أسر اليمام ....
1
يوم القصف لم تطل القذائف سوى الخوف، قتلته، أبادتنه .. وربما أصيبت القلاع بشظية.2
في الصبح خرج الأهالي يلملمون ما سقط من الزيتون، يحصدون حصيلة مواسم القصف ، أصبح الأمر عادة يومية بعد أن آمنوا أنهم حبات زيتون بعضها نضج ، والآخر في الطريق !3
"سنبلة" كانت كعادتها مشغولة بقلمها ، تجمع أنهار الزيت في محبرتها ، وتستعد لموسم الزرع .. وإذا بأيدي غاصبة تقطفها ، عن حقلها تسلخها ، وتصهل خيول الخيبة ."سنبلة وقعت أسيرة ... سنبلة وقعت أسيرة" ..
4
في غرفة التعذيب كانت تتبع آثارا مرّت من هناك، تاركة توقيعها بالدم "أنا العربي.. أنا الأرض والكرامة " . شعرت بهم، انصهرت بأرواحهم وهيّأت نفسها لتحمل القلم ...
أتى ضابط في المرحلة الأكثر توحشا من عمره ، نبتت كل أنيابه ومخالبه ، دبّ نحوها وصدى أنفاسه يتردد في تلك المغارة ، وظنّ أنها فريسة سهلة !
يتأمل جسدها الهزيل بعيون تفرز حقدا شرارة تلوَ شرارة، مترقبا رؤية ارتعاشات تهزّ كيانها ، فيفاجأ بجبل صخريّ أمامه !
انتقل نظره إلى تلك اليد التي كتبتهم كثيرا، رسمت ملامحهم البشعة، أسقطت عن وجوهم الأقنعة، كشفت عن بعض جرائمهم،.كم قاتلتهم بقلم عربي الهوية ؛ فوحدها الكلمة هي الرصاصةالقادرة على قتل شعب بأكمله !
إنها اليد التي لاحقوها كثيرا ... وهربوا منها أكثر ..
كعادتها قرأت ما يدور في باله فأردفت مبتسمة:
"تقدر أن تبترني ، أن تخمد نبضي، لكنكم لم تخترعوا بعد مشنقة للحروف ، ولا وجدتم إلى موتها سبيلا "
هرب ثانية وتوارى خلف البوابة الحديدية.
5
كانت سنبلة قضية السجان وشغله الشاغل . سألته في ذلك اليوم:"لم لا تقاتلني بسلاحي.. سلاح الكلام ..؟
تخال أصفادكم أنها قد تأسر الظلال!
حبالكم لن تكون أبدا على مقاس عنق اليمام !
لن يكون صمتكم ممحاة ؛ فحبري نهر جاري، إذا وقفت في وجهه سدود ، كان قلمي فأسا ومدفعية ، وسطري نارا وجليدا ،فلا تتعبوا أنفسكم في صنع الأسلحة، لن تغتالوا وطنا في الذاكرة، لن ترتكبوا بين القبور مجزرة .يخرج الأموات في كل مساء أشباحا، من أسرّتكم يجلبون طعامهم وحلواهم ، وعلى أغاني ذعركم يرقصون !
لا تشيدوا الجدران ، فإن سجن قصيدة مهزلة ، والجلد بالسوط هزيمة ... فانهالوا على هذا الجسد بالضربات ما استطعتم ،
أريد أن أسجّل لانتصاري رقما قياسيا جديدا، فجّروا الدماء من عيون جسدي، إن أرضي لعطشى ، جفّ ريق بلادي ،وحان دوري أن أسقيها كما سقتني سنين ، من بقايانا تتناسل أشجار الزيتون، تكبر فتجلدكم أغصانها"
6
خاطبته كثيرا ، ولكن السجان لا يردّ بشفتيه ،نطقه يعتمد على يديه وقدميه، ولغته أبجديتها الأسلاك والكهرباء وظلام الزنزانة. أيام من التعذيب مرت ببطء . ولما كان الجلادينهكه التعب، كان يلقيها لسوط الوحدة ، تلتقط حبات قمح كانت تنثرها لها يد الظلام ،تحاكي جراحها، تئن مع صمت الليل ، وتناجي نسيما خلف الجدار أن يحملها بعيدا.
من خلف الجدار ذات مساء همس لها صوت :
- من أنت؟
-أنا حبيبك .. هل نسيتني؟
أجابت بصوت مخنوقةأنفاسه :
-ما زرت النسيان يوما ؛ ليرد لي الزيارة ، وما كان اسمك مجرد كلمة في بطاقة! فكيف أعبر حدودك هاربة .. يا حبيبا غرس في حقولي سنابله ، أودع عينيّ سماء هوبرقه! ، نثر في أرضي قمحه ، شمسه، ترابه وعطره ، ثم عجنها ليغدو لحمي ودمي خبزا .
آه يا حبيبي
أما عرفت أن الخبز الشهي ، تأتي الطيور من كل بقاع الأرض لتنهشه!
ولن يكون كما أردته وجنة تُقبِل عليها الدوري كل صباح بقُبلة
وحلقت الصقور حولنا
وتلك النسور مترقبة
حتى الحمام أخذ لنفسه
من غصون الغدر زاوية!
وانقضّ عليّ منقار جائر
حملني وحلقّ
فسقط غصن الزيتون من فمي.
-لا تخافي سقط بأيد أمينة!
-وكيف أهلي ؟والحقل؟ والسنديانة الكبيرة؟
-يرسلون إليك القُبل والأشواق ..
-القُبل المسافرة يفقدها الطريق شيئا من لونها
ودموع الأهل تنطلق نحوي رصاصة ووردة!
7
مرت سنون .. ما أطول طريق الاحتضار، تعبّده جمرات الحنين ..! على شباكها كان يقف يوميا، تشكو له أمرها وتشاركه حيرتها وتردد:
-أنا السجينة، أنا المحاصرة خلف الجدران المظلمة، أنا المحاكمة بتهمة لا أعرفها، أهو جرم أن أحب؟
-لا ليس جرما ، أجابها مبتسما
-إذا لماذا نهرّب مشاعرنا من حاجزإلى حاجز ، وكأنها مخدرات أو ممنوعات أو قنابل ذرية ..؟
وها أنا أخفي تحت ملابسي ، تحت جلدي، حقولك، وإذا ما ترعرت فيها السنابل، فُضح أمري وتكاتفت حولي أسواط الجلادين ، وبيانات المجالس الدولية المنددة بالإرهاب، تطالب بقطع سنابلي،واقتلاع أظفاري واستئصال شراييني ...
ما أردت سوى أن أحيك من التراب فستانا لأزف به جسدا عاشقا،متوحدا مع الأرض،ووسط الاحتفال، من بين طلقات الفرح خرجت طلقات غادرة، حولت عُرس سطوري إلى مأتم ، ومزّقت الفستان وجسدي...
هكذا صارت حياتي ، أحمل على كتفي زادا من الذكريات ورغيفا أسودا وأتنقل بين معتقل العدو ومعتقل الذاكرة!
أناجي طيور الأيام الجميلة أن تحط على غصون وحدتي، وأرسم صورة الشمس بنزفي كي لا تنسى مثل حروف اسمي !"
ثم أخذت تكتب على الجدران مزيدا من القصائدوالأشعار ، فسمعت تمتمات تسخر منها وتقهقه :
"أيتها الجدران أتهزئين بي؟ وتقولين قبلك درويش مات، والأكفان التي تحمل وجهه بالمئات ؟!
لا لم يمت درويش، لم تغطِّ تلك الوجوه أيةأكفان.. القصيدة نشيد الخلاص ، ملح رغم نيرانه يداوي الجراح، أو يفكّ الخيوط عن ثغرها ، الآه حين يحبسها الجسد كمرض السرطان، فدعيني أخرج هذه الثعابين من أوكاري،دعيني أرقص على نغمة الناي، إن الرقص عند الموت انتشاء، ودعيني أتمايل فأتفادى رصاصات الانكسار.. سأمسك بيد الحرف وأدور كالصوفيين إلى أن تتلاشى من قربي الأسواروتحضر السماء بموكب من الكواكب والأقمار، ومعها أمي وأبي ونسائم القرية والظلال"
تقف ، تدور... وتدور. شيئا فشيئا ترتفع قدماها عن الأرض ، تبتعد الجدران .
المكان صار بلون الريح، السقف صار أزرقَ ...
وإذا بباب يفتح ويدخل سجان، في قبضته صفعة لوجنة الحلم، ومقصا لأجنحته.
عادت الجدران إلى موقعها ..خلع السقف عنه قناع السماء ..... ولكن بعد فوات الأوان .
8
حلقت سنبلة ، طارت بعيدا ، جابت السماء راقصة، عانقت النجوم، وهناك على غصن قريتها حطّت مع حبات الزيتون التي نضجت، سعيدة كانت، مشرقة كانت، حتى ظنّ الناس أن الشمس في الليل سطعت، واعتقد البعض أن القيامة قامت، ومنهم من بشّر بولادة الأسطورة.
هناك فنيق ضوء انبعث من جديد، فخرج الرحيق أسرابا من أعشاش الزهور، وعطرُ الليل صارت أحاديثه في كل البيوت. شعور غامض سكن الجميع فراحوا ينصتون لكلام الليل الساكن، وشعروا أنهم يفهمون .. ولا يفهمون .. إنها ليلة غريبة بلا شك!
حلقت سنبلة ، طارت بعيدا ، جابت السماء راقصة، عانقت النجوم، وهناك على غصن قريتها حطّت مع حبات الزيتون التي نضجت، سعيدة كانت، مشرقة كانت، حتى ظنّ الناس أن الشمس في الليل سطعت، واعتقد البعض أن القيامة قامت، ومنهم من بشّر بولادة الأسطورة.
هناك فنيق ضوء انبعث من جديد، فخرج الرحيق أسرابا من أعشاش الزهور، وعطرُ الليل صارت أحاديثه في كل البيوت. شعور غامض سكن الجميع فراحوا ينصتون لكلام الليل الساكن، وشعروا أنهم يفهمون .. ولا يفهمون .. إنها ليلة غريبة بلا شك!
9
وجد السجان جسد سنبلة ممددا على الأرض بهدوء،رفسها بقدمه فرحا وحزنا، فهو لم يأخذ منها أي اعترافات . اقترب ليجرها خارجا، لكن خوفا اعتراه، لأول مرة ترعبه جثة، نظر إلى يدها فرآها منتصبة كأنها فوق ورقة تحمل قلما وتستعد للكتابة .وإذا بصوت حاد يخرج من أفواه الفراغ:
-من هناك؟ تساءل مذعورا
-أنا القصيدة
-ونحن الـ ...... .. قالها بعد أن استعاد قواه التي خارت ..
- تمزقت فوق أجسادكم ثياب الحضارة، اصرخواكما شئتم، مزقوا حناجركم،فليعلو عويلكم وفق الأوزان الخليلية بروي واحد وقافية واحدة،أو فليكن حداثويا يتكلم باسم الإنسانية ،لن يكون سوى ثرثرة في الحاشية....وليمة أمطار قادمة ...ففي الخارج سماء هائجة.
10
في الداخل قصيدة خالدة... وسوط ألقي في الزاوية،هالك الجسد أنفاسه متقطعة ، يحرضه حقد،
تحييه أنياب جائعة.... لكن لم يعد للأمر أي أهمية...
فما عاد الوجع سوى صرخة عابرة".
بحّ صوت السجان مع أنه لم يتكلم، طوال عمره لم يتكلم،ومع أنه كذّب كلام القصيدة إلا أنه حمل مظلة ،
وزرع الغرقد على سطوره في الحاشية.
وهبط المساء ، فخرج الأموات والشهداء وجمعوا قوتهم مثل كل عشية ..............................
7/4/2011
تعليق