لأنّه...غفران طحّان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • غفران طحّان
    عضو الملتقى
    • 25-01-2008
    • 112

    لأنّه...غفران طحّان

    لأنــــــــّـــــــــــه...


    هاهي تتهادى من بعيد كحلمٍ أبيض...خصلات شعرها الفاحم تتراقص على نغمات تحدثها قدماها، وترسم فصولاً مزهرة ً على خدودها الناعمة...
    ترفع يدها لتلغي عتمةً صنعتها خصلةٌ من شعرها، ثمّ ترسل يدها مرّة أخرى لترتطم بقدمها وتخلّف ألماً وقر في قلبه...
    ثيابها البيضاء تشي بمفاتن جسدها المتّقد...فهي قلّما تهتم بإخفاء جمالها عنه...لأنّه؟!!!!
    أغمض عينيه لتقرّ صورتها تلك في مخيلته، ثمّ فتحهما ليراها متوضعةً على الكرسيّ بجواره...ألقى برأسه على كتفه ، ثمّ مال به إلى الأمام قليلاً...لتزرع يدها في شعث شعره وتحركها محاولة ترتيبه...
    مطّ شدقيه إلى الأمام، ورسم ابتسامةً بلهاء على وجهه معلناً رضاه، وفرحه بحضورها..
    رسمت بيدها خطوطاً هادئةً على صفحات وجهه، وتركتها تشتعل نيراناً ثائرةً في قلبه.
    أمسكت بيده، وسحبته قائلةً :
    هيّا لتنضمّ إلى أصدقائك وتتابع الدرس معنا...
    انقاد معها ويده في يدها تنبض بدماءٍ جديدةٍ ولدت لحظة إمساكها به...بدأت تلك الدماء تنتشر في جسده حتّى استقرت في قلبه.
    جرى معها بسرعةٍ لم تعتدها منه يوماً...ولكنّها لم تلق بالاً لذلك...فقط استدارت لمواجهة براءته بابتسامة مرحة...وتابعت طريقا إلى المكان الذي اعتادت أن تكون ملكته .
    أجلسته في المكان المخصص له ، وبجواره مجموعةٌ من الأشخاص يشبهونه في كلّ شيء إلاّ في تلك الدماء التي استعمرت جسده وقلبه...
    جال ببصره بين الوجوه، وراحت الأسئلة تتدفق من تفاصيل وجهه...
    راح يسأل عن سبب وجود هؤلاء الناس المتشابهين معهما في نفس المكان؟!!!
    وعن هذا المكان الغريب الذي يعجّ بالألعاب والدفاتر والألوان والأحرف المتناثرة
    بلا معنى ...؟!!!
    عن ضحكات ٍ تتطاير من الوجوه فتشي ببلاهة مطلقها...؟!!!
    عن تلك الهالة التي تحيط بها ...وتجعلها مميزةً عنهم...؟!!!
    - أين أنا...من هؤلاء ...من هي...هل أنا مثلهم ...أومثلها...؟!!!
    وكأنّه قد استيقظ لتوه من حلمٍ جميلٍ ...واصطدم بواقعٍ قبيحٍ يقوم بنهشه كوحشٍ مفترسٍ.
    أنهى تفحّصه للوجوه والحيطان والألوان ...ولها...ووجهه يزداد غموضاً من التخمة التي جعلته مصلوباً على عمود تساؤلاتٍ لا تنتهي...
    انتبهت إلى شروده ...وإلى الغموض الذي ملأ وجهه ...اقتربت منه، ومالت برأسها إليه ولكنّه بقي شارداً في حقول الضياع ...
    مدت يدها واحتضنت ذقنه، ثمّ رفعت رأسه إليها، وقالت:
    - لماذا أنت شاردٌ يا"قيس" انظر إلى زملائك كيف يشاركونني الدرس...لقد كنت أفضلهم...ما الذي حدث لك؟!!!
    نظر إليها متفحصاً، وتمنّى لو ينهض إليها ويحتضنها...ويفرغ ما ينخر في قلبه وعقله من الحبّ لها في قبلةٍ يعزفها على شفتيها المكتنزتين...
    ثمّ أطفأ شروده ليسألها:
    - أيّ درسٍ هذا...؟!!!
    - إنه درس القراءة...لقد حفظت الأحرف ، وصرت قادراً على قراءة الجمل .
    - الجمل..!!!الأحرف...!!! كم عمري أنا...؟!!!
    أخفت ضحكتها السّاخرة ، وحاولت الاحتفاظ بروحها المرحة
    - إنّك اليوم يا صغيري ...في عمر السادسة...
    نظر إليها بغضبٍ شديدٍ،فاستدركت قائلةً:
    -حسناً سأقول الصدق ...اليوم يصادف عيد ميلادك الخامس والعشرين ...كلّ عامٍ وأنت بخير ...لقد أفسدت المفاجأة على نفسك ...يا لك من لعين...حسناً كنّا سنحتفل بك ، وقد أحضر أصدقاؤك هداياهم لك، وأنا أيضاً أحضرت لك قصّة((سندباد))لابدّ ستستطيع قراءتها ...هيّا يا صديقي ، سنكمل الدرس ، بعدها نحتفل بك.
    اشتعل الشرود والغموض في عينيه مرّةً أخرى ....ثمّ بادر بسؤالها:
    - كم عمرك أنت...؟
    - عمري...أنا في الثانية والعشرين...وعيد ميلادي مازال بعيداً ...هيّا لنعد إلى الدرس.
    وهمت بقيادته من يده كعادتها لتضعه على المقعد المقابل لها...ولكنّه أبى النهوض معها، وشدها إليه بقوّة ...ثمّ قال:
    -أنا أحبّك يا"زينة"...أحبّك جداً.
    - وأنا أحبّك أيضاً...ولكن عليك أن تقول يا آنسة زينة ؛كما اتفقنا سابقاً
    -لا...لا أنا أحبك وأريد الزواج بك!!!
    ضحكت باصفرار ...وشدّت يدها التي كان يحتضنها بين يديه ، وارتقت بها إلى فمها محاولةً إخفاء السخرية التي بدت واضحةً هذه المرّة...ثمّ قالت:
    - الزواج...!!!حسناً عندما تكبر ...هيّا إلى الدرس وإلاّ عاقبتك.
    استفاق وحش الغضب في عينيه ...وقال صارخاً:
    -لماذا تعاملينني كطفلٍ صغيرٍ...؟!!!ومن هؤلاء الأشخاص المتشابهون حولنا...؟!!!وماذا أفعل أنا وأنت هنا...؟!!!أجيبي.
    قال هذا وهو يحطّم ويمزق ما كان أمامه من أقلامٍ ودفاتر.
    تملكها غضب ٌ عارمٌ أذهب عنها أيّ هدوء عليها أن تكونه، وقالت:
    - ماذا حلّ بك ...هل أصابك مسٌّ من الجان...لماذا تفعل هذا...؟!!!!هؤلاء أصدقاؤك وأنت مثلهم؛ بل تشبههم تماماً...انظر إلى المرآة...
    ثمّ أمسكته من يده ، وجرّته بقوّةٍ إلى المرآة ، وتركته يحدّق في صورته التي أشبهت صور هؤلاء الموجودين معهما ...
    لقد غيّر الدم الجديد الذي روّى قلبه من عقله وروحه...ولكنّه لم يغيّر شيئاً في صورته.
    وقف إلى المرآة كارهاً لها، وماقتاً لشكله، وجلُّ ما يتمناه أن يحطم هذه المرآة ...ولكنه قال لنفسه:
    - أنني مثلهم ...حتّى لو حطمت المرآة ...فلن أستطيع تحطيم صورتي التي استقرّت في عينيها ...
    أطفأ ما اشتعل في عينيه من نور...وما تأجج في عقله من أسئلة ...
    ألقى برأسه على كتفه...ومال به إلى الأمام ...مطّ شدقيه ورسم ابتسامةً بلهاء على وجهه معلناً رضاه ...ثمّ انساق معها كما أمرته ...
    أمّا قلبه...ودماؤه الجديد...فأبقاها مشتعلةً بصمت ...لأنّه...!!!


    غفران طحّان
  • سماح شيط
    عضو الملتقى
    • 29-02-2008
    • 31

    #2
    لأنه يعاني القسوة يا عزيزتي قبل ان يعاني البله
    القسوة هي من تصنع نفوسا مريضة وقلوبا مبعثرة وغضبا دفينا
    قصة لأنه تصور واقع مجتمعنا القاسي والمريض قبل ان تصور معاناة المتخلفين فيه
    حقيقة شككت اخر الصة بالمتخلف حقا
    هل هي المعلمة أم هو ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    شكرا لقصتك الجميلة
    تقبلي فائق احترامي وتقديري
    [color=#FF1493][size=4]إن المستقبل يمتلكه أولئك الذين يؤمنون بجمال أحلامهم [/size][/color]:emot66:

    تعليق

    • غفران طحّان
      عضو الملتقى
      • 25-01-2008
      • 112

      #3
      أشكر مرورك الرائع غاليتي
      وهذه القراءة الواعية للنص
      دمت لي فرحاً
      في الله أحبّك

      تعليق

      • غفران طحّان
        عضو الملتقى
        • 25-01-2008
        • 112

        #4
        لهذا النص خصوصيّة في طرح مشكلة هامة
        أرجو منكم المساهمة في إلقاء الضوء على هذه الفئة من الناس
        نراهم بيننا فلا نلتفت إليهم
        كل الود لكم
        مع فرحي الدائم بكم

        تعليق

        • حياة سرور
          أديب وكاتب
          • 16-02-2008
          • 2102

          #5
          [align=center]

          رائعة


          مبدعة


          فاتنة


          غاليتي صاحبة الحرف الرنّان .... [fot1]غفران [/fot1]

          قصةٌ جميلة , امتلكتِ الخيط الحبكى للقصة ولم يفلت منكِ بالرغم من أنكِ

          تتحدثين بلسانين: لسان البطل والبطلة.

          سردية واضحة لا تحتوى التعقيد, والفكرة رائعة لأنها تسلط الضوء على فئة

          ضعيفة من فئات المجتمع ..فئة تساموا ببساطة فكرهم ..وعفوية

          كلامهم ..وتلقائية أفعالهم ..فئة تستحق التبجيل والاحترام بالرغم من إعاقتهم

          استمري غاليتي فلاأجيد أكثر من الإنصات

          بصمة إعجاب وحضور من [fot1]حيـــ سرورــــاة[/fot1]
          [/align]


          تعليق

          • غفران طحّان
            عضو الملتقى
            • 25-01-2008
            • 112

            #6
            أنت الرائعة بهذا الحضور المفعم بالجمال
            غاليتي همسات
            سأدخرك في قلبي
            سأجعل منك شلال فرح
            سأطوق بجمالك غابات حزني
            وأرتقي لأطاول سحر خيالك
            همسات
            سأهمس بصوت ينال كلّ الآفاق
            صديقتي الغالية
            في الله أحبّك

            تعليق

            • وائل طحان
              عضو الملتقى
              • 22-10-2008
              • 18

              #7
              الاستاذة غفران طحان

              سلمت يداكي على هذا الموضوع الرائع وتقبلي مروري

              تعليق

              • أكرم سلمان حسن
                أديب وكاتب
                • 16-10-2008
                • 56

                #8
                أستاذة غفران
                تحياتي
                بدأت هذه القصة بصور جميلة بل أكثر.. وأقصد في مقدمة القصة..كانت اللغة فيها شعرية بامتياز.
                ثم أخذت بيدنا إلى الجدية والمفاجأة القاسية.. وجلت بنا في وعي الشخصيتين اللتين تقوم عليهما القصة.. المعلمة والشاب المريض (المنغولي) كما فهمت من القصة.
                سرد جميل ومترابط ولم يتعثر رغم أنه يدور على لسان بطلي قصتك .. وهذه تحسب لك
                اختيارك لفكرة جيدة قلما يتطرق إليها الأدباء هو في حد ذاته نجاح يسجل لك أيضاً وتستحقين التهنئة عليه.
                الحوار الداخلي( المونولوج)جاء في بنيته.. مترابط ومتماسك ولو أنه يطرح تساءل..
                هل يستطيع المريض بهكذا مرض.. رؤية الأشياء بهذا الوضوح..!!وأن يؤجج الأسئلة المنطقية!!
                قصة ممتعة و تستحق القراءة.. أهنئك عليها..
                كامل مودتي وتقديري لك
                أكرم منصورة
                أحبك أيها المظلوم.. مهما كان عرقك لونك أو دينك
                أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
                akrammansura@gmail.com

                تعليق

                • ايهاب هديب
                  طائر السماء المقعد
                  • 31-12-2008
                  • 184

                  #9
                  رااااائعة ومؤثرة
                  ( طائر السماء المقعد !!)
                  ايــهــاب هـديــب

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    الزميلة الرائعة
                    غفران طحان
                    قصة قوية تخترق جدران عالم فريد من نوعه
                    لغتك السلسة تأخذ القاريء إلى عالمك برفاهية وشفافية عالية
                    الوجوه تتشابه لأن المرض نفسه
                    لن تكبر تلك الوجوه كثيرا ..وأفكارهم تبقى تفكر بعمر السادسة وهم فوق العشرين.
                    بطلك كان الأوفر حظا .. لأنه ربما أقلهم نسبة .. وربما لأنك أردته هكذا!!
                    تحياتي لك كنت رائعة
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    يعمل...
                    X