رسالة من خلف الغَمام .. .
معذرة يا سيدي لو أزعجتك و قطعت عليك روتين يومك . لا أقصد أن أعكّر مزاجك أو أكدّر صفوك ..أو أشغلك بتفاهاتي فأنا أعرف كم وقتك ثمين ..ربما أنت مشغول جدا..تستريح في حديقة قصرك المنيف أو تلعب الشطرنج أو تطعم كلبك المدلّل...أنا لا أمانع أن تترك رسالتي جانبا , عند أقدام كرسيك , إلى حين تجد بعض الثواني و تنتهي تماما من مراجعة صفقاتك و مشاريعك و مخططاتك ..فقط أرجوك لا ترمها في تلك المزبلة هناك أين تتكدس الرسائل و الشكاوى و ... القوانين ..
كم آمل أن تسمعني هذه المرة ! ..من يدري ..ربما من حيث أنا الآن يستطيع صوتي اختراق الجدار العازل الذي حرصت على رفعه بيني و بينك منذ سنين .
يا سيدي أنا اسمي مواطن و أرجوك لا تسألني عن معنى اسمي فما عدت أعرف.. عمري سبعة و عشرون خيبة , من مواليد برج الثور/ رة / . ورثت عن جدي بذور عشق الوطن , و عن أبي أخذت لون عيني و شكل أقداري... هل تعرف أبي يا سيدي ؟ سؤال غبي ..كيف لك أن تعرفه و هو ليس من المقرّبين و أنت لا تنظر خلفك أبدا و لا عن شمالك أو يمينك .. لو وسّعت مجال رؤيتك قليلا فقط لرأيت أبي ..هو رجل طيّب , مثالٌ في الاستقامة ..لم يقترف أيّة جنحة ..أبدا.. يحترم القانون بشكل عجيب ..لذلك ظلّ فقيرا معدما طوال حياته ..أقصد حتى أخر لحظة تركته فيها.. شكله ؟ حسنا..هو ليس بالقصير و لا الطويل , أشعث الرؤية , أغبر الأفكار , هزيل الحلم , شاحب الأمل ..باختصار هو صورة طبق الأصل من كل أفراد الرعية , الراسخين في البؤس و التهميش , ربما يختلف عن البعض قليلا ولكنه يشترك مع الأغلبية في صفة واحدة ..تشوه واضح في عظمة كتفه الأيسر .. أو الأيمن ؟ لا أذكر . ذلك من فرط انحنائه لكي تمر قوافلك .
لا أدري لمَ أحدّثك عن أبي و أنت لا تعرفه ..ربما لأني مشتاق له و أعلم مدى حزنه لفراقي فقد كنت أمله الوحيد..كان يترقّب تخرّجي من الجامعة لكي أعينه في حربه مع الفقر..لكني خيّبت ظنه..فما أن تخرّجت حتى انضممت إلى صفوف العاطلين , بعدها , أهدرت سنتين من عمري في الخدمة الوطنية دون أن أع حقا معنى اللفظتين .. أليس سخيفا أن يضطر المرء للقيام بأمور يجهل معناها ؟ في الواقع كل الفضل لك و لحاشيتك ..تكفلتم كما ينبغي بتفريغ الوطنية من محتواها لدرجة أن جيلا بأكمله أصبح ينام و يصحو على حلم واحد .. الوصول إلى رمال الضفة الأخرى و لو قفزا على حبال الموت .
آه ... قبل أن أنسى.. أردت أن أخبرك أن أبي كان يحبك حقا و أمي أيضا , كلنا كنا نحبك .
أذكر جيدا سنين عرشك الأولى و أنا طفلٌ يافع . كنتَ تظهر في التلفزيون كثيرا..لا تمر مناسبة دون أن تلقي خطبة طويلة مؤثّرة . كانت أمي تترك ما في يدها و تتسمّر أمام الشاشة , و أبي يقول لها " هذا هو الرجل حقا ..إنه الشخص المناسب لتخليص الوطن و ملء الكرسي " ..لا أفهم .. كيف انقلبت الصورة بهذا الشكل البشع ؟ أم أن الكرسي لم يناسبك ؟
أذكر أيضا حين كانوا يخرجوننا من حجرات الدرس , يسيرون بنا إلى الشارع الوطني الرئيسي...نظل ساعات تحت الشمس ننتظر مرور موكبك . يوزعون علينا أعلاما صغيرة و صورا جميلة ... كلها صورك ..كم كنت تبدو أنيقا وبشوشا ! .. ابتسامتك واسعة كأنما لتحتضن أحلام كل البؤساء ..كنا نتسلّل وسط الزحام الكبير ..نصفّق بحرارة..و نهتف بحياتك... و في الغد ألتقي رفاقي و أقسم لهم أني رأيتك على قرب متر أو مترين و أحيانا أمطط الكذبة ..فأخبرهم أنك اقتربت منا و صافحت أبي و قبّلتني في خدي ..لا تستغرب يا سيدي..فقد كنت صبيا واسع الخيال ,غزير الأحلام , شديد الطموح و كان أساتذتي يتوقعون لي مستقبلا عظيما .. أتدري ؟ كنت أحلم بأن أصبح وزيرا..لا تقهقه أرجوك .. و ليس أيّ وزير .لا.. ! وزيرا للخارجية تحديدا..
يوم أخبرت والدي أني سأسافر إلى العاصمة لأتخصص في العلوم السياسية انتفض من الفزع كأنما أخبرته أني سألتحق بتنظيم القاعدة ! كان أبي يتحسّس من لفظة سياسة و أخواتها ..أرادني أن أدرس اللغة العربية و أشتغل معلما في الإبتدائي مثل جارنا أحمد و أتزوّج من ابنة عمّي و أبني لي بيتا صغيرا ملاصقا لبيتنا حتى أكون دائما بقربه ,..كان كلما رافقني إلى المحطة لأستقلّ القطار إلى الجامعة ردّد على سمعي نفس الموّال "الله يهديك يا ابني لا تحشر أنفك في السياسة ..اهتم بدراستك و مستقبلك فقط " .
و فعلا ..حاولت , صدقني يا سيدي, حاولت بكل الطرق أن لا أدس أنفي و لا حرفي في السياسة ولكن السياسة دسّت أنفها المزكوم في مستقبلي ..استفزّتني ..صحيح أن أبي ربّاني أحسن تربية .. علّمني الصلاة و احترام الكبير و كثيرا من المبادئ و القيم حاولت أن ألتزم بمعظمها لكنه لم يعلّمني كيف أقف متفرجا على وطن يستباح و عصابة عجائز أنهكها العُصاب , تُضرم النار في أعشاش الحمام و بساتين النخيل .
ماذا أريد منك ؟ سؤال رائع حقا لو أنه جاء قبل الآن ! حسنا ..لا شيء أبدا ..أردت فقط أن أقول لك أني لا أكرهك .. لم يعلمني أبي سوى كراهية الأعداء و أنت رغم جسامة خطاياك لست عدوي بل عدو نفسك ..لذلك أنا لا أكرهك فعلا ..حتى أني أحيانا أشفق عليك ..تصوّر ؟
لكن أرجوك يا سيدي... لا تطلب مني أمرا فوق طاقتي , فأنا رغم طيبتي لا أقدر أن أسامحك.. أتدري لمَ ؟ لسبب واحد فقط : معركتك معي لم تكن متكافئة ..فقد خرجت لمواجهتك أعزلا , مكشوف الصدر , مدرعا بحنجرتي وبحماس كثيف متبخّرا عبر قضبان صدري , و خرج لي قناصتك برصاص حيّ .
تعليق