ذكريات معلم في ليبيا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فهمي يوسف
    مستشار أدبي
    • 27-08-2008
    • 8100

    ذكريات معلم في ليبيا

    يربو على العشرين تلميذا بقليل ، جلسوا في مقاعدهم في الحصة الأولى من أول الأسبوع المقرر لامتحانات نصف العام الدراسي،
    وشمس الصباح تحتجب خلف جدر المدرسة في مدينة (أوباري ) الليبية في الجنوب من محافظة سبها
    كان الشرق يلمع على حافة السماء الشرقية بضيائه الصاعد ، ولما تنقضِ الحصة الامتحانية في قواعد اللغة العربية ، وعيوني تلحظ التلاميذ في التفات متقطع ، ثم تأخذني هذه السطور التي أسجلها تارة ،ثم أعود فأغوص في عديد من الأفكار تارة أخرى.
    الفصل يطِلُّ بنافذته الزجاجية المكسورة على شارع عريض يفصل مبنى المدرسة على تلك المنازل المجاورة لها والمسماة ( أحواش )
    ومن آن لآخر يعبر الطريق عابر، فيشدني إليه وهو يحث الخطا ليتقي ضربات الصقيع التي تولي هاربة أمام انقضاض الشمس على السماء ببطء وهدوء.
    صرير أقلام التلاميذ كانت تهمس في أذني ، وحفيف أوراق كراساتهم يكسر موجة الصمت بينهم ، وقد ترك البرد لمساته على تنفس التلاميذ الذين أصيب غالبيتهم بزكام الشتاء ، ويجذب بصري تلميذ وضع طرف قلمه في فمه وباطن كفه الصغيرة تحتضن ذقنه المدببة بينما تتمدد أصابعه على جانب خده الأيمن نائمة في هدوء .
    وتتسلل الأشعة من النافذة المكسورة فتشمل بعطفها الدافيء التلميذتين المنهمكتين في التفكير ، وأطرقت والقلم بين أصابعي شارد الذهن وعيوني تحملق فيهم .
    كان الجميع صامتا يتكلم في الأوراق ، شاردا مثلي في أفكاره .
    ولمحت فتاة صغيرة هنا في زاوية الفصل قريبا من الباب تطرق الباب الملاصق لمنضدتها برفق وعيونها تقرأ ما كَتَبَتْ ، وكأنها تُنْصِتُ إلى من يلقِّنُها الإجابة من خارج الفصل ، ولا يبدو عليها الخوف من شيء وعندما التقت عيناي بها ابتسمت في هدوء ولم تغير من وضعها ؛ القلم يطرق والأذن تسمع والعين عادت إلى صفحة الكراسة تتصفح الحروف والكلمات فيها بثقة منها
    أعجبني هدوء أعصابها ، فتركت مذكراتي المفتوحة والسطور التي دونتها على مكتبي ووضعت القلم فوقها , وهممت بالتحرك تجاهها ، وفعلت بهدوء لم يلحظه التلاميذ المنشغلون في الكتابة ، وبجانبها شاركتها بعيوني قراءة إجابتها ثم ابتسمت كما ابتسمت ، وعدت بنفس الهدوء لأتابع تسجيل أفكاري .
    جادت الشمس بدفئها اللذيذ عليَّ ، وأحسست أنني والد هولاء الصبية الطيبين في الصف الثاني الإعدادي بقلب هذا المكان الصحراوي البعيد ، وكنت في غاية السعادة بحبهم لي ، وقلت في نفسي : هل هم خائفون من الامتحان ؟!
    لماذا تلجمهم الأسئلة بلجامها ؟
    أليسوا في أوقات كثيرة دائمي الشغب والضوضاء ؟!
    نعم ، ولكنهم في كلا الحالين مصدر سعادتي ؛ في شقائهم الطفولي البريء ، أو في هدوئهم الآن .
    كم من أمثالهم جلسوا أمامي منذ سنتين قضيتهما في ( أوباري ) ؟!!
    آه من طيبة النفوس الليبية المتعلقة بنور العلم والتعليم والحرية
    براعم عديدة وزهرات كزهر الربيع شذى عطرها ملأ حياتي حبا لمهنتي الجديدة كمعلم للغة العربية وعلوم الدين الإسلامي
    وفجأة دق جرس نهاية الحصة الأولى ، ولملمت كراسات التلاميذ وحملتها إلى حجرة المدرسين .
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    كنت في ركن من ذاك الفصل طفلا صغيرا قرويّ الملابس و الأحلام و التّآويل،أرغم اللإجابة على التّشكّل .الأفكار تمور وسط ذهني و أنا أركض وراءها كفراشات لست تتوقّع خطوط طيرانها،و يحدث أحيانا أن أغيّر هدفي من نصف المسافة لأتعقّب ما هو أسهل و ألين.و لكنّها تفرّ أيضا فآخذ بالتّصفيق في كلّ الاتّجاهات و كما اتّفق لعلّ المصادفة تنجح في تحقيق ما عجزت عنه أدواتي.
    و أسترق النّظر نحو أستاذي فأجده حائرا أيضا قلقا أيضا فأعجب كيف لا يفكّ المسألة التي أمامه،و أقرّر أنّي لو كنت في علمه لما توقّف القلم في يدي لحظة..
    و ها أنذا أجلس في مكانه أضع رأس القلم على الورقة و أجدني أطارد الأفكار كفراشات برّيّة لست تتوقّع خطوط طيرانها ..و أرجوها أن تتشكّل.و أبحث عن الأستاذ لأخبره بما كان يجول في خاطره ساعتها من أنّنا كلّنا صغارٌ، كبارا و صغارا فلا أجده..

    هذا ما فعل بي النصّ أستاذي القدير محمد فهمي يوسف.
    فكل المحبّة لك.
    و نظلّ تلاميذك.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      براعم عديدة وزهرات كزهر الربيع شذى عطرها ملأ حياتي حبا لمهنتي الجديدة كمعلم للغة العربية وعلوم الدين الإسلامي
      وفجأة دق جرس نهاية الحصة الأولى ، ولملمت كراسات التلاميذ وحملتها إلى حجرة المدرسين .


      أستاذي الفاضل :محمد فهمي يوسف
      هناك محطّات في العمر لا تُنسى ...
      وأجملها على الإطلاق ..تلك التي تنساب مع مشاعرَ عفويّةٍ ، بسيطة التفاصيل ..لكنّها تسكن الذّاكرة ولا تغادرها
      ليس أروع من ذاك التناغم الجميل بين تلاميذ على فطرتهم الطيّبة ، وبين مدرّس تغمره الإنسانيّة والمحبّة العميقة لهم ..
      سعيدة بمشاركتك في قسم القصّة هنا ..الذي ازداد ثراء بك أستاذي الكبير..ونتمنى أن تجود علينا أكثر ..وأكثر..
      إليك أحلى أمنياتي ..واحترامي ...وتحيّاتي ..

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • محمد فهمي يوسف
        مستشار أدبي
        • 27-08-2008
        • 8100

        #4
        الأستاذ الفاضل محمد فطومي
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        أشكرك لمرورك الطيب على ذكرياتي المتواضعة ، وأنا معلم في ليبيا
        ولعلها من أحلى الذكريات في شريط حياتس الماضي
        أحببت عملي ، فأحبني تلاميذي
        وهذا فضل من الله عليّ
        وواجبي أن أشكره بالتقرب إليه .

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          أستاذي الفاضل محمد فهمي يوسف..
          أحيان يكفي أن تمر بنا نسمة رقيقة من نسمات الماضي لكي تنتعش الذكريات..
          و خاصة من امتهن التدريس فإن له من الذكريات الكثير..
          أعجبتني القصة فعلا.
          شكرا لك ..
          فقط عندي ملاحظة أستاذي..
          أيصحّ استعمال يربو في بداية الجملة دون ما ؟
          أليس الأصح أن نقول ..ما يربو عن / أم على..؟
          أتمنى أن تشرح لي ذلك..فأنا أتعلّم منك.
          تحيّتي و احترامي.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • محمد فهمي يوسف
            مستشار أدبي
            • 27-08-2008
            • 8100

            #6
            الأخت إيمان الدرع
            شكرا لمتابعتك الطيبة
            على كلماتي المتواضعة عن حديث الذكريات
            التي سردتها كجزء من سيرة حياتي الماضية
            وجزاك الله خيرا




            تعليق

            • محمد فهمي يوسف
              مستشار أدبي
              • 27-08-2008
              • 8100

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
              أستاذي الفاضل محمد فهمي يوسف..
              أحيان يكفي أن تمر بنا نسمة رقيقة من نسمات الماضي لكي تنتعش الذكريات..
              و خاصة من امتهن التدريس فإن له من الذكريات الكثير..
              أعجبتني القصة فعلا.
              شكرا لك ..
              فقط عندي ملاحظة أستاذي..
              أيصحّ استعمال يربو في بداية الجملة دون ما ؟
              أليس الأصح أن نقول ..ما يربو عن / أم على..؟
              أتمنى أن تشرح لي ذلك..فأنا أتعلّم منك.
              تحيّتي و احترامي.
              الأخت الأستاذة آسيا رحا حليه
              تحياتي وتقديري لك
              أشكرك لمرورك على سرد جزء من ذكرياتي الماضية في كلمات متواضعة عن أشقائنا في ليبيا الحبيبة
              وسؤالك الكريم عن ( يربو )
              قالت المعاجم :
              يَرْبُو إِذا زاد على أَيِّ الجهاتِ زاد
              وقال الشاعر ابن الأحمر:

              عُوجي ابنَةَ البَلَسِ الظَّنُونِ فقد = يَرْبُو الصَّغِيرُ ويُجْبَرُ الكسْرُ

              فإضافة ( ما ) قبل الفعل ( يربو ) تعتبر ( ما ) فيه زائدة ؛ بمعنى ( ما يزيد على كذا )
              وهي بنفس المعنى بدونها ( يزيد ) إلا أن التعبير بالنفي قبل الفعل قد يؤكده بالحرف الزائد غير العامل هنا .
              والله أعلم .

              تعليق

              • سلمى الجابر
                عضو الملتقى
                • 28-09-2013
                • 859

                #8
                ذكريات لا تنسى على مر الأيام
                كنت أنت و تلاميذك أروع الأبطال
                الأستاذ الجليل محمد فهمي يوسف
                وجدت نفسي مع هؤلاء التلاميذ و أنا أقرأ هذه الذكريات الجميلة
                كل التحية و الاحترام أستاذي

                تعليق

                • محمد فهمي يوسف
                  مستشار أدبي
                  • 27-08-2008
                  • 8100

                  #9
                  الأستاذة / سلمى الجابر
                  أشكر لك مرورك الطيب على خواطري وذكرياتي المتواضعة الصادقة والواقعية
                  والتي أعتبرها سردًا بسيطًا لأحداث ومواقف مرت بحياتي ، وليست من فن القص المتكامل العناصر
                  والتي تسجلها مخازن الذكريات عن أفراح وأحزان ووعود ووفاء ونقض أو أداء
                  وتلمذة عشناها جميعا في بدء حياتنا وكان المعلمون مختلفي الطباع والسلوكيات
                  مع تلامذتهم وتلميذاتهم بين محمودة أو مذمومة من أي طرف منهما ،
                  أرجو لنا ولهم وللجميع أن يغفر لنا زلاتنا في شقاوتنا ونحن في مرحلة الدراسة ،
                  فكل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون . تحياتي

                  تعليق

                  • أميمة محمد
                    مشرف
                    • 27-05-2015
                    • 4960

                    #10
                    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الأستاذ والأب الجليل محمد فهمي يوسف
                    صباح الخير لك ولليبيا الحبيبة من شرقها لغربها من شمالها لجنوبها من السهل للصحرء للجبل للوادي
                    صباح ليبيا الجميلة بخيراتها التي اغدقتها علينا بترابها وبساطها الشاسع بناسها الطيبين بقلوب أبنائها الكرماء البسطاء
                    ليبيا الجريحة الآن التي تعاني أسأل الله لبلادي الشفاء والحياة
                    وشخصيا مقصرة عن إضفاء لمحة عن بلادي ككاتبة لكن سأحاول إن شاء الله
                    النص جميل جدا ولي عودة له بإذن الله
                    التعديل الأخير تم بواسطة أميمة محمد; الساعة 20-11-2020, 06:23.

                    تعليق

                    • منيره الفهري
                      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                      • 21-12-2010
                      • 9870

                      #11
                      ذكريات جميلة لقيدوم المعلمين العرب..
                      ماشاء الله و كانك تحكي عني و انا في الفصل مع تلاميذي...
                      أعجبني النص كثيرا.
                      أطال الله عمرك و بارك خطواتك
                      أستاذنا الجليل محمد فهمي يوسف
                      تحياتي.

                      تعليق

                      • حاتم سعيد
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 02-10-2013
                        • 1180

                        #12
                        أحببت عملي ، فأحبني تلاميذي:
                        محمد فهمي يوسف
                        هنيئا لهذا الجيل بمعلّمه
                        نقف احتراما لنصّك وتجربتك الثريّة أستاذنا

                        من أقوال الامام علي عليه السلام

                        (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                        حملت طيباً)

                        محمد نجيب بلحاج حسين
                        أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                        نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                        تعليق

                        • أميمة محمد
                          مشرف
                          • 27-05-2015
                          • 4960

                          #13
                          كانت سردية جميلة برعت في الوصف فيها. كنا هناك في الفصل حيث تتجول
                          جميل أن يوثق الإنسان لقطات من حياته بهذه الدقةز تمنينا أن تطول وأن لا يغلب السرد الحبك القصصي
                          لكنها جميلة على أية حال.. جميلة حد الاستمتاع بكل حروفها وكلماتها

                          الأستاذ محمد فهمي يوسف
                          بالمناسبة الشكر لك وللمعلمين المصريين في مصر و الذين علمونا في ليبيا، وقد درسني عدة أساتذة مصريين
                          ممتنة لحرفك النزيه
                          تحياتي

                          تعليق

                          • محمد فهمي يوسف
                            مستشار أدبي
                            • 27-08-2008
                            • 8100

                            #14
                            الشكر والتقدير للأستاذة الفاضلة / منيره الفهري وجزاك الله خيرا لدعائك الطيب
                            والشكر والتقدير للأستاذ / حاتم سعيد و فقك الله وزادك ذوقا وحكمة
                            والشكر والتقدير للأستاذة / أميمة محمد ةجزاك الله خيرا على تقييمك الطيب
                            لخاطرتي المتواضعة في ليبيا مع تلاميذي الذين أتمنى أن يكونوا موفقين في حياتهم

                            تعليق

                            • أشجان الجهني
                              عضو الملتقى
                              • 03-09-2021
                              • 39

                              #15
                              حينما تتعلق الكتابة بالذكرى

                              أجد نفسي ضائعة بين الكلمات
                              وكأنها عادت الأن

                              ومازلت أنت هناك

                              وأنت خير من يعلم بأن أفئدتهم تصعد لسماء بسبب الإمتحان
                              و بإبتسامتك أعدت لروحهم للحياة

                              وأشرقت شمسك معهم وزال البرد عنهم وعنا

                              شكراً لمعلمي وأستاذي الفاضل🌸
                              ربي ليس لي أمن ولا أمان إلا بك 🌸

                              تعليق

                              يعمل...
                              X