العذراء والفستان الأبيض..!!
...........أحست برغبة مستعرة في التخلص من دبابيس آسرة تقمع حريتها ، وتقودها مكرهة إلى دركات الضياع ،وتمنت لو أن إعصار أوزلزالا من الأحداث يبعثر أشلاء ذلك الروتين الآسن، ويجرف بإشعاعاته الحارقة مداشر حاضرها ، ويلقي به متفحما في إحدى الكواكب البعيدة، لكي تلامس بعضا من طراوة الحياة، وتُنفخ أبواق الفرح في باحة قلبها ، معلنة عن ميلاد فجر يُفصَل فيه فستان عرسها الأبيض ويخاط على ماكنة الأمل ، تماما على مقاس جسمها الرشيق ..!هاهي ذي أميرة حسناء تتوسط الجميع برفقة عريسها الوسيم مراد، وقد انصبَت تجاهها الأعين ترتوي من نبع جمالها بعينيها الساحرتين، وشعرها الكستنائي المتماوج على كتفيها، وخديها المتوردتين حياءا، وبين الفينة والأخرى، يرشقها بنظرة حانية تكتنف بين أساريرها كل معنى لحب، عجز اللسان عن استيراد مفردات مخملية من قاموس اللغات للتعبير عن خفقاته!!
رباه !! ما أروعهما من حبيبين جمعتهما اللحظات كعصفورين اغتسلت أرواحهما الملتهبة بمطر الوصال .!!..لحن من عبير الزنابق قد أزهرت نغماته على قيثارة الزمن الوردي، لازالت سعاد ،تحتفظ بصحيفة انبجاسه في قفص ضلوعها، وهما يتقاسمان شهد الأشواق تحت شجرة الصفصاف، وقد تشابكت يداهما لتنقش على غصنها الأملس ،قلبا صغيرا يضم اسميهما كدلالة على نهر حبهما الجارف ،العفيف ورغبة في خلود ذكراه .من كان يُصدق أن المدللة –الشقية- قد أمست عروسا فاتنة وستحتسي اليوم كؤوسا من حلاوة الحياة وتهنأ أخيرا،وسترصع شراشف دنياها بخيط حرير ؟حفل بهيج ترامت روائح بخوره ،و أغطية موسيقاه، فغشت أجواء المدينة..!.الكل يبارك لأهل العروس، ويمطرونهم بالهدايا ، ويقايضونهم بعذب البسمات .
أهازيج ورقصات مابين تقليدية منتظمة على إيقاعات الدفوف، وأخرى عشوائية حديثة ..وزغاريد متتالية، سرعان ما خبت شعلتها الدافئة وتلاشى وميضها شيئا فشيئا، وتحولت إلى صرير بغيض.!فرقعة لسيارة مجنونة إخترقت جدان البيت ،كسَرت أضواء السقوف،عصفت بالموائد وأباريق الشاي وصنوف الحلوى، وغرست نصالها الزجاجية في صدرها،بعثرت تسريحة شعرها ورمت بها أسيرة بين براثن المعانات!!
غمامة من الصور الصاخبة، إستوطنت تجاويف مخيلتها فجأة ، وحشرتها في حفرة الألم من جديد ...! سيارة إسعاف وآهات شيخ يتساءل بمرارة :
هل كان سائق السيارة أعمى، حتى يقطع على هاته البنية فرحتها ؟؟!
أفواه تتحسر عليها تلك الفاتنة المضمَخة بالدماء، وقد كانت قبل لحظات عند "الحلاَقة" تتجهز لليلة عمرها، وامرأة تمشط سدرالوهن على رصيف الذكرى :
هل خلت الدنيا من النساء،حتى أزوج ولدي الوحيد من عاجزة، معاقة؟؟!
فتشابكت كل خيوط الرؤى المبهمة أمام جفن مستقبلها الباهت ،الذي أمسى يشبه طيفا هلامي الشكل والملامح ،يحده إطار من الوجع ،وتتوزع بين جوانبه ألوانا داكنة بعشوائية مفرطة، كما لوحة تجريدية، تعبت نبضات رسامها عن مضغ رتوشاتها الأخيرة ،فأسلمتها لوحش الإهمال . داهمت أشباح اليأس مملكة مشاعرها، وأتلفت ركائز عرشها بمعول الصمت ،فغدت معدمة من شبر إحساس، تجثو على حواف الحيرة، وتتبع بنظراتها المبعثرة في المرآة، آثار وجه غريب ، ليس هو ذلك الوجه الباسم الذي مُلأت صحون خلاياه بماء الورد ،وصُبغت أنسجته بألوان الصفاء!!نجم الطمأنينة الذي تمايست أنواره طربا على شرفات أختها الصغرى نجلاء في يوم زفافها ،لم يكن ليصيبها منه غير لسعات قاسية، أحرقت خبز أحلامها، ووأدت تحت رماده تراتيل السعادة..!عندما اقتحمت عليها خلوتها بفيض من المشاعر مودعة وشاكرة لها على هديتها الغالية،فستانها الأبيض .!
مارأيك ياسعاد !؟ أبدو جميلة وأنيقة به أليس كذلك؟!
،لم تسعفها حنجرتها العقيمةعلى لفظ وابل الحروف، التي غرقت في ملوحة ثغرها . إحتوتها بين ذراعيها تمرغها في رمضاء حضنها المتوهج ،وقد امتزجت دموع الفرح بأخرى تنتسب إلى الحنظل ، وبجنب سريرها كرسي نقال، قضى الأطباء أن يظل لها رفيقا مادامت على قيد الحياة!!!
تعليق