جُمعة الرحيل
مشاهد رصدها: عبد الغني عبده
(1)
أخذني "عصام" (وهو من يدرك ظروفي الصحية) بعيداً؛ مخافة أن تفرمني الجماهير في طريقها... أجلسني على رصيف قريب.... حاول أن يعود للتجمع الملتف بالمشير... أقعده الإرهاق والزحام البادي الذي يستحيل معه الوصول إلى حيث "الرجل"... الهتافات تهدر في أسماعنا "الجيش والشعب إيد واحدة" .... ثم "يا مشير يا مشير ... قتلوا ولادك في التحرير"... سالت أدمعي لهذا الهتاف...
بعد بضعة دقائق تحول الهتاف إلى "مش هانمشي .... هو يمشي"... أحسست أن ثمة تحول في المشهد .... قطع تفكيري فيما يحدث مصادفة الدكتور أيمن عبد المعبود عجاج زميل دراستي الثانوية ومعه شابين من العمار الكبرى... سلم ثلاثتهم وتبادلنا أرقام الهواتف قبل أن ينصرفوا....
من بعيد أشرت للمهندس الشاب محمد حسن – نسيبي - ليسرع الخطو... كان قد هاتفني فعرف مكاني... ناولني علبة السجائر "كليوباترا" ... وجهته إلى مكان وجود المشير.... اندس وسط الجموع؛ وأخبرني بأن الرجل طلب اختيار عشرة من المتظاهرين للتحدث معه... بينما الكل يطالبه بالدخول إلى حيث الإذاعة الداخلية في قلب الميدان للتحدث مع الملايين (التي تتدفق منذ صباح الخميس؛ في ردة فعل رائعة على بلطجة مؤجري الإبل والخيل) مؤكدين أن أحداً لم ولن يجرؤ على التفاوض نيابة عن الآخرين.... انتهى الأمر بدخول المشير للمتحف المصري؛ ثم ما لبث أن "رحـل".
(2)
مكثت قرب النخلة أكثر من الموعد المحدد ثم عاودت الاتصال... فإذا به ما زال في الخارج... توجهت إلى مخرج الميدان باتجاه مكان أستاذي لعلني أساعده للدخول أو أكون في شرف استقباله....
الجماهير المتدفقة للميدان اليوم مضمخة بالعطور... وجوهها مشرقة وملابسها زاهية... والأعلام في أياديها كذلك... لعلهم ناموا ليلتهم هانئين في فرشهم الدافئة، واستيقظوا قبل الجمعة بقليل.... وربما بعدها؛... الهتافات مرحبة تقول "أهلاً أهلاً بالأحرار... ياللا انضموا للأبطال"... فيرد القادمون الجدد "ثورة ثورة حتى النصر... ثورة فـ كل شوارع مصر"...
مكالمة ثالثة من الدكتور النجار أفادت بأنه يجلس قريباً من مبني جامعة الدول العربية القابع قبالة القصر الذي كان مقراً لوزارة الخارجية في مدخل الميدان من اتجاه كوبري قصر النيل...
على باب الجامعة العربية محاولات تجري لإدخال السيد "عمرو موسى" إلى الإذاعة الداخلية في الميدان لإلقاء كلمة في المتظاهرين....
المطلوب هو إنشاء شارع بشري يستطيع أن يمشي فيه الرجل آمناً.... ولكن هيهات... الجماهير التي تصادف أن تتولى إقامة الشارع غير منظمة ولا مدربة... آتية هي إلى هنا للمرة الأولى... يشغلها ظهور "نادر السيد" ملتحفاً بعلم مصر وملوحاً بآخر في يده... يفضون الشارع المطلوب بناءه بأجسادهم ويلوحون للاعب قائلين: هاي نادر أنت وزير الشباب والرياضة القادم إن شاء الله...
محاولة أخرى تنتهي بالانشغال بمرور الموسيقار عمار الشريعي قادماً من قلب الميدان متجهاً نحو الجامعة العربية.... ومحاولة إثر أخرى يساهم في إفشالها تزاحم كاميرات الإعلام التي تتدافع نحو الرجل بمجرد ظهوره من باب المبنى....
لمحت بين الجموع الدكاترة: "أحمد كمال أبو المجد" و"عمرو حمزاوي" و"عمرو الشوبكي" الذين مروا عابرين إلى مبنى الجامعة دون أن يعبأ بهم أحد!!!
يبدو أن الموقف انتهى بدخول "عمرو موسى" مكتبه؛ وربما لم يلبث أن ركب سيارته.... و"رحــل".
(3)
بعض القادمين الجدد اتخذوا زاوية وراحوا يغنون:- "يا اللي ع الترعة حود ع المالح"!!!....
في المدخل رجل يسجد على أرض الميدان (المغبرة بآثار رماد أسود ربما كان من مخلفات حرائق المولوتوف أو بقايا رماد عباءة الحاج نجاح الملط التي احترقت وهو يحاول إنقاذ شاب عمراوي آخر من براثن البلطجية يوم مهزلة الجمل) ويقبلها كما يقبل المريدون عتبات الأولياء...
كثيرون يغالبهم البكاء مع استقبالهم بالهتافات الحماسية "أهلاً أهلاً بالأحرار... ياللا انضموا للأبطال"....
سيدة ثلاثينية تدخل متهادية ... الـ make up كامل... ترتدي ملابس ضيقة جداً (ربما كانت لأختها الصغيرة ذات الخامسة عشرة مثلاً) لم تجد مكاناً لعلم مصر من الحجم الكبير سوى مؤخرتها.... عندها حسمتُ أمري.... عليَّ أنا الآن أن "أرحـل"!!.
(4)
المترو المتجه إلى حيث المنزل شبه فارغ كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه كذلك.... خار جسدي المنهك على كنبة فارغة في العربة الثانية... وأخذتني سِنَةٌ... لم توقظني سوى فرملة القطار المفاجئة في محطة "فيصل"... الشوارع المؤدية إلى المنزل – على غير العادة – فارغة؛ عشر دقائق فقط قضيتها في الميكروباص الذي يقطع عادة المسافة نفسها بين المترو والمنزل في ثلثي الساعة... ضربت جرس الباب... فتحت زوجتي؛ فسألتها هل من جديد يا حبيبتي؟ ألم يرحـل بعد؟ (قصدت الرئيس المخلوع) أجابت بالنفي... قلت: بلا لقد رحـل... حتى لو بقي ألف عام سيبقى بلا شرعية... خروج ثمانية ملايين مواطن إلى الشارع لا تعني لدى الدنيا كلها – في عالم السياسة - سوى "رحليه"...
نسيت أن أشحن بطارية الهاتف المحمول؛ رغم أنني تناولت "اللاب توب" ونشرت قصيدتي الأخيرة "فرعنة" على صفحتي على "الفيس بوك" التي سارعت بإنشائها بعدما نجحت ثورة تونس مباشرة لألحق – رغم دخولي سن الكهولة - بركب شباب العصر؛ ثم رحت في نوم أظنه عميق؛ تخلله حلم متكرر بخبر "رحيل الرئيس"!!
(تمت)
الرياض في: 14 مارس 2011م
تعليق