أصابع و شمعة و قارورة عطر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    أصابع و شمعة و قارورة عطر

    قال لها يوصيها و ينصحها :
    ( عضي على زوجك بالنواجذ )
    و زيادة في الحرص استعملت كل أسباب العض ، بل تمادتْ قليلا
    ( فعضتْ ) عليه بنواجذ الحب و أضراس التحنان و قواطع الألفة
    ثم فرشتْ له لسانها بساطاً أحمراً
    و حولتْ ريقها دهناً يتمسح به و أنفاسها لحافاً يتدثر به.
    حتى تعب منها الفك الأسفل و العلوي ، و أصابهما التنميل ، فنضب الريق و جف اللسان ،
    و تصادف في ذات الوقت أن قامت بخلع (ضرس العقل) فقد تقدمتْ في السن قليلاً ،، فتراخت ( العضة ) قليلا و أنفرج الفكان رغماً عنها.
    و أعطت لنفسها هدنة لترتاح قليلا.
    و عندما عـادت لتمارس (العض) مرة أخـرى مواصلة للاهتمام والعناية ، كان ( المعضوض ) قد أنفلت من بين يديها كطائر ظل محبوساً في قفصه، و لاذ بنواجذ أخرى طائعاً مختاراً ، مســـتغلاً فترة الاسترخاء و الراحة هناك.
    و الغريب في الأمر برمّته أن ( النواجذ ) الجديدة التي لجأ إليها كانت ( مرتخية ) ليس بسبب وصية أو نصيحة .
    كانت ( النواجذ الجديدة ) لا تحبذ زيادة قوة ( العض ) ، و لا نية لها في ( العض ) عليه وحده ، كانت لها أشياء أخرى تحب أن ( تعض) عليها ، أشياء لينة و طرية و أخرى جافة و خشنة و أشياء باردة و أخرى ساخنة ، و أشياء بين بين ، و في بعض الأحايين ، تجمع كل هذه الأضداد في ( عضة ) واحدة وتحت سقف (حلق واحد) و بين (فكين) .
    أما صاحبتنا الأولى صاحبة ( العضة المتشددة ) ، فمن فترة لأخرى، تعض على نواجذها متوهمة أنه ما زال هناك ، فتنتبه إلى أنه لا يوجد شيء تعضه ، فتصطك منها أرتال الأسنان فتعود لرشدها تملؤها الحسرة.
    و عاشت تعض على لا شيء ، كالمستجير ( بالريق عند العطش ).

    و قال آخر ذي تجارب يوصي امرأة يهمه أمرها :
    أيا بنية ، أوقدي أصابعك العشرة لزوجك شمعا يستنير به.
    فعملتْ بالنصيحة ، و صار همها و شغلها الشاغل أن تراقب هذه الأصابع مشتعلة حتى تنير له الطريق ، مضحِّية ( بشحم ) أصابعها لهذا الحبيب ، و ظلتْ رافعة أصابعها العشرة أمامها في الرواح و الغدو ، و لا تخفضها حتى يغط في النوم و يروح في سبات عميق.
    و ذات ليلة عاصفة ،، انطفأت شمعاتها ، فقد بلل أصابعها المطر المندفع عبر النوافذ و السقف ، و راحت منشغلة عنها بتوفير الهدوء و السكينة و الدفء له ، و عندما عادت لمخدعهما لتطمأن عليه ، لم تجد غير ورقة صغيرة تقول :
    لا أحب ضوء الشموع الخافت. أحب الأضواء المبهرة. سئمت نصف الضوء و نصف الظلام. وداعا.
    و من يومها ، عشقت الظلام و أدمنته ، و كرهتْ أي ضوء مهما كان مصدره أو قوة توهجه.

    أما ذاك ، فقد قال لصاحبه :
    المرأة قارورة عطر ، فأعمل على الاستمتاع بالعطر و حافظ على القارورة و حاذر أن تنكسر.
    خوفا على العطر ، فقد صب جل اهتمامه على القارورة لأن بداخلها يكمن العطر الذي ظل يستنشق عبقه معها و في غيابها. سكنتْ روحه فصارت أهم من الهواء و الأكل و الشرب.
    أدمنها تماما ...
    أحتضن القارورة بين أضلاعه ، و وضعها بين أهدابه و رموشه و غطى عليها بجفنيه و أغلق عليها قلبه وظللها بغمامات من مشاعره و سحبا من أحاسيسه.
    أفاق ذات يوما ، و هو يحس خواءا في الروح و جوعا في نبضه ، و عبقها يربض بين أحضانه و يربت على كتفه و يهدهد تعبه ،
    و لكن القارورة لم تكن هناك ، ناداها بأعلى صوته ، فلم تجب.
    خرج كالمجنون يبحث عنها.
    رآها تولي الأدبار تتدحرج على حصى الطريق ، ترتطم بالأرصفة و الأعمدة الخرسانية و تتوارى بين الزحام ، و لكن هاله أمر مريب ، فالقارورة لم يحدث لها أي ضرر جراء كل هذا و ذاك ، لم تنكسر أو يصيبها شرخ ، بل واصلت تدحرجها و هي سليمة معافاة ، لا يسمع غير رنينها المموسق عبر جسدها الشفاف الرقيق ، حتى غابت عن ناظريه و عن دنياه.
    عندما شفى من إدمانه عطرها ، و أنزاح عبيرها من خياشيمه ، راح يشكو لصديقه ما فعلته قارورته.
    و قبل أن يكمل حديثه و شكواه ، راح يضحك بهستيريا متواصلة .
    فقد كان عطرها يعبق من بين ثنايا صديقه المنتشي بالعطر و الذي لم يكن يسمع ضحكات صديقه المجنونة.

    ***
    جلال داود ( ابو جهينة ) الرياض
    التعديل الأخير تم بواسطة جلال داود; الساعة 20-04-2011, 05:56.
  • مصطفى شرقاوي
    أديب وكاتب
    • 09-05-2009
    • 2499

    #2
    ربما يجد المرء في نفسه شيئاً من الألفة والحب ولكنه لا يجيد السلوك نحو إتمام كمال الحب ولأن الكمال والتمام في هذه الدنيا نقائص طلابهم فكان الإستمساك بالأسباب من بعض الطلاب أ:قوى من الحرص على الأعيان فتبقى الأسباب وتذهب الحقائق ويندم المتمني ولا يستطيع أن يقدم شيئاً بعد الإفلات , هكذا تجارب المدمنين

    تعليق

    • جلال داود
      نائب ملتقى فنون النثر
      • 06-02-2011
      • 3893

      #3
      الأخ الأستاذ مصطفلى الشرقاوي
      تحية طيبة


      ربما يجد المرء في نفسه شيئاً من الألفة والحب ولكنه لا يجيد السلوك نحو إتمام كمال الحب

      و هنا تكمن معضلة معظم المحبين
      و هي عدم إجادة السلوك نحو إتمام كمال الحب
      فقد تجد أحدهم مفعما بالحب ، و العشق ملء عطفيه ، و لكنه لا يملك أدوات الفضفضة و عناصر دلق المشاعر

      ولأن الكمال والتمام في هذه الدنيا نقائص طلابهم فكان الإستمساك بالأسباب من بعض الطلاب أ:قوى من الحرص على الأعيان فتبقى الأسباب وتذهب الحقائق ويندم المتمني ولا يستطيع أن يقدم شيئاً بعد الإفلات ,

      هذه الجزئية من مداخلتك أصابت كبد الحقيقة في مقتل و فقأت عينها لله درك
      نعم لا يمكن عمل شيء بعد الإفلات
      ولات حين مناص

      هكذا تجارب المدمنين

      و هو جراب مترع بالتجارب ، لو جلبنا فضفضاتهم هنا لإمتلأ بئر الملتقى

      أشكرك أجزل الشكر
      التعديل الأخير تم بواسطة جلال داود; الساعة 31-03-2011, 07:30.

      تعليق

      • جلاديولس المنسي
        أديب وكاتب
        • 01-01-2010
        • 3432

        #4
        وما بين تلك المراحل والإفلات شعرة إن فطنها أحد الطرفين لتغير المسار وبعُد عن الإفلات وتجنب الندم ونعم بالحياة بصائب المواجهة الحكيمة

        تعليق

        • جلال داود
          نائب ملتقى فنون النثر
          • 06-02-2011
          • 3893

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة جلاديولس المنسي مشاهدة المشاركة
          وما بين تلك المراحل والإفلات شعرة إن فطنها أحد الطرفين لتغير المسار وبعُد عن الإفلات وتجنب الندم ونعم بالحياة بصائب المواجهة الحكيمة
          هذه الشعرة هي بيت قصيد الحياة
          بالفعل ما بين كل مرحلة و الإفلات من بين براثنها أو الإنزلاق من بين فرجاتها يكمن حل في ظاهره ضعف الشعرة و لكنه حل يضع علامة فارقة في مسيرة الإنسان
          مشكور على المرور

          تعليق

          • أروى عز الدين
            عضو الملتقى
            • 17-03-2011
            • 109

            #6
            هذه العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة
            تبقى تدور في متاهات؛ محاولة منها للعثور على طرف الخيط الذي يوصلها للبداية
            التي تحلم وتريد وتتمنى !
            وهي تدور هنا وتلف هناك تسقط منها كل الخيوط دون أن تعلم !!
            أستاذي الكريم : جلال داود
            استمتعت برحلة جد جميلة على متن قواربك الثلاث !
            وارتشفت فنجان قص بطعم الفلسفة !
            وأما نهاية الفقرة الآخيرة فما بعدها إلا السلامة !
            لله درك
            من أجمل النصوص التي قرأتها في هذا الباب الذي
            طرقته كثيرا ولم يفتح " لحد الآن " ( حتى أكون صادقة مع نفسي ) إلا اللحظة وهنا !
            [IMG]http://tsamoh.googlepages.com/ethbat1.gif[/IMG]

            تعليق

            • جلال داود
              نائب ملتقى فنون النثر
              • 06-02-2011
              • 3893

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة أروى عز الدين مشاهدة المشاركة
              هذه العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة
              تبقى تدور في متاهات؛ محاولة منها للعثور على طرف الخيط الذي يوصلها للبداية
              التي تحلم وتريد وتتمنى !
              وهي تدور هنا وتلف هناك تسقط منها كل الخيوط دون أن تعلم !!
              أستاذي الكريم : جلال داود
              استمتعت برحلة جد جميلة على متن قواربك الثلاث !
              وارتشفت فنجان قص بطعم الفلسفة !
              وأما نهاية الفقرة الآخيرة فما بعدها إلا السلامة !
              لله درك
              من أجمل النصوص التي قرأتها في هذا الباب الذي
              طرقته كثيرا ولم يفتح " لحد الآن " ( حتى أكون صادقة مع نفسي ) إلا اللحظة وهنا !
              أروى عزالدين

              سلام كبير و تحية

              أشكرك أيما شكر على كلماتك الطيبة
              سعيد بمرورك هنا

              دمتم
              التعديل الأخير تم بواسطة جلال داود; الساعة 21-04-2011, 07:05.

              تعليق

              • جلال داود
                نائب ملتقى فنون النثر
                • 06-02-2011
                • 3893

                #8
                الأستاذة الراقية أروى
                تحية طيبة و بعد

                عودة إلى مداخلتك العميقة :

                هذه العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة
                تبقى تدور في متاهات؛ محاولة منها للعثور على طرف الخيط الذي يوصلها للبداية

                التي تحلم وتريد وتتمنى !
                وهي تدور هنا وتلف هناك تسقط منها كل الخيوط دون أن تعلم !!


                العلاقة بين الرجل و المرأة تلتقي عند نقاط معينة إيجابا و تفترق عند أخرى سلبا، و لكن في الغالب الأعم نجد أن المرأة هي الأكثر تأثيرا على نقاط الإلتقاء. و لنا عودة في هذا الأمر بموضوع متشعب الجوانب

                تعليق

                يعمل...
                X