قال فتى يافع لأنثى فارقت سن الأربعين ببضع سنوات : أحبك
قالت : أنا تربة عقيمة و جذور جافة و فروع تساقطت أوراقها
قال : تربتك مليئة بسماد السنين ، و جذورك مترعة بعصارة المواسم المطيرة و فروعك لا تزال مسامها تنتظر دمائي أضخها لتنبت أوراقاً أكثر نضارة تنضح الندى عند كل إطلالة شمس.
قالت : لن أحتمل كل هذا و ذاك ... بل دون قدرتي على سماع هذا الحديث الذي يزلزل كياني .. فأرفق بي .. فلم أعد أحتمل
قال : إذن هناك بدواخلك .. و في قاع روحك يقبع ما يحتاج لهذه الزلزلة .. فأمنحيني الفرصة .. لأحرك سطح هذه البركة الساكنة
قالت : كنتُ قد أغلقتُ هذه النوافذ ... و ردمْتُ هذه البرك ...
قال بتوسل : لِمَ ... إن كنتِ قد فقدتِ بعض الأمل .. فها أنا أطرق كل الأبواب و أنقر على نوافذك .. بل على إستعداد أن أتسلق أسوارك مهما علتْ .. و أن أحفر بأظافري تربتك .. فقط دعيني أحاول ..
قالت : سيصيبك الملل بعد عدة أعوام
قال : حبي لك مربوط بحبل روحك السري ... لن يفرقنا إلا الموت
قالت : ما زلتَ في ريعان شبابك ... فلم تطفيء زهرة عمرك معي ؟
قال : أعلم أن حياتي دونك ستكون كقناديل البحر لا أثر لها على سطح الماء... بل في القاع لا يرى غيرها توهجها.
قالت : بحاري مستكينة و ليست لسفنك .. فأبحث عن نهر جارف تنزلق فيه قواربك .. و صخوراً ناتئة تناطحك فورتك و فتوتك.
قال : أريد أن أشق عباب لُجتك لعلمي بأن مجاديفك قد خبِرتْ أمواجها و عواصفها .. فدعيني أترك لك دفة سفينتي و أنعم برحلة لا يعكر صفوها أي معكر ,,
قالت : ستغرق و تغرقني معك حتماً ..
قال : سنكون على الأقل معاً .. و هذا مبتغاى ..
قالت : إلى هذا الحد ؟
قال : كل سنة من عمرك تغلفني بطمأنينة .. و كل تجاربك هي جدار متين أسند عليه ظهري المنهك .. و إبتسامتك الرزينة تسكب فيني فيضاً من السكينة ..
قالت : أخاف أن تهجرني يوماً ما ..
قال : فأعرفي تلك اللحظة بأنني أريد أن أموت بعيداً عنكِ...
قالت : أخاف عليك من هجير صحرائي ...
قال : حبك خيمتي و مضارب عشقي و واحة شوقي
فنظرتْ إليه ، و هي تحس بأن لحاء سنديانتها قد إكتسى لوناً خمرياً ، و أنه يقف أمامها كزهرة أوركيد بري ..
و فرْحتئذٍ ... كان مجموع عمريهما و كأنه بات مقسوماً على إثنين ...
و أحستْ بأن جذورها قد عادت للتسلل تحت طبقات الثرى لتنطلق تبحث عن رحيق الحياة.
***
جلال داود ( أبو جهينة ) الرياض
تعليق