[align=center]تذكِرة سفر[/align]
[align=justify]
أربع ساعات إيابًا من القاهرة إلى مركز ديرب. كان فيها أقربَ إلى الجوِّ رغم متاعب الجلوس على المقاعد الجلدية في أكثر من سيارة؛ هي على كل حال فرصة أخرى من فرص الحياة تختلف عما يكون قبل وجود هذه الفرصة!
- حمد لله على السلامة يا جماعه! وصلنا!!
كان موقف السيارة في أول مدينة ديرب؛ يفصله عن موقف سيارات القرية مسافة خمس دقائق بسيارة متهالكة كان يحلو له أن يسمّيها بـ"سيارة الفعل المساعد" أو "السيارة المكسورة بشِدَّة"؛ فإن المسافة التي تقطعها سيارات السرفيس هذه عادة ما تكون مسافات صغيرة في وسط المدينة إلى درجة أن بعض الناس يفضلون المشي ويتخففون من مشكلات يوم الحشر في تلك السيارة، أويغفلون وجود سيارة الفعل المساعد أصلا.
الساعة السادسة مساءً، وأنوار المدينة تلبس طابعها الزاهي، فتثير أحاسيس كامنة غاية في السوء والمكبوت عند من لم يحصلوا بعدُ على تذكرة طائرة، وغاية في السياحة عند من رجعوا إلى ديرب ومعهم التذكرة.
- تركب يا أستاذ؟
زامنت كلمات سائق السيارة المساعدة رغبة دلال وتحدٍ يجرّبها للمرة الأولى ويده تلمس حقيبته اليدوية متصوّرة وجودية التذكرة، إنها مرحلة جديدة من الخلق.
ورقة مطبوعة أخرجها من "هيات تورز أف أمريكان" ش قصر النيل، قرأها ولم يعرف الكثير فيها، لكنه تذكر شهادة ميلاده.
فقدت الأرض جاذبيتها تمامًا، وعلاقتها الطينية الأولى بينها وبينه، ذكّرته بأيامه الأُوَلِ إذ كان يغوص في سواد ترابها الحزين وهو يمشي، ويشم خصوبة أريافها كلما نزل المطر كمحاولة تعارف.
إن كان حاول أن يجيب السائق فإن حقيبته -الزرقاء الكبيرة ذات العجلتين واليد التي تُخرَج فتُجر بها الحقيبة- كانت تفرض هيئتها المنتظَرة في أنحاء تفكيره وكأنه يسير في المطار. الحقيبة الزرقاء لها أرقام يشفّرها صاحبها لكي يمكنه أن يفتح الحقيبة دون غيره، ولكنه لم يشفّرها بعدُ؛ فلقد تركها مصفّرة كما كانت في محل بيع الحقائب منذ قليل! حتى الآن لم يفعل، وحتى الآن لم يكن في جوف الحقيبة إلا الهواء المتوحّد بإحساس هدية صغيرة تاهت في جنبات الحقيبة. والحقيبة خاليةٌ سحب يدها في خطوة سينمائية البطء كانت موسيقاها التصويرية هي نظرات نقاش هادئ بين عينيه وبين أنوار المدينة.
خطوته الأولى تفتح ذاكرة من الحنان الذاتي فيكتفي بنفسه، كما هي الخطوة الأولى دائمًا فاتحة لمستقبل ما، هكذا حدّثته أصداء النظرات المترددة بين عينيه وبنايات المدينة. نقطة ضوئيةما تصادفنا في محطات غير مرتب لها في الأغلب. وها هو توقيتها الأبويّ يريه بعطف بالغ إضافاتٍ حيويّة جادةً تمكنه من التفكير في مسائل غير اعتيادية.
لم يتذكر أيام الأرض الأولى، أو تذكرها ولم يحاول الاندماج فيها، ولا الاندماج في صوت السائق الذي تحول بفعل تذكرة الطائرة إلى موسيقى حلم لذيذ كما تتحول أصوات ساعات المنبه وقت النوم في حراسة الحلم!
في عودته هذه لم يكن مصريًّا تمامًا، بل نزل إلى ديرب سائحًا. استرجع صورة جسده الأول وهو يسير في الطريق نفسه باتجاه معاكس لاتجاهه الآن:
كان يكتب على الأرض خطواته المصرية المعتادة، وكانت الأرض تقرؤها في نهم، يغرز سنّه فيها محاولاً التأثير، وكانت معبّدة بأسفلت الطرق المدينية الصلبة.
- "سبحان الله" مرت على أوتار أفكاره كنغمة خفيفة جدًا، لم تصل إلى درجة النطق باللسان، فهو الآن يسترجع هويّته الأولى قبل خلق الجسد كما وصفها مصطفى محمود؛ تأكّد أن هويته كانت دمشقيّة تمامًا، والجسد خلق هنا في ديرب.
تذكر شهادة ميلاده التي أخرجها مؤخرًا من السجل المديني في ديرب، في الدقيقة نفسها التي فرد يده بحركة داخليةحاضنًا مكان التذكرة.
تعبت الأرض من محاولة العثور على معجمات تشرح لها معاني قدميه، وكلمات خطواته؛ فسلّمت أنه ليس هو! وأنها الآن فقدت سيطرتها التامة على ذلك الجسد الذي رجع بهوية جديدة يحمل تذكرة سفر إلى...
لم يكن لديه أي إثبات لهويته الدمشقية إلا اعتراف الأرض وهالات التذكرة - التي تدور كضحكة أليس في أرجاء المكان- وصوت أبيه الدمشقي وهو يقول له "بابا الغالي، أنت ابني بشقلك وبقلك مهما كان".
[align=center]***[/align]
- "وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً".
- "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم* ثم رددناه أسفل سافلين".
- اللاشعور يبدأ أولى مهامه في أول لقاء بينهما: الجسد (الشيء) والهوية (الروح- الفطرة) إنها فترة تواجه فيها الروح بكل فطريتها جسداً مخلوقًا من مفردات الغيطان لم يتم ترويضه: أول لقاء بينهما هي لم تعرف مداخله، وهو لا يعرف لغة يعبّر بها عن احتياجاته التي تنتجها كيميائيّة جسده".
[align=center]***[/align]
- نعم، لقد فقدت هويتي ذاكرتها الدمشقية!
- ولكنها الآن تعود على مهل! أتذكر الآن أبي على الأقل وبعض أفراد العائلة!!!
- ربما أذكر مكانا آخر أزوره مع أبي في سوريا إذا كان أثريًّا فيما قبل التاريخ أو تعرفني حبة رمل رأت هويتي هناك من قبل! ربما..!!
- نعم، ذاكرتي الطفولية حديدية، لكنني لم أكن أذكر ما قبل الجسد أو ما يمكن أن نقول فيه إنه ما قبل اللاشعور!! الآن بدأت أحس بصوره الموسيقية وهو يعبر بي في رحلته المقدرة..
[align=center][align=center]...................
...............
.........
....
..
.[/align][/align]
- ينبغي لي ألا أتوقف، معي كل الأوراق اللازمة للعودة إلى موطني الأول.. معي تذكرة سفر إلى بيت أبي في سوريا.. [/align]
[align=justify]
أربع ساعات إيابًا من القاهرة إلى مركز ديرب. كان فيها أقربَ إلى الجوِّ رغم متاعب الجلوس على المقاعد الجلدية في أكثر من سيارة؛ هي على كل حال فرصة أخرى من فرص الحياة تختلف عما يكون قبل وجود هذه الفرصة!
- حمد لله على السلامة يا جماعه! وصلنا!!
كان موقف السيارة في أول مدينة ديرب؛ يفصله عن موقف سيارات القرية مسافة خمس دقائق بسيارة متهالكة كان يحلو له أن يسمّيها بـ"سيارة الفعل المساعد" أو "السيارة المكسورة بشِدَّة"؛ فإن المسافة التي تقطعها سيارات السرفيس هذه عادة ما تكون مسافات صغيرة في وسط المدينة إلى درجة أن بعض الناس يفضلون المشي ويتخففون من مشكلات يوم الحشر في تلك السيارة، أويغفلون وجود سيارة الفعل المساعد أصلا.
الساعة السادسة مساءً، وأنوار المدينة تلبس طابعها الزاهي، فتثير أحاسيس كامنة غاية في السوء والمكبوت عند من لم يحصلوا بعدُ على تذكرة طائرة، وغاية في السياحة عند من رجعوا إلى ديرب ومعهم التذكرة.
- تركب يا أستاذ؟
زامنت كلمات سائق السيارة المساعدة رغبة دلال وتحدٍ يجرّبها للمرة الأولى ويده تلمس حقيبته اليدوية متصوّرة وجودية التذكرة، إنها مرحلة جديدة من الخلق.
ورقة مطبوعة أخرجها من "هيات تورز أف أمريكان" ش قصر النيل، قرأها ولم يعرف الكثير فيها، لكنه تذكر شهادة ميلاده.
فقدت الأرض جاذبيتها تمامًا، وعلاقتها الطينية الأولى بينها وبينه، ذكّرته بأيامه الأُوَلِ إذ كان يغوص في سواد ترابها الحزين وهو يمشي، ويشم خصوبة أريافها كلما نزل المطر كمحاولة تعارف.
إن كان حاول أن يجيب السائق فإن حقيبته -الزرقاء الكبيرة ذات العجلتين واليد التي تُخرَج فتُجر بها الحقيبة- كانت تفرض هيئتها المنتظَرة في أنحاء تفكيره وكأنه يسير في المطار. الحقيبة الزرقاء لها أرقام يشفّرها صاحبها لكي يمكنه أن يفتح الحقيبة دون غيره، ولكنه لم يشفّرها بعدُ؛ فلقد تركها مصفّرة كما كانت في محل بيع الحقائب منذ قليل! حتى الآن لم يفعل، وحتى الآن لم يكن في جوف الحقيبة إلا الهواء المتوحّد بإحساس هدية صغيرة تاهت في جنبات الحقيبة. والحقيبة خاليةٌ سحب يدها في خطوة سينمائية البطء كانت موسيقاها التصويرية هي نظرات نقاش هادئ بين عينيه وبين أنوار المدينة.
خطوته الأولى تفتح ذاكرة من الحنان الذاتي فيكتفي بنفسه، كما هي الخطوة الأولى دائمًا فاتحة لمستقبل ما، هكذا حدّثته أصداء النظرات المترددة بين عينيه وبنايات المدينة. نقطة ضوئيةما تصادفنا في محطات غير مرتب لها في الأغلب. وها هو توقيتها الأبويّ يريه بعطف بالغ إضافاتٍ حيويّة جادةً تمكنه من التفكير في مسائل غير اعتيادية.
لم يتذكر أيام الأرض الأولى، أو تذكرها ولم يحاول الاندماج فيها، ولا الاندماج في صوت السائق الذي تحول بفعل تذكرة الطائرة إلى موسيقى حلم لذيذ كما تتحول أصوات ساعات المنبه وقت النوم في حراسة الحلم!
في عودته هذه لم يكن مصريًّا تمامًا، بل نزل إلى ديرب سائحًا. استرجع صورة جسده الأول وهو يسير في الطريق نفسه باتجاه معاكس لاتجاهه الآن:
كان يكتب على الأرض خطواته المصرية المعتادة، وكانت الأرض تقرؤها في نهم، يغرز سنّه فيها محاولاً التأثير، وكانت معبّدة بأسفلت الطرق المدينية الصلبة.
- "سبحان الله" مرت على أوتار أفكاره كنغمة خفيفة جدًا، لم تصل إلى درجة النطق باللسان، فهو الآن يسترجع هويّته الأولى قبل خلق الجسد كما وصفها مصطفى محمود؛ تأكّد أن هويته كانت دمشقيّة تمامًا، والجسد خلق هنا في ديرب.
تذكر شهادة ميلاده التي أخرجها مؤخرًا من السجل المديني في ديرب، في الدقيقة نفسها التي فرد يده بحركة داخليةحاضنًا مكان التذكرة.
تعبت الأرض من محاولة العثور على معجمات تشرح لها معاني قدميه، وكلمات خطواته؛ فسلّمت أنه ليس هو! وأنها الآن فقدت سيطرتها التامة على ذلك الجسد الذي رجع بهوية جديدة يحمل تذكرة سفر إلى...
لم يكن لديه أي إثبات لهويته الدمشقية إلا اعتراف الأرض وهالات التذكرة - التي تدور كضحكة أليس في أرجاء المكان- وصوت أبيه الدمشقي وهو يقول له "بابا الغالي، أنت ابني بشقلك وبقلك مهما كان".
[align=center]***[/align]
- "وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً".
- "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم* ثم رددناه أسفل سافلين".
- اللاشعور يبدأ أولى مهامه في أول لقاء بينهما: الجسد (الشيء) والهوية (الروح- الفطرة) إنها فترة تواجه فيها الروح بكل فطريتها جسداً مخلوقًا من مفردات الغيطان لم يتم ترويضه: أول لقاء بينهما هي لم تعرف مداخله، وهو لا يعرف لغة يعبّر بها عن احتياجاته التي تنتجها كيميائيّة جسده".
[align=center]***[/align]
- نعم، لقد فقدت هويتي ذاكرتها الدمشقية!
- ولكنها الآن تعود على مهل! أتذكر الآن أبي على الأقل وبعض أفراد العائلة!!!
- ربما أذكر مكانا آخر أزوره مع أبي في سوريا إذا كان أثريًّا فيما قبل التاريخ أو تعرفني حبة رمل رأت هويتي هناك من قبل! ربما..!!
- نعم، ذاكرتي الطفولية حديدية، لكنني لم أكن أذكر ما قبل الجسد أو ما يمكن أن نقول فيه إنه ما قبل اللاشعور!! الآن بدأت أحس بصوره الموسيقية وهو يعبر بي في رحلته المقدرة..
[align=center][align=center]...................
...............
.........
....
..
.[/align][/align]
- ينبغي لي ألا أتوقف، معي كل الأوراق اللازمة للعودة إلى موطني الأول.. معي تذكرة سفر إلى بيت أبي في سوريا.. [/align]
تعليق