ليلة اخرى..!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جوتيار تمر
    شاعر وناقد
    • 24-06-2007
    • 1374

    ليلة اخرى..!

    ليلة آخرى..!
    هدوء فظيع .. يخيم على أجواء الغرفة ، وظلام أشبه ما يكون بظلام مغارة... حيث فيها الهدوء ليس إلا كبت لجماح رغبات وأماني ليس لها إلا البقاء تحت سقف ظلامها وبين جدرانها الرطبة ، يتوسط الغرفة فراش قد تناثرت عليه قصاصات من الورق ، على كل قصاصة منها كلمة تحمل في طياتها ألم طفل جائع لا يجد من يُرضعه.. ليُطفىء نيران الجوع في أعماقه، وبين تلك القصاصات قد تمددت هي، دون أن تدرك بأنها ما أن تلامس النور أطراف فراشها حتى تكون تلك القصاصات بكلماتها أشبه بسكاكين تقطع بجسدها الطري كما اللبوة الجائعة تنهش جسد فريستها دون أن تميز بين جسد الظبية والتمساح.
    تقترب الساعة من الثالثة بعد منتصف الليل، وهي لم تزل تأمل أن تنام لترتاح من عناء وتعب لطالما أرهقا لياليها.. لكن دون جدوى تحاول .. فوخزات القصاصات لا تدعها تثبت على جانب ، تتقلب ، تتنهد، تخاطب نفسها وتتساءل ما بالكِ..لا تغفين.. ؟ ألستِ تعبة جراء ساعات من الكتابة والتمزيق..؟ ثم ما تلبث أن تعود لهدوئها.. وفجأة تمد يدها لتبحث عن الإنارة.. تشعلها.. تقول لنفسها علي أن لا أنام.. تنهض من فراشها، تقف أمام مرآة هشة صامتة.. تخاطب صورة في المرآة تظن بأنها صورتها، أحبه.. نعم لم أحب احداً مثله.. هو فقط من لا أقدر على أن لا أحبه.. اكره ما دونه لا أطيق رؤية سواه.. فقد كان وحده الذي يستحق أن أحبه بهذا العنف، وصار فيما بعد الوحيد الذي سأظل أحبه بهذا الجنون، لكن ما باله يعاند حبي له..؟ تلتفت وراءها.. تمد يدها إلى حقيبتها .. تفتحها.. تخرج صورته.. تضمها لصدرها.. ما أروعه من إنسان .. أي هدوء وحزن هذا الذي تحمله في عينيك..؟ أي ألم هذا الذي تخفيه وراء ابتسامتك..؟
    تعود للمرآة.. وتخاطب تلك الصورة التي تظن بأنها صورتها.. انظري إليه هذا الذي بين أحضاني.. آه إنكِ لا ترينه لأني أكاد أخنقه من شدة لوعتي به.. تمسك بأصابعها الرقيقة أطراف الصورة وتضعها أمام المرآة وتقول للصورة التي لم تزل تظن بأنها صورتها هذا هو.. انظري إليه.. انظري إلى عينه.. هنا في ماوراءها تكمن مملكة بؤسي ووحدتي .. ويستمر عذابي المبهم بصمته.. هل تدركين معنى أن يستمر عذاب أنثى بصمت..؟ لكن ما دهاك أنتِ الأخرى صامتة..؟ لماذا تصرين على أن تكوني مجرد ظل لحركاتي..؟ هل أنت أيضاً خائفة من أن يستمر عذابي هكذا..؟ فأظل أثقل عليك وأنتشلك في كل ليلة من عتمة فيها راحتك ،وباستمرارها نهايتي عتمة مأساوية السواد.. تتحدى في كل ثوانيها رغبات وأمنيات أنثى أهملتها الأقدار كإله تائة عن سرب الآلهة.. يهاجر من سماء إلى آخرى لاهثاً وراء موكب وهمي ليس إلا ظل موكب، لا تفزعي هكذا.. فقدركما أن تعيشا معي هنا بين جدران غرفتي الصماء هذه وقدري أن لا أسمع منكما سوى الصمت.. وكأني لن أقدر إلا أن أمنحكما مع الصمت الحب..!
    أعلم يا .... لكن ما اسمكِ ..؟ منذ سنوات طويلة وأنتِ تعيشين معي هنا.. وفي كل ليلة ألتقيكِ.. ولم أتذكر ليلة أن أسالكِ عن اسمك هل لك اسم..؟ بماذا أناديك..؟
    انتظري قليلاً لا تقولي لي عن اسمك .. دعيني بحدس الأنثى أحزر.. لعل اسمك وسن.. أو ميساء.. لا .. لا.. أظنه مريم .. نعم أعتقد بأنه مريم..!
    الظلام لم يزل يغطي مادون غرفتها .. وألحان الرياح الشتوية عندما تلامس أغصان الورود تبعث ألحانا خافتة .. نازفة.. حزينة تتسلل بهدوء وحذر إلى زوايا غرفتها.. تسترخي قليلاً بعد حوارها اللامجدي .. تعود لفراشها.. تضع الصورة في حقيبتها.. لكنها ما تلبث أن تخرجه ثانية تخاطبه.. أ تعلم يا من لم أحب أحداً مثله بهذا الجنون..؟
    بأنني أستطيع أن لا أبصر أي شي الا أنت .. وأنني أستطيع أن لا أنزف لأي شيء إلا لبعدك.. وأستطيع أن لا أكتب عن أي شيء إلا عنك أنت.. وأنني أستطيع أن لا أموت.. وأن أعاند السماء وأقاوم الاقدار .. لكني لا أستطيع لحظة أن أعيش دون أن أردد اسمك مع ذاتي كما تردد أية راهبة فجيعة الخطيئة مع نفسها.. وأستطيع ان أمحو كل الوجوه أمام عيني لكني لا استطيع لحظة ان أجد لوجهك الذي يجذبني كل لحظة إلى غموض كهوفك بديلاً.. وملاذاً غير أحضاني.. وجهك جرح نازف أظل أعاني من رتابته وحزنه رغم الأعاصير التي أخلقها وأقذفها لتفادي رؤيته.. وجهك لوحة سريا لية أظل أعاني من معيته رغم عبثي المستمر .. اللامنتهي بالالوان التي تئن أنيناً خافتاً بين يدي.. أنت .. دون وجهك كل شيء فيك.. حتى سأمك..ورفضك..وتمردك..وخضوعك..كل شيء فيك يحاصرني ويثير في رغبة ملحة إلى البكاء.. وكأني أستطيع ان أكون كل شيء.. في كل مكان وزمان.. لكن ليس بدونك ، ومارغبتي للبكاء الآن إلا لأنك دون كل شيء تستحق أن تدمع عيني فيك... لا تظن بدموعي.. إنما هي كالصلاة أقدمها أنا التائهة أمام وجهك .. وقد لا تدرك مأساتي هذه.. قد لا تشعر بمعاناتي التي لاتنتهي.. قد لا تهتم بما يحصل لي عندما أبصر من حولي وجوها تتطلع بلهفة إلي.. فكل وجه يلاحقني يعذبني.. يقتل البسمة في.. ليس لشيء.. فقط لانه ليس وجهك..!
    الظلام.. ظلام الليل.. الذي ليس له نهاية لم يزل يحاط بكل شيء.. الوقت قد تجاوز الرابعة والنصف.. وقد لاحت تباشير الفجر وهاهي تسمع أصواتا تخرق جدران غرفتها وتؤلمها.. كأنها حشرجة احتضار كائنات لامرئية.. وعويل رغبات تسير نحو الهاوية.. و هاهي قد لاذت لبعض الوقت بالصمت.. صمت مفجع.. صمت رهيب .. صمت طفل لم يوقف بكاءه ونواحه الجوع والملل .. إنما صمت أخرسه الألم..!
    مازالت الصورة في يدها.. فجأة تشعر بإرهاق.. تعيد الصورة إلى حقيبتها.. تحاول أن تنظر إلى المرآة.. ترى صورة.. لعلها هذه المرة قد أيقنت أكثر من كل مرة سابقة بأنها صورتها.. تبتسم تحاول أن تعود .. تبحث عن الإنارة.. تطفئها..تجد شريطا من الومضات على جدران غرفتها تنظر إليها تتمتم إنها أضواء السيارات والمحلات وجدراني أعتادت على سرقتها... تحشر رأسها تحت غطائها.. تتمنى لو تغمض قليلاً عينيها.. لكن ما هذه الاسئلة التي تتقاذف إلى ذهنها..؟ همساته الأخيرة.. الجارحة تهدر في كيانها.. تعود .. لتخاطب نفسها..إلى متى سأظل أعاني من حبك..؟ إلى متى سأظل أعاني من سأمك المتمرد الذي أراه في كل لحظة يتناثر جمرات حارقة بين أضلعي..؟
    كيف لي أن أهرب منك..؟ كم اتمنى لو أستطيع على الأقل الآن في وحدتي هذه أن اهرب منك.. فأنت لا تعلم ماذا تفعل بي جمراتك الآن.. لكن هل أقدر ان أهرب منك؟ كيف وأنا أقدر على كل شيء ليس فيه أنت..؟ أهرب عنك.. أنا... أهرب .. كأنه توقي لأن أخرج من بين جدران غرفتي هذه إليك..؟ لكن أين أنت الآن..؟ صوتك يهدر الآن هنا بين جدران غرفتي هذه.. وكأن صداه يلح علي الخروج إليك.. صوتك.. كم أحب سماع أنينه.. كم أحب لو أن أنفيه إلى أعماقي فلا أدع غيري يسمعه.. كم أتمنى ان ازيح كل الحواجز بين صوتك.. وصدري .. كم أتمنى أن أعصره.. انزفه في رئتي.. صوتك.. أنت.. نفسك التي أشتاق أنا لهدوئها أجدها دائماً تشعر وكأنها غريبة في مدني اللاهثة إلى اعتناقها.. وكأنك أنت غريب أينما تمضي.. غريب في نفسك في صمتك .. في تمردك .. غريب حتى في مدينتك.. بل غريب في وجودك.. لماذا.. الغربة هذه تسكنك..؟ تسكن كل ما هو منك..! ألا تقدر أن تجيب حتى عن هذه..؟ أتدعني إلى الأبد أظل هكذا .. معتكفة أمام أبواب أسئلة لا أجد لصداها.. لأنينها جواباً..؟ أترتاح لرؤية سجودي البدائي الخاشع أبداً أمام غربتك...؟ أتعلم بأن الألم استبد بي ولم أعد قادرة على مواصلة السهر في كل ليلة أخاطب فيها ظلك..؟ الوهن أصابني.. وهدرت كل قواي في الهرب إليك.. أكاد أشعر بوخزات الألم.. المرض.. تذيق جسدي الطري أبشع اللعنات.. هل سأشفى منك يوماً.. أم سيظل مرضي الوحيد هو أني أرفض أن أشفى منك..؟
    حاولت أن أتضرع .. أصلي.. أقدم قرابيني.. ونثرت تحت أقدام الآلهة.. كل رغباتي.. وعلقت الورود أمام أبوابها.. وجعلت رائحة البخور تخرق سمائها.. فعلت كل ما يمكن ان تفعله قديسة.. وقدمت كل ما يمكن ان تقدمه ناسكة.. علني برضاها أخضعك.. أجعلك بمشيئتها تحتاج الي وتأتي..لكني لم أجني منها سوى أنها ذكرتني بغربتك..لأنها مثلك تشعر بالغربة بين مخلوقات تجهل رغباتها فعدت من جديد أبحر في بحر غرابتك.. ولكني هذه المرة عاتبت الآلهة.. لأنها منعت عني الرياح.. فلم أعد أرفع أشرعتي ما دامت الرياح لن تهب، حتى صلواتي.. قرابيني.. لم أعد أقدمها.. فلمن أقدمها مادامت الآلهة ماتت .. ألم تمت..؟ فلماذا إذاً لا تقبل تضرعي ..؟ لماذا لا تعيدك إلى واحتي التي تكاد تجف لبعدك..؟
    الظلام.. ظلام الليل يكاد يتلاشى.. الغسق بدأ ينشر تباشيره.. إشراقة ضعيفة تخرق ستائر الغرفة .. تلامس أطراف فراشها.. تحاول أن تخرج رأسها من تحت الغطاء.. تبصر الإشراقة.. وتفجع لقصاصات الورق التي لم تزل متناثرة على فراشها.. تحاول أن تتحسس جسدها... كأنها شعرت بوخزاتها .. تدرك حجم الجراح التي تركتها القصاصات.. تحاول أن تنهض من فراشها.. رغبة في أعماقها تقاوم نهوضها.. لكنها تهمس بصوت حزين ليلة أخرى انقضى ظلامها وأنا ابحث عن طريق أهرب عليه إليك.
    8-5-2004
  • حياة سرور
    أديب وكاتب
    • 16-02-2008
    • 2102

    #2
    [align=center]


    غطرسة قلم [[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]تحتويه الأبجديه[/grade]]

    ليلة أخرى مجرد احتيال راقصة بارعة [[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]حدالانطفاء[/grade]]..!

    أستاذي ومبدعي القاص .... جوتيار تمر

    وأنا أقرأ النص كنت في كل مرة أرى فيه جديداً يغريني بالمتابعة ، للوصول

    إلى تفاصيل الأحداث ، وجعلني أعيش حياة البطلة ..

    حرفك كـ جذر العوسج

    شاسعه غابات[ ليلتك ]

    حرفـ ك شلال هادر لمن يحسه ويمسه ..!.

    مهارة وحرفية وتفنن في سرد القصص ,

    موهبة ربانية أفاض الـلـه عليك بها ,

    سلم يراعك

    بصمة إعجاب وحضور من [grade="FF4500 4B0082 0000FF 000000 F4A460"]حيـــ سرورــــاة[/grade]

    [/align]


    تعليق

    • منى كمال
      أديب وكاتب
      • 22-06-2007
      • 1829

      #3
      جوتيار قصة معاناة ليلية رسمت بأقتدار

      سرد جميل للتفاصيل يجعلنا متابعين دون ملل

      كنت هنا أتأمل

      مودتى وتقديرى

      منى كمال

      مدونتى

      تعليق

      • جوتيار تمر
        شاعر وناقد
        • 24-06-2007
        • 1374

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة همسات الروح مشاهدة المشاركة
        [align=center]


        غطرسة قلم [[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]تحتويه الأبجديه[/grade]]

        ليلة أخرى مجرد احتيال راقصة بارعة [[grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]حدالانطفاء[/grade]]..!

        أستاذي ومبدعي القاص .... جوتيار تمر

        وأنا أقرأ النص كنت في كل مرة أرى فيه جديداً يغريني بالمتابعة ، للوصول

        إلى تفاصيل الأحداث ، وجعلني أعيش حياة البطلة ..

        حرفك كـ جذر العوسج

        شاسعه غابات[ ليلتك ]

        حرفـ ك شلال هادر لمن يحسه ويمسه ..!.

        مهارة وحرفية وتفنن في سرد القصص ,

        موهبة ربانية أفاض الـلـه عليك بها ,

        سلم يراعك

        بصمة إعجاب وحضور من [grade="FF4500 4B0082 0000FF 000000 F4A460"]حيـــ سرورــــاة[/grade]

        [/align]

        همسات الروح...

        شكرا لك مرورك العبق الكريم على النص ، وشكرا لطيب كلماتك وروعتها.

        محبتي
        جوتيار

        تعليق

        • جوتيار تمر
          شاعر وناقد
          • 24-06-2007
          • 1374

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة منى كمال مشاهدة المشاركة
          جوتيار قصة معاناة ليلية رسمت بأقتدار

          سرد جميل للتفاصيل يجعلنا متابعين دون ملل

          كنت هنا أتأمل

          مودتى وتقديرى

          منى كمال

          العزيزة منى...

          مرور عبق وجميل فشكرا لحضورك البهي

          محبتي
          جوتيار

          تعليق

          يعمل...
          X