قليلاً ، ثم يتابع سيره .. وهي تبدو من بعيد فزعة ملهوفة .. لم يكترث بها أحد .. هالني الأمر ، شرطة ومدارس شرطة ولاأحد يفعل شيئاً .. وقلبي يكاد ينفطر حزناً على هذه الطفلة المسكينة التي أرادت أن تضحي بربع ليرتها / ثروتها الكبرى / من أجل أن تصل إلى البيت ..
    وصعدت إلى الحافلة العائدة ، التفت من زجاج مؤخرتها نحوها ، غابت الطفلة عن أنظاري دون أن يتغير أي شيء في المشهد ...
    ولم أترك نفسي بغير حساب .. ، صار أمرها شغلي الشاغل زمناً ، عاتبني الكثير من أصحابي على شرودي ، وظللت أفكر في أن أعود إلى هناك ، قد أجدها وهي لاتزال تبكي وتقول :
    -عمو .. أنا ضايعة .. خدني عالبيت .. والله بعطيك ربع ليرة ..
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد عزوز; الساعة 26-03-2011, 05:59.
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    و أنا أيضا أعاتبك أخي محمد ..
    ما كان يجب أن تتركها دون مساعدة ..
    قصة مؤثّرة فعلا .
    ربما ترمز لفلسطين الضائعة و الكل يرثي لحالها لحظة ثم يتركها و يمر.
    تحيتي لك.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • مبارك على عثمان
      • 08-07-2010
      • 3

      #3
      رمزية عالية، ومؤثرة. إنها حالتنا العامة اليوم! موفق في قادم الأعمال..

      تعليق

      • الفرحان بوعزة
        أديب وكاتب
        • 01-10-2010
        • 409

        #4
        المبدع القدير محمد عزوز .. تحية طيبة ..
        زيارة مدرسة الشرطة حدث عادي ، لم يستغرق زمناً طويلا .. لذلك لم يتطور ولم يتنامى / ولم أكن قد أنهيت الزمن المخصص للزيارة / بل حل محله حدث جديد ولدته الظروف صدفة ، وهو حدث ضياع طفلة ../ عمو ... وينو شارع فلسطين / فالسارد توسل بحدث الزيارة ليجعل من حدث الضياع هو بؤرة النص ..بعدما منح الكلمة للطفلة الصغيرة وفق منظور يسعى إلى تقريب الواقع من القارئ عن طريق نقل خصوصية اللغة اليومية التي تشخص كلام الطفولة / عمو.../ ضمن القصة .. والسارد يتغيا خلق إيهام بواقعية السجل الكلامي للطفلة ..
        بفنية أدبية متميزة ،جسد النص عدة قضايا : ضياع الطفولة الفلسطينية / ضياع تاريخ فلسطين / ضياع البطل / بعدما تأرجح بين الحيرة والتردد في الفعل والإنجاز، مما دفعه إلى الشرود ونسيان ذاته ..
        نص جميل تتجلى فيه إنسانية متميزة ، عرف السارد كيف يجسد نوعاً من الاغتراب المكاني والزمني والنفسي لطفلة تائهة ضائعة .. شاركها البطل ضمنياً بإحساسه وشعوره وفكره وضميره ، مما يدفع بالقارئ يشعر أنه حيال سرد شفاف يوهم بأن المادة السردية تروى بقوتها الداخلية وحدها من كاتب مقتدر ، وليست مفروضة على القارئ عبر تنصيب سارد سلطوي يلملم الأحداث ويولدها من الخيال ...
        دمت مبدعاً ومتألقاً أخي محمد ..
        مودتي الخالصة ..
        الفرحان بوعزة ..

        تعليق

        • محمد عزوز
          عضو الملتقى
          • 30-03-2010
          • 150

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
          و أنا أيضا أعاتبك أخي محمد ..
          ما كان يجب أن تتركها دون مساعدة ..
          قصة مؤثّرة فعلا .
          ربما ترمز لفلسطين الضائعة و الكل يرثي لحالها لحظة ثم يتركها و يمر.
          تحيتي لك.
          هو واقع الحال يا سيدتي
          ولم يغب ذلك عنك أيتها القديرة آسيا رحاحليه
          كل الشكر والتحية والتقدير لك

          تعليق

          • إيمان الدرع
            نائب ملتقى القصة
            • 09-02-2010
            • 3576

            #6
            ولم أترك نفسي بغير حساب .. ، صار أمرها شغلي الشاغل زمناً ، عاتبني الكثير من أصحابي على شرودي ، وظللت أفكر في أن أعود إلى هناك ، قد أجدها وهي لاتزال تبكي وتقول :
            -عمو .. أنا ضايعة .. خدني عالبيت .. والله بعطيك ربع ليرة ..




            وسيبقى صوتها يملأ أذنيك ...
            يستحثّ الشّفقة في قلبك ...ويستثير الدمع في عينيك ...
            وسيبقى هذا الصّدى طويلاً ...يتنازعك بين النسيان ...وجلد الذّات ..
            رغم المبرّرات التي فرضت نفسها على الموقف ...
            إلاّ أنّ من مثلك يمتلك هذا الضّمير الصّاحي ...
            لا يمكن أن يمرّ بهذه اللحظة القاسية ...دون أن يتوقّف عندها طويلاً ...
            جميلٌ أسلوبك ..ونابض قلمك أخي محمد ...
            مع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ..

            تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

            تعليق

            • محمد عزوز
              عضو الملتقى
              • 30-03-2010
              • 150

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مبارك على عثمان مشاهدة المشاركة
              رمزية عالية، ومؤثرة. إنها حالتنا العامة اليوم! موفق في قادم الأعمال..
              الأخ مبارك علي عثمان
              لك الشكر على هذا الحضور
              وهذه القراءة الكاشفة
              مع فائق المودة والتقدير

              تعليق

              • محمد عزوز
                عضو الملتقى
                • 30-03-2010
                • 150

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة الفرحان بوعزة مشاهدة المشاركة
                المبدع القدير محمد عزوز .. تحية طيبة ..

                زيارة مدرسة الشرطة حدث عادي ، لم يستغرق زمناً طويلا .. لذلك لم يتطور ولم يتنامى / ولم أكن قد أنهيت الزمن المخصص للزيارة / بل حل محله حدث جديد ولدته الظروف صدفة ، وهو حدث ضياع طفلة ../ عمو ... وينو شارع فلسطين / فالسارد توسل بحدث الزيارة ليجعل من حدث الضياع هو بؤرة النص ..بعدما منح الكلمة للطفلة الصغيرة وفق منظور يسعى إلى تقريب الواقع من القارئ عن طريق نقل خصوصية اللغة اليومية التي تشخص كلام الطفولة / عمو.../ ضمن القصة .. والسارد يتغيا خلق إيهام بواقعية السجل الكلامي للطفلة ..
                بفنية أدبية متميزة ،جسد النص عدة قضايا : ضياع الطفولة الفلسطينية / ضياع تاريخ فلسطين / ضياع البطل / بعدما تأرجح بين الحيرة والتردد في الفعل والإنجاز، مما دفعه إلى الشرود ونسيان ذاته ..
                نص جميل تتجلى فيه إنسانية متميزة ، عرف السارد كيف يجسد نوعاً من الاغتراب المكاني والزمني والنفسي لطفلة تائهة ضائعة .. شاركها البطل ضمنياً بإحساسه وشعوره وفكره وضميره ، مما يدفع بالقارئ يشعر أنه حيال سرد شفاف يوهم بأن المادة السردية تروى بقوتها الداخلية وحدها من كاتب مقتدر ، وليست مفروضة على القارئ عبر تنصيب سارد سلطوي يلملم الأحداث ويولدها من الخيال ...
                دمت مبدعاً ومتألقاً أخي محمد ..
                مودتي الخالصة ..

                الفرحان بوعزة ..
                الصديق الأديب الفرحان بوعزة
                هي قراءة أعتز بها ، أضمها إلى أرشيفي الخاص
                وهي ليست بغريبة عن قارئ متمكن وأديب حصيف مثلك
                وأنا واحد ممن صاروا ينتظرون قراءات مشابهة لنصوصهم
                إذ أننا لا نكتب لكي نسمع فقط عبارات المجاملة رغم احترامنا الكبير
                لكل من مر أو قرأ .. ورب قائل يقول : لا نملك المقومات اللازمة لإبداء
                هكذا رأي .. نعم .. ليس عيباً .. هناك من يمر أو يقرأ ولا يكتب حرفاً ..
                الجميع موضع احترام وتقدير .. ولكن الكاتب ينتظر آراء مشابهة وقراءات
                كقراءة الفرحان بوعزة ..
                شكراً لك ، لقراءتك ، لهذا الجهد الذي بذلت
                مودتي .. تقديري الكبير لك

                تعليق

                • محمد عزوز
                  عضو الملتقى
                  • 30-03-2010
                  • 150

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                  ولم أترك نفسي بغير حساب .. ، صار أمرها شغلي الشاغل زمناً ، عاتبني الكثير من أصحابي على شرودي ، وظللت أفكر في أن أعود إلى هناك ، قد أجدها وهي لاتزال تبكي وتقول :
                  -عمو .. أنا ضايعة .. خدني عالبيت .. والله بعطيك ربع ليرة ..



                  وسيبقى صوتها يملأ أذنيك ...
                  يستحثّ الشّفقة في قلبك ...ويستثير الدمع في عينيك ...
                  وسيبقى هذا الصّدى طويلاً ...يتنازعك بين النسيان ...وجلد الذّات ..
                  رغم المبرّرات التي فرضت نفسها على الموقف ...
                  إلاّ أنّ من مثلك يمتلك هذا الضّمير الصّاحي ...
                  لا يمكن أن يمرّ بهذه اللحظة القاسية ...دون أن يتوقّف عندها طويلاً ...
                  جميلٌ أسلوبك ..ونابض قلمك أخي محمد ...
                  مع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ..
                  لحضورك أديبتنا الوارفة إيمان الدرع ألقه دائماً
                  ولقراءتك موقعها الأكثر تميزاً
                  سعيد أنا بكل حرف سار به مدادك
                  سلمت وهذا اليراع البهي سيدتي
                  كل الشكر والتقدير لك

                  تعليق

                  يعمل...
                  X