استقلا سيارة الأجرة متجهان إلى المطار قبل موعد طائرته بساعتين ، ساعتان هُما بصيص الأمل المتبقي لها لتثنيه عن قرار السفر ، كان خوفها من الفقدِ يبتلعُ محاولاتهِ لإرضائها وإقناعها بأنه سيأتي لقضاء الإجازات الفصلية والصيفية معها .. وأن الأربع سنوات ستمضي كلمح البصر .
- ’’ تناسيتَ أن غيابكَ هذه المدة ؛ ربما ذهب بالبصر !؟ ’’بهذا حدّثت نفسها وعيناها تحدقان ِ في عينيه الهاربتين من استعطافه كلَّ ما التفت إليها ليقولَ ما لم " يقلهُ بعد " . لم يقنعها بالمستقبل الباهر والنجاح الذي سينقلها من الحي الشعبي إلى منطقة أكابر البلد ، ونظراتها كل لحظةٍ تصرخُ بحرقة : أنّ الجنة بدونه لا تعني لها شيئاً ! ، تتضرع إلى الله بفؤادها أن يجعل المطار في أقصى الأرض .. ويدعو هو بسريرته أن تنتهي النصف ساعة المتبقية من عذاب الضمير.. وتبتسم - ابتسامة مظلوم ٍ حُكمَ عليه بالموت - عندما ينظر إلى ساعته متذمراً من ازدحام الطريق تارة ً وأخُرى من بط ء المسير فتفتح حقيبته الصغيرة التي سحبتها من يده لحظة مغادرتهما المنزل وتـُخرجُ منها علبة السجائر التي أخفاها عنها بعد أن عاهدها أن يقلعَ عن التدخين وتمدها نحوه بيدها المرتعشة فيمسك بهما معا ً ويدنو من يدها فيقبـّلها دون النظر إلى وجهها فتسيل دمعة على خدها كانت مستعصية في الأحداق . يُشعلُ سيجارته ويمجها طويلا ً.. وهي تنظر إليه وتنتظر أن ينفثَ الدخانَ من بين شفتيه.. فيلتفت نحو النافذة ويمسك بمقبضها ليفتحها فتقول له : لا ... لا تفتحها . فينفث الدخان من رئتيه بينما يلتفت نحوها وقد بدا عليه الاستغراب من طلبها فتومئ له برأسها لعدم فتحها وهي تستنشق الدخان وكأنه عبيرَ ورد ٍ جوري ! " ولطالما كان هذا العبير سبباً في نقلها إلى المستشفى لإعادتها إلى الحياة بكمامة أوكسجين " تسمّرت عيناه في عينيها فقرأت فيهما سؤالا ً تمنّت لو سأله بشفتيه الرقيقتين :
- ‘‘ ما بالك يا أمي ؟ أتريدينَ الانتحار قبل أن نصل إلى المطار ؟! ‘‘ . فأجابته كما سألها ..
- ‘‘ ليتني أموت بدخان سجائرك ولا أموت بفراقك ‘‘ . احمرّ وجهه قبل أن ينتشل عينيه من بحر عينيها وينظر إلى ساعته ليتأفف مجدداً من بط ء عقاربها ليكون تأففه مفتاحَ حديثه مع سائق السيارة عن أهمية الوقت وأن الدقيقة في هذا الزمان يمكن أن تدمر مدينة وتنقذ قارة بأسرها وأن العلم تطور؛ ويجب مواكبة هذا التطور، ولسوء حظه لا يوجد جامعة في الوطن متخصصة في علوم الذرة ؛ وهذا ما جعله يسافر ويبتعد عن أمه هذه المدة مع وعده لها أن يزورها كل ثلاثة أشهر ولن تمنعه تكاليف السفر لأن صديقا ً له أمّن له عملا ً مسائيا ً في واحد ٍ من المطاعم المشهورة في باريس . أسهبَ أحمد في الشرح وتبرير أسباب سفره للسائق الذي اكتفى بهز الرأس والهمهمة بينما اتكأت أمه برأسها على النافذة اليسرى ليتثنى لها رؤية وجهه الهارب إلى أي شيء إلا عينيها ، من لحظة قرار السفر أحسّت بأن الوقت قد حان لممارسة - يوغا - الحزن في بيتها وحيدة ، أيقنتْ أن من شابهَ أباهُ ما ظلـَمْ : مقولة ٌ جائرة وتبريرٌ سافـِرْ لتقطيع القلوب ، ’’ آه ٍ يا ولدي لو تعلم .. كنتُ أسأل الله في سجودي أن لا يحملني إلى قبري سواك ، كنت أستجدي الموت في غرفتي على سريري لتأتيني وتقبل جبيني وتذرف دموعا ً كحبات اللؤلؤ فتـُزيّن بها صدري ، طوقَ اللؤلؤ ِ الذي وعدتني أن تشتري لي مثلهُ يوما ً ؛ عندما رأيتـُهُ في جيد ِ ضُرّتي فبَكـَيْتُ ليلة ً كاملة ، قلتَ لي وقتئذ ٍ :
- لا عليك ِ يا أمي .. تالله ِ لأشتري لكِ أجملَ منه ولو بقي من عمري ساعة .
ستحنـَثُ بيمينكِ يا ولدي .. ستحنث ’’ .
توقفت السيارة أمام بوابة المغادرة فترجّل منها أحمد واتجه نحو الخلف وهمّ بفتح الباب لأمه فلاحظ أنها متكأة عليه برأسها شاردة الذهن فاستدار إلى الجهة الثانية ودخل السيارة لينبهها بأنهما وصلا المطار ، أمسك يدها بلطفٍ وقبّلها فشعر بثقل وبرودة لم يعهدها فتسارعت نبضات قلبه وتلعثم عندما همس في أذنها فلم تستجب ولم تؤت ِ بحركة فسلكَ بكفهِ بين النافذة ورأسها وأدناها منه برفق ٍ وضمها إلى صدره .. وبكى بصمت .
( كتبت قبل سنتين تقريباً )
- ’’ تناسيتَ أن غيابكَ هذه المدة ؛ ربما ذهب بالبصر !؟ ’’بهذا حدّثت نفسها وعيناها تحدقان ِ في عينيه الهاربتين من استعطافه كلَّ ما التفت إليها ليقولَ ما لم " يقلهُ بعد " . لم يقنعها بالمستقبل الباهر والنجاح الذي سينقلها من الحي الشعبي إلى منطقة أكابر البلد ، ونظراتها كل لحظةٍ تصرخُ بحرقة : أنّ الجنة بدونه لا تعني لها شيئاً ! ، تتضرع إلى الله بفؤادها أن يجعل المطار في أقصى الأرض .. ويدعو هو بسريرته أن تنتهي النصف ساعة المتبقية من عذاب الضمير.. وتبتسم - ابتسامة مظلوم ٍ حُكمَ عليه بالموت - عندما ينظر إلى ساعته متذمراً من ازدحام الطريق تارة ً وأخُرى من بط ء المسير فتفتح حقيبته الصغيرة التي سحبتها من يده لحظة مغادرتهما المنزل وتـُخرجُ منها علبة السجائر التي أخفاها عنها بعد أن عاهدها أن يقلعَ عن التدخين وتمدها نحوه بيدها المرتعشة فيمسك بهما معا ً ويدنو من يدها فيقبـّلها دون النظر إلى وجهها فتسيل دمعة على خدها كانت مستعصية في الأحداق . يُشعلُ سيجارته ويمجها طويلا ً.. وهي تنظر إليه وتنتظر أن ينفثَ الدخانَ من بين شفتيه.. فيلتفت نحو النافذة ويمسك بمقبضها ليفتحها فتقول له : لا ... لا تفتحها . فينفث الدخان من رئتيه بينما يلتفت نحوها وقد بدا عليه الاستغراب من طلبها فتومئ له برأسها لعدم فتحها وهي تستنشق الدخان وكأنه عبيرَ ورد ٍ جوري ! " ولطالما كان هذا العبير سبباً في نقلها إلى المستشفى لإعادتها إلى الحياة بكمامة أوكسجين " تسمّرت عيناه في عينيها فقرأت فيهما سؤالا ً تمنّت لو سأله بشفتيه الرقيقتين :
- ‘‘ ما بالك يا أمي ؟ أتريدينَ الانتحار قبل أن نصل إلى المطار ؟! ‘‘ . فأجابته كما سألها ..
- ‘‘ ليتني أموت بدخان سجائرك ولا أموت بفراقك ‘‘ . احمرّ وجهه قبل أن ينتشل عينيه من بحر عينيها وينظر إلى ساعته ليتأفف مجدداً من بط ء عقاربها ليكون تأففه مفتاحَ حديثه مع سائق السيارة عن أهمية الوقت وأن الدقيقة في هذا الزمان يمكن أن تدمر مدينة وتنقذ قارة بأسرها وأن العلم تطور؛ ويجب مواكبة هذا التطور، ولسوء حظه لا يوجد جامعة في الوطن متخصصة في علوم الذرة ؛ وهذا ما جعله يسافر ويبتعد عن أمه هذه المدة مع وعده لها أن يزورها كل ثلاثة أشهر ولن تمنعه تكاليف السفر لأن صديقا ً له أمّن له عملا ً مسائيا ً في واحد ٍ من المطاعم المشهورة في باريس . أسهبَ أحمد في الشرح وتبرير أسباب سفره للسائق الذي اكتفى بهز الرأس والهمهمة بينما اتكأت أمه برأسها على النافذة اليسرى ليتثنى لها رؤية وجهه الهارب إلى أي شيء إلا عينيها ، من لحظة قرار السفر أحسّت بأن الوقت قد حان لممارسة - يوغا - الحزن في بيتها وحيدة ، أيقنتْ أن من شابهَ أباهُ ما ظلـَمْ : مقولة ٌ جائرة وتبريرٌ سافـِرْ لتقطيع القلوب ، ’’ آه ٍ يا ولدي لو تعلم .. كنتُ أسأل الله في سجودي أن لا يحملني إلى قبري سواك ، كنت أستجدي الموت في غرفتي على سريري لتأتيني وتقبل جبيني وتذرف دموعا ً كحبات اللؤلؤ فتـُزيّن بها صدري ، طوقَ اللؤلؤ ِ الذي وعدتني أن تشتري لي مثلهُ يوما ً ؛ عندما رأيتـُهُ في جيد ِ ضُرّتي فبَكـَيْتُ ليلة ً كاملة ، قلتَ لي وقتئذ ٍ :
- لا عليك ِ يا أمي .. تالله ِ لأشتري لكِ أجملَ منه ولو بقي من عمري ساعة .
ستحنـَثُ بيمينكِ يا ولدي .. ستحنث ’’ .
توقفت السيارة أمام بوابة المغادرة فترجّل منها أحمد واتجه نحو الخلف وهمّ بفتح الباب لأمه فلاحظ أنها متكأة عليه برأسها شاردة الذهن فاستدار إلى الجهة الثانية ودخل السيارة لينبهها بأنهما وصلا المطار ، أمسك يدها بلطفٍ وقبّلها فشعر بثقل وبرودة لم يعهدها فتسارعت نبضات قلبه وتلعثم عندما همس في أذنها فلم تستجب ولم تؤت ِ بحركة فسلكَ بكفهِ بين النافذة ورأسها وأدناها منه برفق ٍ وضمها إلى صدره .. وبكى بصمت .
( كتبت قبل سنتين تقريباً )
تعليق