[align=center]الرقص على برزخ الحياة
.......
" وضعت حرب يونيو سبعة وستين أوزارها وأسقطت معها كثيراً من الأقنعة البراقة الخادعة وكثيراً من الشعارات الجوفاء لقد غيرت خريطة المنطقة بأكملها وغيرت معها حياة كثير من البشر "
وقف رامون يتطلع إلى شاطئ مدينة حيفا بنظرات جوفاء لا تحمل أي تعبير، لا يشعر بأي شيء يدور حوله حتى انه لم يشعر بأصدقائه وهم ينادونه ليشاركهم لهوهم واحتفالهم بالنصر الكبير ولا باقتراب صديقته الحميمة استر ألا عندما احتضنته من الخلف وهي تسأله عن سبب شروده وعزوفه عنها وعن الأصدقاء، أبعد يدها عنه فنظرت أليه بدهشة وسألته بحده عما به، فتطلع إليها بذات النظرة الجوفاء ثم تركها وانصرف دون أن يجيبها بكلمة واحدة.
دلف رامون إلى منزله بعد أن فتح الباب بمفتاحه الخاص على غير عادته حيث كان معتاداً أن يقرع الباب محدثا صخبا عالياً حتى تفتح له أمه وتنهره فيقبل جبينها وهو يضحك ويصعد إلى غرفته أما ألان فلم يعد يفعل ،وجد أمه تجلس في ردهة المنزل تطلع أليها بحزن وألم لم يلتفت إليها وصعد مباشرة إلى غرفته دون كلمة واحدة تاركا خلفه أمه دامعة العنين ....
ألقى بجسده على فراشه دون أن يبدل ملابسه بعد أن صب لنفسه كأسا من خمر وأشعل سيجارة ينفس دخانها في الهواء وهو يراقبه بعينيه .دخلت عليه أمه فوجدته على هذه الحالة فجلست على طرف فراشه فأزاح وجهه عنها إلى الجهة الأخرى فبكت بحرقة وقالت له لماذا تعذبني كل هذا العذاب؟ هل لأننا أنقذناك من موت محقق؟ أم لأننا اتخذناك ابنا لنا؟ أنت في قلبي والله لأعز من ابني أنجبته من رحمي هذا لو كان مقدراً لي الإنجاب، حافظ رامون على صمته فزاد بكاء أمه وجذبته نحوها من قميصه وهي تصرخ فيه أنت ابني أن شئت أم أبيت فانا من رباك صغيرا حتى أصبحت شابا يافعا أنا من سهر عليك في مرضك أنا من فرح لنجاحك أنا من حزن لهمك أنت ابني أنا وليس بن ذلك العربي الأحمق ،هو تركك خلفه لتموت وفضل أن ينجو بنفسه وبزوجته وتركك أنت تواجه مصيرك وأنت لم تكمل عامك الأول بعد ولولا رحمة زوجي الذي هو أبوك وعطفه عليك لكنت ألان ميت مثل ألاف العرب الذين قتلوا في حرب الاستقلال ، أنت يهودي إسرائيلي وليس فلسطيني مسلم أتسمع ما أقوله جيدا أنت منا نحن فالأم ليست من تنجب بل هي من تربي، أزاح رامون يدها عنه بعنف وغادر البيت مسرعا تاركا خلفه أمه وقد ألقت بنفسها على فراشه بعد أن غسلته بدموعها.
ركب رامون سيارته يتجول بها في شوارع المدينة بغير هدى، تلعب الأفكار برأسه كما تلعب العاصفة بمركب صيد صغير فقد ربانه ،لقد تغيرت حياته تماماً ،كم كان سعيدا بانتصار جيش الدفاع على أقوى الدول العربية في طرفة عين وهو من يكره العرب والمسلمين أكثر من كره للموت نفسه، صحيح انه تعلم اللغة العربية وأتقنها مثل أهلها لكنه لم يتعلمها إلا مكرها رضوخا لرغبة والده رحمه الله فقد كان دائما يقول من عرف لغة أعدائه امن غدرهم ،هل حقا هذا هو السبب ؟!! أم لأنه عربي و يوما ما سوف يعود إلى بني جلدته ! ،اللعنة على تلك الحرب ليتها لم تكن فبعد انتصار جيش الدفاع وسيطرته على كل ارض الميعاد أصبح في إمكان سكان ارض يهودا و السامرة الوصول إلى إسرائيل بسهولة ويسر مما مكن ذلك العربي أبو عمر أن يصل إليه ويفجر القنبلة التي زلزلت حياته لقد ادعى انه ابنه وان اسمه ليس رامون وانه ليس بيهودي بل اسمه عمر وفلسطيني مسلم!!...مسلم! كيف؟! انه يمقت هذا الدين بل يمقت كل المسلمين والعرب هكذا تربى منذ الصغر، أبعد أن أصبح شابا في العشرين من عمره يعلم انه هو ليس بهو!! انه..عدوه!! يا لها من كارثة مضحكة..
لا!! .. بل كارثة مبكية حتى الموت.
وجد رامون نفسه يقف بسيارته أمام منزل أبو طلال العربي كما يسمونه في حيفا، نزل منها وتوجه مباشرة إلى المنزل ورن الجرس فأتاه صوت يسأل عن الطارق فأجابه انه رامون فأتاه الصوت مرة أخرى يقول تقصد عمر؟ ثم فتح الباب ودلف رامون إلى الداخل ،استقبله أبو طلال مرحبا ثم قال له كنت اعلم انك سوف تأتي إلي وها أنت أمامي تفضل بالجلوس، جلس رامون أمامه صامت لا يعرف ماذا يقول و أبو طلال ذلك العجوز العربي ينظر في عينيه مباشرة ثم قال أرى في عينيك أسئلة كثيرة يا عمر!! فاحتد عليه رامون قائلا لا تناديني بهذا الاسم مرة أخرى أفهمت؟ ، ابتسم أبو طلال وهز رأسه ثم قال سل ما بداخلك يا بني؟ نظر رامون إليه طويلا والكلمات تتلعثم بفمه لا تريد أن تغادره، عن ماذا يسأل عن كونه عربي حقا!! لقد اعترفت له أمه بذلك الم تخبره أن والده أو من كان يظنه كذلك قد وجده في منزل عربي ممن فروا أيام حرب الاستقلال فعطف عليه واتخذه ولدا له لأنه لم يكن يرزق بالأولاد ، أخرجه أبو طلال من شروده عندما سأله أن كان يرغب فنجان من القهوة؟ فهز رامون رأسه مرحبا بالفكرة ثم سأله مباشرا خوفا من أن تخونه قواه مرة أخرى فلا تخرج منه الكلمات.. لماذا؟ فقطب أبو طلال جبينه وأعاد إليه سؤاله.. لماذا ماذا يا بني؟ فقال رامون لماذا ظهر ذلك العربي ألان؟ لماذا تركني لأواجه الموت وأنا طفل صغير إذا كان حقا يتمسك بي كما يقول؟ فتنهد أبو طلال واخرج من صدره زفرة تحمل ذكريات مؤلمة ثم قال لو انك يا بني استمعت لأبيك أو لي عندما أتيناك ولم تقم بصم أذنيك عنا عندما عرفت بسبب قدومنا لحصلت على احابات لكل أسألتك ، على كل سوف أجيبك عما يدور بعقلك من أسئلة أنا اعرف الحاج حمدان من أيام البلاد قبل الهجرة انه إنسان عاقل ملتزم بتعاليم دينه كان تزوج من أمك فاطمة...فصرخ رامون في وجهه قائلا لا تقل أمك فانا رامون وأمي راشيل وأبي اسحق واعتز بهم هم من أنقذاني من الموت وقاما على تربيتي أما حمدان وفاطمة اللذان تتحدث عنهما تركاني وسط الموت ونجيا بأنفسهما فهدأ أبو طلال من روعه ثم قال أنصت يا بني حتى تعلم ولا تكون متسرعاً فتظلم إنساناً بريئاً ثم أكمل كما سبق وأخبرتك أن حمدان تزوج فاطمة وأنجبا طفلا جميلا وأسمياه عمر و هو أنت وكان هذا في أواخر عام 47 ولم تمر فترة طويلة حتى حملت فاطمة بطفل أخر الذي هو ألان خيري أخوك، لم يعترض رامون هذه المرة فالفضول سيطر على كل خلجة من خلجات جسده ،أكمل أبو طلال حديثه فقال وما أن بدأت الأحداث عام 48 حتى دب الرعب في قلوب الناس من العصابات الصهيونية وفي يوم وبينما كان الحاج حمدان يعمل في الحقل هجمت إحدى العصابات على القرية ،لم تقدر فاطمة على حملك والهروب بك وهي حامل في شهورها الأخيرة فهرعت إلى والدك الحاج حمدان في الحقل حتى يتصرف لكن كان الصهاينة قد سيطروا على القرية بأكملها وقتلوا كل كائن حي وقع في أيدهم لذا لم يستطيعا العودة وهاجرا مع من هاجر إلى الضفة الغربية وسكنا بمخيم طولكرم لكن حمدان ظل على يقين انك حي ترزق وأصر أن يكنيه الناس بأبي عمر وبعد حرب يونيو 67 أصبح بمقدور الحاج حمدان الدخول إلى مدينة حيفا بعد أن علم آن كل من نجا من المجزرة البشعة ولم يهاجر قد سكنها وبحث عني لأننا أصدقاء منذ الطفولة لمساعدته في البحث عنك ورغم محاولاتي لإثنائه عن ذلك لأنك من المؤكد قد مت مع من مات ألا انه رفض وأصر وقال أن قلبه يحدثنه بغير ذلك وبالفعل فعلنا ولم يكن من الصعب العثور عليك بعد أن اسر أبوك اسحق ذات يوما وهو مخمر إلى عامل الحانة بسرك الذي تكفل بنشره بالمدينة كلها والباقي أنت تعرفه جيدا فقد أتينا إليك وضغطنا على أمك راشيل لتقول لك الحقيقة ولولا خشيتها من تهديدنا بأننا سوف نخبرك نحن ما فعلت أبدا وبعد ذلك حضرت أنت وفعلت معنا ما فعلت، هذه كل الحقيقة يا بني وألان القرار قرارك ثم احضر قلم و ورقة وخط بعض كلمات عليها ثم ناولها إلى رامون وهو يقول هذا هو عنوان أبويك الحقيقيين في الضفة أن شئت ذهبت أليهم ،اختطف رامون الورقة من يده وانصرف مسرعا دون حتى أن يودع صاحب المنزل.
وقف رامون يتطلع إلى النجوم المضيئة في السماء من شرفة غرفته وهو يدخن سيجارته التي أصبحت لا تفارقه أبدا وكأنها امتداد طبيعي ليده ، هل ما قاله ذلك العربي أبو طلال صحيح أم انه فقط يريد أن يستمليه ويؤثر على قراره؟ هل حقا أبواه لم يتركاه ليموت وإنما حدث هذا بغير إرادتهم!! وبينما هو غارق في أفكاره دخلت عليه صديقته الحميمة استر الغرفة بعد ما اتصلت بها أمه لعلها تنجح في أن تخرجه مما هو فيه، التفت إليها رامون فوجدها ترتدي لباس عاري يظهر جميع مفاتنها وتضع من المساحيق ما يزيدها جمالا وإغراء التصقت به وقبلته دون أن يعترض أو حتى يسألها عن سبب حضورها جذبته من يده نحو الفراش وهي تنزع عنه ملابسه ثم شرعت بنزع ملابسها التي لم تكن في حاجة لذلك فهي لا تخفي الكثير من جسدها استلقيا على الفراش بدأت هي في مداعبته وإثارته لكنه كان كلوح من ثلج لا يتأثر فتوقفت وسألته عما به ولكنه تحجج بالإرهاق ، حاولت أن تتدلل عليه كعادتها لكنه تركها وتوجه إلى مكانه الأول بقرب النافذة فنهضت غاضبة وشرعت في ارتداء ملابسها و هي تصرخ فيه قائلة يبدو انك لم تعد تحبني! من المؤكد أن هناك فتاة أخرى في حياتك لقد كنت اشعر بذلك منذ البداية فليكن اذهب إلى من شئت لكن اعلم انك لن تراني مرة أخرى ثم خرجت وصفقت الباب خلفها بشدة أما رامون فقد ظل مكانه يتطلع إلى النجوم في السماء.
توجه الحاج حمدان إلى الباب ليرى من الطارق وما إن فتح الباب حتى وجد أمامه أخر إنسان كان يتوقع رؤيته لقد كان أمامه ابنه عمر بشحمه ولحمه، لم يتمالك الحاج حمدان نفسه فجذبه إلى حضنه وهو يقبل رأسه باكيا ومعتذرا له على انه لم يستطع إنقاذه وتركه خلفه ورامون مستسلم تمام له جذبه الحاج حمدان إلى داخل المنزل وهو يقول له ادخل يا بني فهذا بيتك وبيت أبيك ثم أسرع إلى إحدى الغرف وهو يهلل وينادي على زوجته فاطمة ويبشرها بعودة عمر ابنها إليها من جديد وما هي إلا لحظات حتى كانت أمه فاطمة أمامه تنظر إليه بعيون دامعة فرحة ثم هتفت عمر ولدي انه أنت .. نعم انه أنت فقلبي لا يخطأ ابدا ثم ألقت بنفسها عليه تحتضنه وتقبل كل مكان يصل إليه فمها حتى انها نحت تقبل قدميه فأنهضها رامون وهو يقول بوجه مذهول كفى .. كفى فنظرت إليه فاطمة نظرات تملئها الدهشة والخوف ثم صرخت ألا تصدقني إنني أمك اقسم لك ثم وضعت يده على صدر أبيه وقالت وهذا هو أبوك لكن رامون صرخ والدموع تغرغر في عينيه كفي ..حرام ما يحدث لي ..كفى!! واستدار ليغادر لمنزل لكنه اصدم بشاب يافع على باب البيت فصرخت أمه خيري هذا أخوك عمر لقد عاد ألينا.. لقد عاد ،تبادل الاثنين النظرات كل يبحث عن شيء في معالم الأخر شيء يثبت أنهم بالفعل إخوة لكن نظرات خيري كانت أكثر حدة أكثر بكثير...
مرت لحظات طوال وهم على هذا الوضع حتى قطع خيري هذا الصمت عندما قال أنت إذا عمر!! أم تحب أن أناديك برامون؟ فأجابه رامون بنوع من التحدي نعم أنا رامون وأنت خيري على ما اعتقد فهز خيري رأسه ثم قال أنت من تربى على يد أعدائنا حتى أصبح منهم أنت من طرد أباه من منزله عندما أتاه فتدخل الأب في الحديث مدافعا عن رامون فقال لقد كانت ردة فعل طبيعية يا خيري المهم انه ألان هنا بيننا ثم سحب رامون من يده وأجلسه بجواره وهو يقول ماذا يا حاجة ألن تطعمي ابنك عمر شيء من يدك فأسرعت فاطمة إلى المطبخ وهي تقول حالا وسيجهز (المسخن) جلس خيري بجوار رامون وهو ينظر له ذات النظرة الحادة ثم سأله عن ولائه لمن للعرب أم لليهود فنظر إليه الحاج حمدان بغضب وقال خيري ليس وقت هذا الكلام اصمت أو انصرف إذا شئت لكن خيري أكمل حديثه وبنبرة أعلي وقال أنت ألان تعيش حياتين فمن تختار رامون اليهودي القوي أم عمر المسلم المقهور !! ..اجب لم أنت صامتا هكذا؟! قالها و هو يصرخ في وجه رامون الذي وضع يده على رأسه وهو يهزها بعنف ويصرخ كفى بالله عليك كفى! لكن خيري لم يصمت بل نهض مسرعا ودخل إحدى الغرف وخرج وهو يحمل سلاحا في يده وهو يقول أتعلم ما هذه؟ أنها بندقية حصلت عليها من مخلفات الجيش الأردني أتعلم ماذا افعل بها؟ أنا سوف أخبرك فانا أقاوم بها اليهود حتى يكتب لي أما الشهادة أو أخراجهم من بلادنا ،صرخ به الحاج حمدان اصمت .. اصمت أيها المجنون لكن خيري لم يفعل بل استمر موجها حديثه إلى رامون وقال ألان يا عمر اخبرني أذا ما تقابلنا في الميدان هل تنصرني أم تقتلني؟!... فقام رامون وغادر لمنزل مسرعا وعيون الجميع تلاحقه.
تغيرت أحوال رامون بعد تلك الزيارة تماما أصبح لا يغادر الحانات ،يشرب الخمر ليل نهار لا يفيق من سكره أبدا ،أدمن كل أنواع المخدرات ،كثيراً ما كان يركب سيارته ويتوجه إلى منزل الحاج حمدان يقف أمامه بالساعات عله يحظي برؤية احد والديه أو أخوه خيري ثم ينصرف بعد ذلك دون أن يلحظه احد ،كل هذا و أمه راشيل تراقبه بفؤاد حزين مهموم ،وفي يوم لم تتملك نفسها فدخلت عليه حجرته وهو سكران كعادته وصرخت في وجهه وقالت أنك بتلك الطريقة سوف تموت ماذا حدث لك ؟ من يوم زيارتك لذلك العربي اللعين وحالك أصبح لا يطاق يجب عليك ألان أن تتوقف عما أنت فيه وان لم تفعل فلتخرج من هذا المنزل ولا تعود مرة أخرى لم يجيبها رامون فالخمر كانت قد سلبت كل قواه فأمسكت راشيل ملابسه وهزته بقوة وهي تصرخ اجب.. اجب!! لكنه لم يفعل فصفعته على وجهه فنظر إليها رامون بعد أعادت له الصفعة جزء من عقله وقال ماذا تريدني أن افعل؟ هل تريدين أن أكون عربي مسلم واحمل السلاح ضد اليهود مثل خيري؟ أم أكون يهوديا إسرائيليا أقاتل في جيش الدفاع مثل اسحق أبي؟ كيف ..كيف أكون قاتل ومقتول في ذات الوقت؟ كيف أكون الضحية والجلاد معا؟ كيف ..كيف وأنا لا اعلم من على حق ومن على باطل، هل اليهود على حق والعرب إرهابيون كما تعلمنا في مدارسنا؟ مازال كلام الحاخام يتردد في أذني وهو يقول إنهم أميون مالهم،عرضهم وأرضهم حلال لنا أنهم كالحيوانات أو اقل منزلة، كم كنت فخورا و سعيدا بهذا الكلام لكن ألان لا اعرف أن كان هذا هو عين الصواب أم لا ، أم تريدني أن أكون عربيا واحمل السلاح لأقتل اليهود مثل أخي خيري فهو أيضا يدافع عن أرضه وعرضه يأخذ بثأر الآلاف الذين قتلوا على يد جيش الدفاع بلا ذنب ، بالله عليك ماذا تريدني أن أكون .. ماذا؟ ،دفع راشيل أمامه فسقطت على الأرض وانصرف مسرعا فحاولت راشيل أن تلحق به وهي تناديه لكنه غادر فأسرعت إلى الهاتف واتصلت برقم ما وما أن أتاها المجيب حتى صرخت حاييم أنقذني رامون يضيع من بين يدي أرجوك ليس لي سواك فقط كنت صديق اسحق الحميم أرجوك أرجوك... ثم قصت له ما كان بينها وبين رامون.
خرج رامون من الحانة مخمورا كعادته وركب سيارته وتجول بها حتى انتهى به المطاف أمام منزل الحاج حمدان لكنه هذه المرة لاحظ شيئاً غريباً فقد كان هناك أمام المنزل بيت عزاء فنزل مسرعا وتوجه إليه فوجد الحاج حمدن يتوسط المجلس يتلقى العزاء من الناس وما أن رأى رامون حتى هم واقفا ثم صرخ فيه اذهب من هنا فهذا ليس مكانك ..مكانك هناك مع من تربيت معهم يا حسرتي على عمري الذي ضاع في انتظارك اذهب فمن يقتل أخاه لا حياة له هنا، صرخ رامون ملتاعا خيري مات كيف؟ فرد عليه احد الرجال أن جنود الاحتلال جاءوا لاعتقاله ثم قتلوه عندما حاول مقاومتهم ،صرخ رامون في الحاج حمدان واقسم له انه لم يفعل لكن الحاج حمدان أزاح بوجهه بعيدا.
عاد رامون إلى منزله منهك القوة باكي العينين فوجد راشيل في انتظاره كعادتها في ردهة المنزل وما أن رأته حتى همت تحتضنه وتقلبه قائلا الحمد لله على سلامتك كنت اعلم انك سوف تعود إلى أمك راشيل ، كنت اعلم انك سوف تفعل بعد أن تتخلص من تأثير ذلك العربي صدقني هو لا يستحقك أنا فقط من تستطيع أن تؤمن لك الحياة التي ترغبها، أزاح رامون يدها عنه وهو يقول أن كل شيء انتهى لقد مت خيري ويظنون أنني أنا من وشيت به فردت عليه راشيل على الفور لقد كان يستحق ذلك لم قاومهم عندما حاولوا اعتقاله؟ فتحجرت نظرات رامون وامسكها من يدها بعنف وصرخ بها كيف علمت بذلك؟! انه أنت أليس كذلك؟ انه أنت؟ فقالت وهي تفلت يدها من قبضته نعم!!.. وهل كنت تتوقع أن أتركك تضيع من يدي، نعم أنا من فعل!! نظر أليها رامون والشرر يتطاير من عينه ثم أسرع إلى غرفته موصدا الباب خلفه بعنف...
صعدت راشيل في الصباح إلى غرفة رامون بعد أن جهزت له الفطور المفضل لديه وما أن دخلت عليه الغرفة حتى انطلقت منها صرخة عالية .. صرخة أم ترى ابنها الوحيد يسبح في بركة من الدماء تلك الدماء التي كانت ينزف من قطع حاد في وريد معصمه.[/align]
.......
" وضعت حرب يونيو سبعة وستين أوزارها وأسقطت معها كثيراً من الأقنعة البراقة الخادعة وكثيراً من الشعارات الجوفاء لقد غيرت خريطة المنطقة بأكملها وغيرت معها حياة كثير من البشر "
وقف رامون يتطلع إلى شاطئ مدينة حيفا بنظرات جوفاء لا تحمل أي تعبير، لا يشعر بأي شيء يدور حوله حتى انه لم يشعر بأصدقائه وهم ينادونه ليشاركهم لهوهم واحتفالهم بالنصر الكبير ولا باقتراب صديقته الحميمة استر ألا عندما احتضنته من الخلف وهي تسأله عن سبب شروده وعزوفه عنها وعن الأصدقاء، أبعد يدها عنه فنظرت أليه بدهشة وسألته بحده عما به، فتطلع إليها بذات النظرة الجوفاء ثم تركها وانصرف دون أن يجيبها بكلمة واحدة.
دلف رامون إلى منزله بعد أن فتح الباب بمفتاحه الخاص على غير عادته حيث كان معتاداً أن يقرع الباب محدثا صخبا عالياً حتى تفتح له أمه وتنهره فيقبل جبينها وهو يضحك ويصعد إلى غرفته أما ألان فلم يعد يفعل ،وجد أمه تجلس في ردهة المنزل تطلع أليها بحزن وألم لم يلتفت إليها وصعد مباشرة إلى غرفته دون كلمة واحدة تاركا خلفه أمه دامعة العنين ....
ألقى بجسده على فراشه دون أن يبدل ملابسه بعد أن صب لنفسه كأسا من خمر وأشعل سيجارة ينفس دخانها في الهواء وهو يراقبه بعينيه .دخلت عليه أمه فوجدته على هذه الحالة فجلست على طرف فراشه فأزاح وجهه عنها إلى الجهة الأخرى فبكت بحرقة وقالت له لماذا تعذبني كل هذا العذاب؟ هل لأننا أنقذناك من موت محقق؟ أم لأننا اتخذناك ابنا لنا؟ أنت في قلبي والله لأعز من ابني أنجبته من رحمي هذا لو كان مقدراً لي الإنجاب، حافظ رامون على صمته فزاد بكاء أمه وجذبته نحوها من قميصه وهي تصرخ فيه أنت ابني أن شئت أم أبيت فانا من رباك صغيرا حتى أصبحت شابا يافعا أنا من سهر عليك في مرضك أنا من فرح لنجاحك أنا من حزن لهمك أنت ابني أنا وليس بن ذلك العربي الأحمق ،هو تركك خلفه لتموت وفضل أن ينجو بنفسه وبزوجته وتركك أنت تواجه مصيرك وأنت لم تكمل عامك الأول بعد ولولا رحمة زوجي الذي هو أبوك وعطفه عليك لكنت ألان ميت مثل ألاف العرب الذين قتلوا في حرب الاستقلال ، أنت يهودي إسرائيلي وليس فلسطيني مسلم أتسمع ما أقوله جيدا أنت منا نحن فالأم ليست من تنجب بل هي من تربي، أزاح رامون يدها عنه بعنف وغادر البيت مسرعا تاركا خلفه أمه وقد ألقت بنفسها على فراشه بعد أن غسلته بدموعها.
ركب رامون سيارته يتجول بها في شوارع المدينة بغير هدى، تلعب الأفكار برأسه كما تلعب العاصفة بمركب صيد صغير فقد ربانه ،لقد تغيرت حياته تماماً ،كم كان سعيدا بانتصار جيش الدفاع على أقوى الدول العربية في طرفة عين وهو من يكره العرب والمسلمين أكثر من كره للموت نفسه، صحيح انه تعلم اللغة العربية وأتقنها مثل أهلها لكنه لم يتعلمها إلا مكرها رضوخا لرغبة والده رحمه الله فقد كان دائما يقول من عرف لغة أعدائه امن غدرهم ،هل حقا هذا هو السبب ؟!! أم لأنه عربي و يوما ما سوف يعود إلى بني جلدته ! ،اللعنة على تلك الحرب ليتها لم تكن فبعد انتصار جيش الدفاع وسيطرته على كل ارض الميعاد أصبح في إمكان سكان ارض يهودا و السامرة الوصول إلى إسرائيل بسهولة ويسر مما مكن ذلك العربي أبو عمر أن يصل إليه ويفجر القنبلة التي زلزلت حياته لقد ادعى انه ابنه وان اسمه ليس رامون وانه ليس بيهودي بل اسمه عمر وفلسطيني مسلم!!...مسلم! كيف؟! انه يمقت هذا الدين بل يمقت كل المسلمين والعرب هكذا تربى منذ الصغر، أبعد أن أصبح شابا في العشرين من عمره يعلم انه هو ليس بهو!! انه..عدوه!! يا لها من كارثة مضحكة..
لا!! .. بل كارثة مبكية حتى الموت.
وجد رامون نفسه يقف بسيارته أمام منزل أبو طلال العربي كما يسمونه في حيفا، نزل منها وتوجه مباشرة إلى المنزل ورن الجرس فأتاه صوت يسأل عن الطارق فأجابه انه رامون فأتاه الصوت مرة أخرى يقول تقصد عمر؟ ثم فتح الباب ودلف رامون إلى الداخل ،استقبله أبو طلال مرحبا ثم قال له كنت اعلم انك سوف تأتي إلي وها أنت أمامي تفضل بالجلوس، جلس رامون أمامه صامت لا يعرف ماذا يقول و أبو طلال ذلك العجوز العربي ينظر في عينيه مباشرة ثم قال أرى في عينيك أسئلة كثيرة يا عمر!! فاحتد عليه رامون قائلا لا تناديني بهذا الاسم مرة أخرى أفهمت؟ ، ابتسم أبو طلال وهز رأسه ثم قال سل ما بداخلك يا بني؟ نظر رامون إليه طويلا والكلمات تتلعثم بفمه لا تريد أن تغادره، عن ماذا يسأل عن كونه عربي حقا!! لقد اعترفت له أمه بذلك الم تخبره أن والده أو من كان يظنه كذلك قد وجده في منزل عربي ممن فروا أيام حرب الاستقلال فعطف عليه واتخذه ولدا له لأنه لم يكن يرزق بالأولاد ، أخرجه أبو طلال من شروده عندما سأله أن كان يرغب فنجان من القهوة؟ فهز رامون رأسه مرحبا بالفكرة ثم سأله مباشرا خوفا من أن تخونه قواه مرة أخرى فلا تخرج منه الكلمات.. لماذا؟ فقطب أبو طلال جبينه وأعاد إليه سؤاله.. لماذا ماذا يا بني؟ فقال رامون لماذا ظهر ذلك العربي ألان؟ لماذا تركني لأواجه الموت وأنا طفل صغير إذا كان حقا يتمسك بي كما يقول؟ فتنهد أبو طلال واخرج من صدره زفرة تحمل ذكريات مؤلمة ثم قال لو انك يا بني استمعت لأبيك أو لي عندما أتيناك ولم تقم بصم أذنيك عنا عندما عرفت بسبب قدومنا لحصلت على احابات لكل أسألتك ، على كل سوف أجيبك عما يدور بعقلك من أسئلة أنا اعرف الحاج حمدان من أيام البلاد قبل الهجرة انه إنسان عاقل ملتزم بتعاليم دينه كان تزوج من أمك فاطمة...فصرخ رامون في وجهه قائلا لا تقل أمك فانا رامون وأمي راشيل وأبي اسحق واعتز بهم هم من أنقذاني من الموت وقاما على تربيتي أما حمدان وفاطمة اللذان تتحدث عنهما تركاني وسط الموت ونجيا بأنفسهما فهدأ أبو طلال من روعه ثم قال أنصت يا بني حتى تعلم ولا تكون متسرعاً فتظلم إنساناً بريئاً ثم أكمل كما سبق وأخبرتك أن حمدان تزوج فاطمة وأنجبا طفلا جميلا وأسمياه عمر و هو أنت وكان هذا في أواخر عام 47 ولم تمر فترة طويلة حتى حملت فاطمة بطفل أخر الذي هو ألان خيري أخوك، لم يعترض رامون هذه المرة فالفضول سيطر على كل خلجة من خلجات جسده ،أكمل أبو طلال حديثه فقال وما أن بدأت الأحداث عام 48 حتى دب الرعب في قلوب الناس من العصابات الصهيونية وفي يوم وبينما كان الحاج حمدان يعمل في الحقل هجمت إحدى العصابات على القرية ،لم تقدر فاطمة على حملك والهروب بك وهي حامل في شهورها الأخيرة فهرعت إلى والدك الحاج حمدان في الحقل حتى يتصرف لكن كان الصهاينة قد سيطروا على القرية بأكملها وقتلوا كل كائن حي وقع في أيدهم لذا لم يستطيعا العودة وهاجرا مع من هاجر إلى الضفة الغربية وسكنا بمخيم طولكرم لكن حمدان ظل على يقين انك حي ترزق وأصر أن يكنيه الناس بأبي عمر وبعد حرب يونيو 67 أصبح بمقدور الحاج حمدان الدخول إلى مدينة حيفا بعد أن علم آن كل من نجا من المجزرة البشعة ولم يهاجر قد سكنها وبحث عني لأننا أصدقاء منذ الطفولة لمساعدته في البحث عنك ورغم محاولاتي لإثنائه عن ذلك لأنك من المؤكد قد مت مع من مات ألا انه رفض وأصر وقال أن قلبه يحدثنه بغير ذلك وبالفعل فعلنا ولم يكن من الصعب العثور عليك بعد أن اسر أبوك اسحق ذات يوما وهو مخمر إلى عامل الحانة بسرك الذي تكفل بنشره بالمدينة كلها والباقي أنت تعرفه جيدا فقد أتينا إليك وضغطنا على أمك راشيل لتقول لك الحقيقة ولولا خشيتها من تهديدنا بأننا سوف نخبرك نحن ما فعلت أبدا وبعد ذلك حضرت أنت وفعلت معنا ما فعلت، هذه كل الحقيقة يا بني وألان القرار قرارك ثم احضر قلم و ورقة وخط بعض كلمات عليها ثم ناولها إلى رامون وهو يقول هذا هو عنوان أبويك الحقيقيين في الضفة أن شئت ذهبت أليهم ،اختطف رامون الورقة من يده وانصرف مسرعا دون حتى أن يودع صاحب المنزل.
وقف رامون يتطلع إلى النجوم المضيئة في السماء من شرفة غرفته وهو يدخن سيجارته التي أصبحت لا تفارقه أبدا وكأنها امتداد طبيعي ليده ، هل ما قاله ذلك العربي أبو طلال صحيح أم انه فقط يريد أن يستمليه ويؤثر على قراره؟ هل حقا أبواه لم يتركاه ليموت وإنما حدث هذا بغير إرادتهم!! وبينما هو غارق في أفكاره دخلت عليه صديقته الحميمة استر الغرفة بعد ما اتصلت بها أمه لعلها تنجح في أن تخرجه مما هو فيه، التفت إليها رامون فوجدها ترتدي لباس عاري يظهر جميع مفاتنها وتضع من المساحيق ما يزيدها جمالا وإغراء التصقت به وقبلته دون أن يعترض أو حتى يسألها عن سبب حضورها جذبته من يده نحو الفراش وهي تنزع عنه ملابسه ثم شرعت بنزع ملابسها التي لم تكن في حاجة لذلك فهي لا تخفي الكثير من جسدها استلقيا على الفراش بدأت هي في مداعبته وإثارته لكنه كان كلوح من ثلج لا يتأثر فتوقفت وسألته عما به ولكنه تحجج بالإرهاق ، حاولت أن تتدلل عليه كعادتها لكنه تركها وتوجه إلى مكانه الأول بقرب النافذة فنهضت غاضبة وشرعت في ارتداء ملابسها و هي تصرخ فيه قائلة يبدو انك لم تعد تحبني! من المؤكد أن هناك فتاة أخرى في حياتك لقد كنت اشعر بذلك منذ البداية فليكن اذهب إلى من شئت لكن اعلم انك لن تراني مرة أخرى ثم خرجت وصفقت الباب خلفها بشدة أما رامون فقد ظل مكانه يتطلع إلى النجوم في السماء.
توجه الحاج حمدان إلى الباب ليرى من الطارق وما إن فتح الباب حتى وجد أمامه أخر إنسان كان يتوقع رؤيته لقد كان أمامه ابنه عمر بشحمه ولحمه، لم يتمالك الحاج حمدان نفسه فجذبه إلى حضنه وهو يقبل رأسه باكيا ومعتذرا له على انه لم يستطع إنقاذه وتركه خلفه ورامون مستسلم تمام له جذبه الحاج حمدان إلى داخل المنزل وهو يقول له ادخل يا بني فهذا بيتك وبيت أبيك ثم أسرع إلى إحدى الغرف وهو يهلل وينادي على زوجته فاطمة ويبشرها بعودة عمر ابنها إليها من جديد وما هي إلا لحظات حتى كانت أمه فاطمة أمامه تنظر إليه بعيون دامعة فرحة ثم هتفت عمر ولدي انه أنت .. نعم انه أنت فقلبي لا يخطأ ابدا ثم ألقت بنفسها عليه تحتضنه وتقبل كل مكان يصل إليه فمها حتى انها نحت تقبل قدميه فأنهضها رامون وهو يقول بوجه مذهول كفى .. كفى فنظرت إليه فاطمة نظرات تملئها الدهشة والخوف ثم صرخت ألا تصدقني إنني أمك اقسم لك ثم وضعت يده على صدر أبيه وقالت وهذا هو أبوك لكن رامون صرخ والدموع تغرغر في عينيه كفي ..حرام ما يحدث لي ..كفى!! واستدار ليغادر لمنزل لكنه اصدم بشاب يافع على باب البيت فصرخت أمه خيري هذا أخوك عمر لقد عاد ألينا.. لقد عاد ،تبادل الاثنين النظرات كل يبحث عن شيء في معالم الأخر شيء يثبت أنهم بالفعل إخوة لكن نظرات خيري كانت أكثر حدة أكثر بكثير...
مرت لحظات طوال وهم على هذا الوضع حتى قطع خيري هذا الصمت عندما قال أنت إذا عمر!! أم تحب أن أناديك برامون؟ فأجابه رامون بنوع من التحدي نعم أنا رامون وأنت خيري على ما اعتقد فهز خيري رأسه ثم قال أنت من تربى على يد أعدائنا حتى أصبح منهم أنت من طرد أباه من منزله عندما أتاه فتدخل الأب في الحديث مدافعا عن رامون فقال لقد كانت ردة فعل طبيعية يا خيري المهم انه ألان هنا بيننا ثم سحب رامون من يده وأجلسه بجواره وهو يقول ماذا يا حاجة ألن تطعمي ابنك عمر شيء من يدك فأسرعت فاطمة إلى المطبخ وهي تقول حالا وسيجهز (المسخن) جلس خيري بجوار رامون وهو ينظر له ذات النظرة الحادة ثم سأله عن ولائه لمن للعرب أم لليهود فنظر إليه الحاج حمدان بغضب وقال خيري ليس وقت هذا الكلام اصمت أو انصرف إذا شئت لكن خيري أكمل حديثه وبنبرة أعلي وقال أنت ألان تعيش حياتين فمن تختار رامون اليهودي القوي أم عمر المسلم المقهور !! ..اجب لم أنت صامتا هكذا؟! قالها و هو يصرخ في وجه رامون الذي وضع يده على رأسه وهو يهزها بعنف ويصرخ كفى بالله عليك كفى! لكن خيري لم يصمت بل نهض مسرعا ودخل إحدى الغرف وخرج وهو يحمل سلاحا في يده وهو يقول أتعلم ما هذه؟ أنها بندقية حصلت عليها من مخلفات الجيش الأردني أتعلم ماذا افعل بها؟ أنا سوف أخبرك فانا أقاوم بها اليهود حتى يكتب لي أما الشهادة أو أخراجهم من بلادنا ،صرخ به الحاج حمدان اصمت .. اصمت أيها المجنون لكن خيري لم يفعل بل استمر موجها حديثه إلى رامون وقال ألان يا عمر اخبرني أذا ما تقابلنا في الميدان هل تنصرني أم تقتلني؟!... فقام رامون وغادر لمنزل مسرعا وعيون الجميع تلاحقه.
تغيرت أحوال رامون بعد تلك الزيارة تماما أصبح لا يغادر الحانات ،يشرب الخمر ليل نهار لا يفيق من سكره أبدا ،أدمن كل أنواع المخدرات ،كثيراً ما كان يركب سيارته ويتوجه إلى منزل الحاج حمدان يقف أمامه بالساعات عله يحظي برؤية احد والديه أو أخوه خيري ثم ينصرف بعد ذلك دون أن يلحظه احد ،كل هذا و أمه راشيل تراقبه بفؤاد حزين مهموم ،وفي يوم لم تتملك نفسها فدخلت عليه حجرته وهو سكران كعادته وصرخت في وجهه وقالت أنك بتلك الطريقة سوف تموت ماذا حدث لك ؟ من يوم زيارتك لذلك العربي اللعين وحالك أصبح لا يطاق يجب عليك ألان أن تتوقف عما أنت فيه وان لم تفعل فلتخرج من هذا المنزل ولا تعود مرة أخرى لم يجيبها رامون فالخمر كانت قد سلبت كل قواه فأمسكت راشيل ملابسه وهزته بقوة وهي تصرخ اجب.. اجب!! لكنه لم يفعل فصفعته على وجهه فنظر إليها رامون بعد أعادت له الصفعة جزء من عقله وقال ماذا تريدني أن افعل؟ هل تريدين أن أكون عربي مسلم واحمل السلاح ضد اليهود مثل خيري؟ أم أكون يهوديا إسرائيليا أقاتل في جيش الدفاع مثل اسحق أبي؟ كيف ..كيف أكون قاتل ومقتول في ذات الوقت؟ كيف أكون الضحية والجلاد معا؟ كيف ..كيف وأنا لا اعلم من على حق ومن على باطل، هل اليهود على حق والعرب إرهابيون كما تعلمنا في مدارسنا؟ مازال كلام الحاخام يتردد في أذني وهو يقول إنهم أميون مالهم،عرضهم وأرضهم حلال لنا أنهم كالحيوانات أو اقل منزلة، كم كنت فخورا و سعيدا بهذا الكلام لكن ألان لا اعرف أن كان هذا هو عين الصواب أم لا ، أم تريدني أن أكون عربيا واحمل السلاح لأقتل اليهود مثل أخي خيري فهو أيضا يدافع عن أرضه وعرضه يأخذ بثأر الآلاف الذين قتلوا على يد جيش الدفاع بلا ذنب ، بالله عليك ماذا تريدني أن أكون .. ماذا؟ ،دفع راشيل أمامه فسقطت على الأرض وانصرف مسرعا فحاولت راشيل أن تلحق به وهي تناديه لكنه غادر فأسرعت إلى الهاتف واتصلت برقم ما وما أن أتاها المجيب حتى صرخت حاييم أنقذني رامون يضيع من بين يدي أرجوك ليس لي سواك فقط كنت صديق اسحق الحميم أرجوك أرجوك... ثم قصت له ما كان بينها وبين رامون.
خرج رامون من الحانة مخمورا كعادته وركب سيارته وتجول بها حتى انتهى به المطاف أمام منزل الحاج حمدان لكنه هذه المرة لاحظ شيئاً غريباً فقد كان هناك أمام المنزل بيت عزاء فنزل مسرعا وتوجه إليه فوجد الحاج حمدن يتوسط المجلس يتلقى العزاء من الناس وما أن رأى رامون حتى هم واقفا ثم صرخ فيه اذهب من هنا فهذا ليس مكانك ..مكانك هناك مع من تربيت معهم يا حسرتي على عمري الذي ضاع في انتظارك اذهب فمن يقتل أخاه لا حياة له هنا، صرخ رامون ملتاعا خيري مات كيف؟ فرد عليه احد الرجال أن جنود الاحتلال جاءوا لاعتقاله ثم قتلوه عندما حاول مقاومتهم ،صرخ رامون في الحاج حمدان واقسم له انه لم يفعل لكن الحاج حمدان أزاح بوجهه بعيدا.
عاد رامون إلى منزله منهك القوة باكي العينين فوجد راشيل في انتظاره كعادتها في ردهة المنزل وما أن رأته حتى همت تحتضنه وتقلبه قائلا الحمد لله على سلامتك كنت اعلم انك سوف تعود إلى أمك راشيل ، كنت اعلم انك سوف تفعل بعد أن تتخلص من تأثير ذلك العربي صدقني هو لا يستحقك أنا فقط من تستطيع أن تؤمن لك الحياة التي ترغبها، أزاح رامون يدها عنه وهو يقول أن كل شيء انتهى لقد مت خيري ويظنون أنني أنا من وشيت به فردت عليه راشيل على الفور لقد كان يستحق ذلك لم قاومهم عندما حاولوا اعتقاله؟ فتحجرت نظرات رامون وامسكها من يدها بعنف وصرخ بها كيف علمت بذلك؟! انه أنت أليس كذلك؟ انه أنت؟ فقالت وهي تفلت يدها من قبضته نعم!!.. وهل كنت تتوقع أن أتركك تضيع من يدي، نعم أنا من فعل!! نظر أليها رامون والشرر يتطاير من عينه ثم أسرع إلى غرفته موصدا الباب خلفه بعنف...
صعدت راشيل في الصباح إلى غرفة رامون بعد أن جهزت له الفطور المفضل لديه وما أن دخلت عليه الغرفة حتى انطلقت منها صرخة عالية .. صرخة أم ترى ابنها الوحيد يسبح في بركة من الدماء تلك الدماء التي كانت ينزف من قطع حاد في وريد معصمه.[/align]
تعليق