‘ إذا كانت العين بالعين و السنّ بالسنّ فإنّ ... القلب بالقلب ." آسيا
طعنة واحدة تكفي...
من جديد تستعر الذكرى في رأس مريم و ينتفض الجرح ,معلنا العصيان , رافضا فض اعتصامه في شغاف القلب . عام انقضى و لم تستطع أن تنسى . حاولت بكل ذكاء الأنثى و قدرتها على التعايش أن ترقّع حياتها معه , أن تضبط. الأيام و الليالي على إيقاع آخر..دون جدوى..ساذجة كانت ! حسبت الأمر ساعة خشبية تعطّلت و أنه يكفي أن تزيل الغبار و تجدّد البطّارية كي تتحرّك عقاربها من جديد .
عام تعلّمت فيه أن تخفي دموعها و تتألم في صمت .. تغطي جرحها بابتسامة و نكتة و كثير من الأصباغ تلوّن بها وجهها , لكنها فشلت في تلوين وجه الذكرى و استعادة الأمور كما الأول . شيء ما تهشّم , ظلال قاتمة امتدّت كسحب الشتاء فحجبت أشعة السعادة و شوّهت الفرحة و حرمتها متعة الحياة بقربه .
يدخل محملا بالمشتريات..يضعها أمامها على الطاولة .يمسح بكفه على رأسها فتجفل .تتابعه بنظرات فرّ منها البريق .. تبتسم في تهكم ... رائع ! .. حتى باقة الورد الأحمر فكرتَ فيها ! تمثّل عليّ الحب و تصرّ على إغراقي بالهدايا..؟! الآن وأنا أقف وجها لوجه مع ذكرى فجيعتي و لوحة مأساتي ..؟ هل تريد أن تثبت لي غباءك , بعدما أثبتَ أنك نزقٌ متهوّر خائن , عديم الوفاء ؟ . كيف يمكن أن أنسى و أنت بتصرفاتك الطائشة تنكأ جرحي و تؤلّب النسيان ضدّي ؟
- عزيزتي ما رأيك في العشاء خارجا ..فتح مطعم جديد يقدم البيتزا التي تحبين ؟
جميل ... لمْ يبقَ إلا أن تجعله يوما للاحتفاء ‼
ليتك لا تفعل شيئا و لا تقل شيئا, فقط ارحمني من اصطناع العشق فكل تصرفاتك يغشاها ضباب النفاق .
ما أغباه من رجل ! .. يعتقد أن جرحي التأم لأنّي لا أتحدث في الموضوع . ليس بهذه البساطة . الطعنة لا تزال هنا ,نجلاء , حادة, أحسّها متجذّرة في أعماقي و مع ذلك أراود النسيان , وأفتش له في جراب الماضي عن ذريعةٍ... عن عذرٍ أهدئ به ثورة عقلي و أكتم به أنين أنوثتي المهزوزة , و أصافح به كف الغفران , ليس لأني أحبه كما الأوّل بل لأني فكّرت طويلا و استقرّيت على وضعٍ أقلّ خسارةً لي و له .
آه.. لو أنت تدري كم هو مرّ طعم الخيانة ..!
نعم . قلت أني سامحت لكني مازلت مصدومة ..و صدري ينزّ ألما و لا أدري كم سيحتاج عمري من العمر حتى أعيد لعلاقتنا طبيعتها الأولى .. المشكلة أنه لا يدرك معنى أن تُكافأ الأنثى بالجحود حين تكون أعطت من روحها و قلبها و ربيع عمرها , و أنا أعطيت أكثر بكثير ,أعطيت من أنوثتي المتفجّرة و أمومتي الموءودة و حلمي المستحيل بطفل أضمه إلى صدري .
هي أكبر تضحية ..أكبر تنازل ..أن تقنع المرأة بالحب على حساب الأمومة ..
مر وقت طويل منذ رضيت مريم بقسمتها و انحنت لقدرها ... تحمّلت رصاصات الاتّهام مصوّبةً نحوها و واجهت مجتمعا رآها مشوّهة , عقيمة , و نزّه زوجها عن كلنقصان ..
صوت والدته يرن في سمعها ..
_ ابني رجل .. لا ينقصه شيء .
قبل أن تضيف في تعاطف مصطنع حين تلاحظ انزعاج مريم أو بوادر الغضب على وجهها :
- على كل حال , لا تزالان في عز الشباب , عليكما فقط الأخذ بالأسباب و زيارة الأطباء .
هي تجهل أن كل التحاليل و الفحوصات أثبتت أن مريم سليمة و أن المشكلة في ابنها الذي لم يخبرها بالحقيقة, كأنما أرضى غروره أن يبقى العيب محسوبا على زوجته .
كانت مريم تثور و تبكي ثم مع الوقت لم تعد تهتم .. لم يعد يعنيها أن تشرح الأمر لأيّ كان . كانت تقول في نفسها.. يكفيني أنني أحبه و أنه زوجٌ طيب حنون و ما يربطنا من مشاعر سيغطي على رغبتنا في الطفل .
- ما رأيك..هل نخرج الليلة ؟
تحملق في اللاشيء.. تسمع صوتها كأنما هو لامرأة أخرى ..
- لا أستطيع ..أحس بصداع رهيب ... سوف آخذ مسكنا و أنام .
أيها المنافق ..لم أنتظر منك يوما ردّ الجميل و لكن أن تطعنني في أنوثتي أمر لم أتصوره أبدا...
و لأن طعنة الخيانة مثل اللّوحة نراها بوضوح أكثر كلما ابتعدنا عنها فإن التفاصيل ماثلة أمامها الآن بكل بشاعتها . لا تدري لم صمّمت يومها على مغادرة العمل مبكرا..لم يكن للمناسبة دخلٌ في ذلك ..عيد المرأة لم يكن يعني لها أكثر من نصف يوم عطلة ترتاح فيه من عناء المكتب .
وهي تصعد السلّم استغربت صوت الموسيقى المنبعث من الشقة ..هل عاد مبكّرا ؟ هل يحضَر لي مفاجأة ؟
أدارت المفتاح في القفل و فتحت الباب ... فسمّرها الذهول..
لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة .. دارت بها الغرفة... كادت أن تسقط أرضا . الزمن يتوقّف ,و حياتها تتداعى أمام عينيها كقصر من رمل داهمه الموج . صور تتناثر في داخلها أشلاءً و طوفان من الألم يهزّ كيانها .
مرّت لحظات قبل أن تعي ما يحدث .
تخونني ؟ في هذا اليوم.. و أين ؟ هنا ؟ في بيتنا ؟ عشّنا الذي بنيناه معا ركنا ركنا و قطعة قطعة ؟
لم تستطع أن تتبيّن جيدا ملامح الفتاة . ضباب الصدمة أعمى بصرها .. صبية في العشرين تقريبا في لباس شفاف ... بل شبه عارية..تقف بباب غرفة النوم ..أما هو فلم يكن أقل صدمة منها..لم يتوقّع عودتها في ذلك التوقيت .. اندفع نحوها متحسّبا لردة فعلها , أمسك بذراعها , كان يقول كلاما ..لكنها لم تسمع حرفا.. ظلّت تحملق في الفتاة التي لملمت نفسها في لمح البصر و خرجت مسرعة دون أن ترفع رأسها عن الأرض .
ارتمت مريم على اقرب كرسي و أجهشت بالبكاء . لم تقل شيئا...بعد ثوان أخذت الهاتف و اتصلت بخالتها , ثم ابن عمها ..
تحس بارتجاف صدرها و هي تستعيد المشهد ... كأن ذلك يحدث الآن .
تراه جالسا بين خالتها و ابن عمها , مطأطئ الرأس , شاحب الوجه , معرّق الجبين , يشدّ على أصابع يديه بانفعال واضح ..
يتمتم مطرقا كأنّما يحدّث نفسه :
_ هي أول و آخر مرة ..هي غلطة عمري ..ماذا أفعل كي تسامحوني ؟
أبله ..كأنّ الخيانة تحسب بعدد المرّات ‼
كم كرهتك لحظتها ..ليس لأنك خائن فقط , لكني كرهت ضعفك , ارتجاف صوتك , نبرتك الموحية بالخذلان , كرهت رؤيتك في موقف المذنب و قد كنت أباهي بك الجميع .. أهلي و الجيران ..و الأصدقاء..
و هكذا ...ضاعت من مريم بوصلة الحب , فقدت الإحساس بالأمان و الثقة .. ساورها الشّك في حبه , في سنوات زواجهما الخمس ..في كل ما كان وما سيكون . لسعتها الظنون , نهشتها مخالب الريبة.. أضحى قلبها ريشة في مهب الشّك و أصبحت له قرون استشعار مهيأة لالتقاط ذبذبات خيانة وهمية تصوّرها لها لفتاته , نظراته , شروده , رنّة هاتفه .. و سيّجتها الأسئلة .. " هل خانني و نحن في شهر العسل ؟ هل يفكّر في أخرى حين يلفّنا الصمت ؟...هل يكون مع أخرى حين يتأخّر خارجا ؟ " هل و هل و هل..؟ جحيم لا يطاق , عاصفة من الافتراضات و شكوكٌ عنقودية تنفجر داخل رأسها في اليوم ألف مرّة .
تتردد في ذهنها عبارة جارتها المطلقة.. " يا بنتي الرْجالْ و الزمانْ ما فيهم أمانْ "
..لا..لا ..غير صحيح ..كلّهم إلا زوجي ..إلا حبيبي ..‼
هذا كان بالأمس ..
ماذا تقول الآن ؟..و كيف تخرس صوتا يدقّ باب صدرها دون توقف و يلحّ على عقلها بجنون " يا مغفلة لن ترتاحي إلا إذا جعلته يشرب من نفس الكأس ..و إذا كانت العين بالعين و السنّ بالسنّ فإنّ ... القلب بالقلب ."
تأنّق كعادته..لمّع حذاءه . رائحة عطره القوي ملأت المكان ..استدار نحوها قبل أن يخطو خارجا :
- ربما أتأخر..لا تنتظريني على العشاء .
بعد لحظات بينما هو يعبر الشارع باتّجاه المقهى للقاء أصحابه , كانت مريم تتصل بزميلها في العمل ..و صوتها يتغنّج في الهاتف :
- ألو..سليم ؟ أنا مريم . ألا تزال دعوتك لشرب العصير قائمة ؟
من جديد تستعر الذكرى في رأس مريم و ينتفض الجرح ,معلنا العصيان , رافضا فض اعتصامه في شغاف القلب . عام انقضى و لم تستطع أن تنسى . حاولت بكل ذكاء الأنثى و قدرتها على التعايش أن ترقّع حياتها معه , أن تضبط. الأيام و الليالي على إيقاع آخر..دون جدوى..ساذجة كانت ! حسبت الأمر ساعة خشبية تعطّلت و أنه يكفي أن تزيل الغبار و تجدّد البطّارية كي تتحرّك عقاربها من جديد .
عام تعلّمت فيه أن تخفي دموعها و تتألم في صمت .. تغطي جرحها بابتسامة و نكتة و كثير من الأصباغ تلوّن بها وجهها , لكنها فشلت في تلوين وجه الذكرى و استعادة الأمور كما الأول . شيء ما تهشّم , ظلال قاتمة امتدّت كسحب الشتاء فحجبت أشعة السعادة و شوّهت الفرحة و حرمتها متعة الحياة بقربه .
يدخل محملا بالمشتريات..يضعها أمامها على الطاولة .يمسح بكفه على رأسها فتجفل .تتابعه بنظرات فرّ منها البريق .. تبتسم في تهكم ... رائع ! .. حتى باقة الورد الأحمر فكرتَ فيها ! تمثّل عليّ الحب و تصرّ على إغراقي بالهدايا..؟! الآن وأنا أقف وجها لوجه مع ذكرى فجيعتي و لوحة مأساتي ..؟ هل تريد أن تثبت لي غباءك , بعدما أثبتَ أنك نزقٌ متهوّر خائن , عديم الوفاء ؟ . كيف يمكن أن أنسى و أنت بتصرفاتك الطائشة تنكأ جرحي و تؤلّب النسيان ضدّي ؟
- عزيزتي ما رأيك في العشاء خارجا ..فتح مطعم جديد يقدم البيتزا التي تحبين ؟
جميل ... لمْ يبقَ إلا أن تجعله يوما للاحتفاء ‼
ليتك لا تفعل شيئا و لا تقل شيئا, فقط ارحمني من اصطناع العشق فكل تصرفاتك يغشاها ضباب النفاق .
ما أغباه من رجل ! .. يعتقد أن جرحي التأم لأنّي لا أتحدث في الموضوع . ليس بهذه البساطة . الطعنة لا تزال هنا ,نجلاء , حادة, أحسّها متجذّرة في أعماقي و مع ذلك أراود النسيان , وأفتش له في جراب الماضي عن ذريعةٍ... عن عذرٍ أهدئ به ثورة عقلي و أكتم به أنين أنوثتي المهزوزة , و أصافح به كف الغفران , ليس لأني أحبه كما الأوّل بل لأني فكّرت طويلا و استقرّيت على وضعٍ أقلّ خسارةً لي و له .
آه.. لو أنت تدري كم هو مرّ طعم الخيانة ..!
نعم . قلت أني سامحت لكني مازلت مصدومة ..و صدري ينزّ ألما و لا أدري كم سيحتاج عمري من العمر حتى أعيد لعلاقتنا طبيعتها الأولى .. المشكلة أنه لا يدرك معنى أن تُكافأ الأنثى بالجحود حين تكون أعطت من روحها و قلبها و ربيع عمرها , و أنا أعطيت أكثر بكثير ,أعطيت من أنوثتي المتفجّرة و أمومتي الموءودة و حلمي المستحيل بطفل أضمه إلى صدري .
هي أكبر تضحية ..أكبر تنازل ..أن تقنع المرأة بالحب على حساب الأمومة ..
مر وقت طويل منذ رضيت مريم بقسمتها و انحنت لقدرها ... تحمّلت رصاصات الاتّهام مصوّبةً نحوها و واجهت مجتمعا رآها مشوّهة , عقيمة , و نزّه زوجها عن كلنقصان ..
صوت والدته يرن في سمعها ..
_ ابني رجل .. لا ينقصه شيء .
قبل أن تضيف في تعاطف مصطنع حين تلاحظ انزعاج مريم أو بوادر الغضب على وجهها :
- على كل حال , لا تزالان في عز الشباب , عليكما فقط الأخذ بالأسباب و زيارة الأطباء .
هي تجهل أن كل التحاليل و الفحوصات أثبتت أن مريم سليمة و أن المشكلة في ابنها الذي لم يخبرها بالحقيقة, كأنما أرضى غروره أن يبقى العيب محسوبا على زوجته .
كانت مريم تثور و تبكي ثم مع الوقت لم تعد تهتم .. لم يعد يعنيها أن تشرح الأمر لأيّ كان . كانت تقول في نفسها.. يكفيني أنني أحبه و أنه زوجٌ طيب حنون و ما يربطنا من مشاعر سيغطي على رغبتنا في الطفل .
- ما رأيك..هل نخرج الليلة ؟
تحملق في اللاشيء.. تسمع صوتها كأنما هو لامرأة أخرى ..
- لا أستطيع ..أحس بصداع رهيب ... سوف آخذ مسكنا و أنام .
أيها المنافق ..لم أنتظر منك يوما ردّ الجميل و لكن أن تطعنني في أنوثتي أمر لم أتصوره أبدا...
و لأن طعنة الخيانة مثل اللّوحة نراها بوضوح أكثر كلما ابتعدنا عنها فإن التفاصيل ماثلة أمامها الآن بكل بشاعتها . لا تدري لم صمّمت يومها على مغادرة العمل مبكرا..لم يكن للمناسبة دخلٌ في ذلك ..عيد المرأة لم يكن يعني لها أكثر من نصف يوم عطلة ترتاح فيه من عناء المكتب .
وهي تصعد السلّم استغربت صوت الموسيقى المنبعث من الشقة ..هل عاد مبكّرا ؟ هل يحضَر لي مفاجأة ؟
أدارت المفتاح في القفل و فتحت الباب ... فسمّرها الذهول..
لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة .. دارت بها الغرفة... كادت أن تسقط أرضا . الزمن يتوقّف ,و حياتها تتداعى أمام عينيها كقصر من رمل داهمه الموج . صور تتناثر في داخلها أشلاءً و طوفان من الألم يهزّ كيانها .
مرّت لحظات قبل أن تعي ما يحدث .
تخونني ؟ في هذا اليوم.. و أين ؟ هنا ؟ في بيتنا ؟ عشّنا الذي بنيناه معا ركنا ركنا و قطعة قطعة ؟
لم تستطع أن تتبيّن جيدا ملامح الفتاة . ضباب الصدمة أعمى بصرها .. صبية في العشرين تقريبا في لباس شفاف ... بل شبه عارية..تقف بباب غرفة النوم ..أما هو فلم يكن أقل صدمة منها..لم يتوقّع عودتها في ذلك التوقيت .. اندفع نحوها متحسّبا لردة فعلها , أمسك بذراعها , كان يقول كلاما ..لكنها لم تسمع حرفا.. ظلّت تحملق في الفتاة التي لملمت نفسها في لمح البصر و خرجت مسرعة دون أن ترفع رأسها عن الأرض .
ارتمت مريم على اقرب كرسي و أجهشت بالبكاء . لم تقل شيئا...بعد ثوان أخذت الهاتف و اتصلت بخالتها , ثم ابن عمها ..
تحس بارتجاف صدرها و هي تستعيد المشهد ... كأن ذلك يحدث الآن .
تراه جالسا بين خالتها و ابن عمها , مطأطئ الرأس , شاحب الوجه , معرّق الجبين , يشدّ على أصابع يديه بانفعال واضح ..
يتمتم مطرقا كأنّما يحدّث نفسه :
_ هي أول و آخر مرة ..هي غلطة عمري ..ماذا أفعل كي تسامحوني ؟
أبله ..كأنّ الخيانة تحسب بعدد المرّات ‼
كم كرهتك لحظتها ..ليس لأنك خائن فقط , لكني كرهت ضعفك , ارتجاف صوتك , نبرتك الموحية بالخذلان , كرهت رؤيتك في موقف المذنب و قد كنت أباهي بك الجميع .. أهلي و الجيران ..و الأصدقاء..
و هكذا ...ضاعت من مريم بوصلة الحب , فقدت الإحساس بالأمان و الثقة .. ساورها الشّك في حبه , في سنوات زواجهما الخمس ..في كل ما كان وما سيكون . لسعتها الظنون , نهشتها مخالب الريبة.. أضحى قلبها ريشة في مهب الشّك و أصبحت له قرون استشعار مهيأة لالتقاط ذبذبات خيانة وهمية تصوّرها لها لفتاته , نظراته , شروده , رنّة هاتفه .. و سيّجتها الأسئلة .. " هل خانني و نحن في شهر العسل ؟ هل يفكّر في أخرى حين يلفّنا الصمت ؟...هل يكون مع أخرى حين يتأخّر خارجا ؟ " هل و هل و هل..؟ جحيم لا يطاق , عاصفة من الافتراضات و شكوكٌ عنقودية تنفجر داخل رأسها في اليوم ألف مرّة .
تتردد في ذهنها عبارة جارتها المطلقة.. " يا بنتي الرْجالْ و الزمانْ ما فيهم أمانْ "
..لا..لا ..غير صحيح ..كلّهم إلا زوجي ..إلا حبيبي ..‼
هذا كان بالأمس ..
ماذا تقول الآن ؟..و كيف تخرس صوتا يدقّ باب صدرها دون توقف و يلحّ على عقلها بجنون " يا مغفلة لن ترتاحي إلا إذا جعلته يشرب من نفس الكأس ..و إذا كانت العين بالعين و السنّ بالسنّ فإنّ ... القلب بالقلب ."
تأنّق كعادته..لمّع حذاءه . رائحة عطره القوي ملأت المكان ..استدار نحوها قبل أن يخطو خارجا :
- ربما أتأخر..لا تنتظريني على العشاء .
بعد لحظات بينما هو يعبر الشارع باتّجاه المقهى للقاء أصحابه , كانت مريم تتصل بزميلها في العمل ..و صوتها يتغنّج في الهاتف :
- ألو..سليم ؟ أنا مريم . ألا تزال دعوتك لشرب العصير قائمة ؟
تعليق