عمو .. أنا ضايعة
قصة : محمد عزوز
لم يكونوا يسمحون لنا بالدخول أو الإنفراد بتلاميذ الشرطة في بداية التحاقهم بالدورة التدريبية المؤهلة ، وكان الأهل يلحون علي في أي اتصال معهم أن أزور أخي بشكل دائم كي أطمئنهم عليه وألبي له بعض حوائجه إن وجدت ..
كنت أطلبه من الباب الرئيس وأنتظر حسب أوامر ذلك الشرطي المتجهم دائماً ، ثم أنحرف قليلاً نحو الجنوب كي أحادث أخي الذي يصل مهرولاً لفرط فرحته بالزيارة واستغلال الوقت المخصص لها بكامله ، السور الحديدي يفصل بيننا كقضبان السجن ، لكن سقفنا هنا الفضاء الرحب ..
أسأله عن صحته وأحواله دون أن أبذل أي جهد أو أرفع صوتي ، لم يكن يفصلنا عن بعضنا سوى ذلك الحاجز ، يطمئنني ولايطلب شيئاً ، الطعام والشراب تؤمنهما مدارس الشرطة ، أما باقي الإحتياجات فتلبى خارج الأسوار ، وهو داخلها الان ..
ولم أكن قد أنهيت الزمن المخصص للزيارة ، عندما اقتربت مني طفلة صغيرة وهي تبكي بحرقة وتلتفت يميناً ويساراً بلهفة واضحة :
-عمو .. وينو شارع فلسطين ..؟
وعاودت البكاء الهستيري ، كان شكلها الخارجي يؤكد أنها ليست متسولة وأن عمرها بحدود خمس أو ست سنوات ..
اقتربت منها أكثر ، انحنيت قليلاً ، بعد أن اعتذرت من أخي الذي غاب داخل أبنية المدارس ..
-أي شارع فلسطين ..؟ تقصدين المخيم ..؟
-نعم ..
-وأين أهلك ..؟
-في البيت .. عمو الله يخليك وصلني عالبيت .. عمو أنا ضايعة .. عمو مابعرف ..
واستمرت تبكي بشكل يقطع نياط القلب ..
لم أفهم شيئاً ، وتساءلت : إذا كانت من شارع فلسطين أو كما درجوا على تسميته بمخيم فلسطين .. فما الذي أتى بها إلى القابون .. ؟ ثم أن المكان بعيد جداً .. تحتاج لركوب حافلتين كي تصل إليه..
كانت صادقة في كل كلمة تنطق بها ، لكن الأمر بدا غير مقنع ..
وتساءلت من جديد : هل أشفق عليها وأصطحبها معي إلى شارع فلسطين حيث أقيم ..؟ ولكن ما أدراني أنها تقصد شارعاً آخر قريباً من هنا ، وهو الأرجح .. نحن نسمي كثيراً من الشوارع والأزقة بهذا الاسم .. وقد يكون اسماً غير رسمي .. يعرفه أهل الحي فقط ، عندها سأعقد المسألة بدلاً من أن أحلها .. وربما وضعت نفسي في موقف لا أحسد عليه ، سأظهر وكأني اختطفت البنت ..
عادت تلح علي ، وأنا في حيرة أكبر :
-عمو ما بعرف .. عمو .. وصلني عالبيت .. والله بعطيك ربع ليرة..
قلت : لماذا لا أدفعها إلى ركوب الحافلة وهناك يتولى المهمة أناس آخرون غيري ..؟ ازداد تأثري ، حاولت أن أفعل شيئاً آخر ، سألتها من جديد :
-كيف وصلت إلى هنا ..؟ شارع فلسطين بعيد .. من تركك ..؟ هل كان أهلك هنا قبل قليل ..؟
عادت للبكاء دون أن تجيبني ، وكررت اللازمة نفسها :
-عمو ما بعرف .. أنا ضايعة .. وصلني عالبيت الله يخليك .. بيتنا بشارع فلسطين ..
لم أعد مقتنعاً بحكايتها ، رغم الدموع السخية ولازمة الإستعطاف ..
ولم يصح معي أن تكون من هناك ، وإذا صح فقد أتت بفعل فاعل ..
هل يريد أهلها التخلص منها بهذه الطريقة ..؟ هل هي هنا نتيجة فعل جرمي ..؟
طغى علي هذا الهاجس ، يقابله في الوقت ذاته هاجس أن تكون من مكان قريب من هنا .. وليس المخيم كما أكدت ..
قلت لنفسي : إن التعاطف معها قد يسبب لي مشكلةً ما ، علي أن أكلف غيري بهذه المسألة ..
عدت إلى حكاية دفعها كي تركب الحافلة المتجهة إلى مركز المدينة ، ومن هناك إلى المخيم .. رفضت الفكرة بإشارة من رأسها .. إذاً هي تعرف أن المكان لا يحتاج إلى ركوب حافلة ، هو قريب وأنا لا أعرفه. لم يكن حولي إلا بعض الداخلين إلى المدارس والخارجين منها ، لم يكترث بها أحد ، تركتها وابتعدت ، فصارت تلتفت مذعورة ، وارتفعت وتيرة بكائها ..
لم أستطع إكمال خطوات قراري بالمغادرة قبل أن أطمئن عليها ، فوقفت أراقبها غير بعيد عنها .. وقف أمامها رجل بثياب الشرطة ، حاورها ثم تركها ودخل .. فعل ذلك شرطي آخر ..
كدت أعود فأفعل شيئاً ، لكنني لم أستطع إكمال قراري .. قلت لنفسي مجدداً : أدر ظهرك يارجل .. ستجد من يهتم بها ، ليست في مكان مقفر ..
نفذت قراري هذه المرة ، ولكن إلى الجهة المقابلة فقط ، حيث موقف الحافلة المتجهة إلى مركز المدينة ، وقفت أراقبها من هناك ، لم يعد يصلني صوت بكائها بسبب ضجيج السيارات العابرة .. كنت أرى البعض يقف قليلاً ، ثم يتابع سيره .. وهي تبدو من بعيد فزعة ملهوفة .. لم يكترث بها أحد .. هالني الأمر ، شرطة ومدارس شرطة ولاأحد يفعل شيئاً .. وقلبي يكاد ينفطر حزناً على هذه الطفلة المسكينة التي أرادت أن تضحي بربع ليرتها / ثروتها الكبرى / من أجل أن تصل إلى البيت ..
وصعدت إلى الحافلة العائدة ، التفت من زجاج مؤخرتها نحوها ، غابت الطفلة عن أنظاري دون أن يتغير أي شيء في المشهد ...
ولم أترك نفسي بغير حساب .. ، صار أمرها شغلي الشاغل زمناً ، عاتبني الكثير من أصحابي على شرودي ، وظللت أفكر في أن أعود إلى هناك ، قد أجدها وهي لاتزال تبكي وتقول :
-عمو .. أنا ضايعة .. خدني عالبيت .. والله بعطيك ربع ليرة ..
تعليق