زيارة إلى عالم البرزخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فلاح العيساوي
    أديب وكاتب
    • 11-04-2011
    • 196

    زيارة إلى عالم البرزخ

    زيارة إلى عالم البرزخ

    بقلم : فلاح العيساوي

    اشتد بهم الجوع فخرج أبوهم لعله يجد لهم ما يسد به جوعهم الكافر، ورجع لكن بخفي حنين استقبلته زوجه المحبة بثغرها الباسم وروحها النقية ، فقال لها سعاد لم أجد ما يؤكل في السوق إن المجاعة قد عمت المدينة بأكملها ، فقالت يا احمد لا تهتم صبرنا جميل وفرج الله قريب ، فهرب احمد إلى الشارع وسار في الطرقات عله يخفف عن نفسه المعصورة وحدت به قدماه إلى المقابر ، أحس بتعب وألم في قدميه فجلس يستريح واطرق برأسه ووضعه بين ركبتيه وشبك يديه فوق رأسه والغم لا يفارقه وصور أحبائه وهم يحنون إلى القرص أو مجرد لقمة تتراءى إمام ناظريه ، نزلت دموع عينيه بحرقة وماجة به الدنيا حتى ضاقت به رغم وسعها ، فقال ( ربي رحماك ربي الغوث وبك نستجير يا من أنت احن من إلام على رضيعها اغث عيالي وارحمهم برزقك الواسع يا معطي ويا منعم ) !!،،،

    في هذه اللحظات سمع وقع إقدام فرفع رأسه وحد بصره فشاهد ثمانية رجال لباسهم ابيض ووجوههم تشع نورا وهم يحملون لوح خشب مستطيل الشكل يرقد فوقه رجل يشع النور منه، فقال في نفسه هذه الجنازة غريبة جدا !، فلم أر لها مثيلا من قبل !، لكن الواجب يحتم على الرجل المؤمن إن يشترك في تشييع جنازة أخيه المؤمن ، قبل إن ينهض من مكانه أصبح القوم إمامه فقال احدهم ، سيد احمد انهض وشيع معنا أخاك المؤمن ، نهض ولم يتوان ولحق بهم وجعل يتمتم بقراءة سورة الفاتحة ، و فجأة رأى احمد نفسه وهو في روضة غناء أشجارها كثيفة وباسقة وثمارها تشد البصر وتشتهيها الأنفس ، وأنهارها عجيبة ، فألوانها متعددة ، دهشة احمد جعلته يسير دون شعور إلى أين يسير ؟،، أو أين يقصد ؟،، حتى لاحظ قصرا جميلا ورائعا ، له حدائق خلابة ، وأشجار ثمارها لا تعد ولا تحصى !!...

    وقف احمد والدهشة بالمكان والرياض الرائعة أنست عالمه القاسي وما يوجد فيه من هموم وإحزان كثيرة مع أفراح نسبتها قليلة ، باب القصر كانت مزخرفة بأنواع المعادن الثمينة من الذهب والفضة ، ومرصعة بأغلى الأحجار والمجوهرات الثمينة ، وهنا لاح له رجل مهيب قادم نحوه ، وعند اقترابه اتضح له أن الرجل أبيه !!،، لكن أباه كان ميتا منذ سنين !،،

    اقبل الرجل نحو احمد وفتح الباب ثم تعانقا واخذ احمد يبكي بكاء الفرح المشتاق، وقال أبي أنت أبي ؟،، فقال نعم يا ولدي الحبيب إنا أبوك !!،، فلا تخف ولا تحزن فأنت في عالم البرزخ !!!،،،

    وضع أبو احمد يده في يد ابنه الغالي وادخله إلى القصر ، وما هي إلا لحظات حتى شاهد احمد أمه الغالية ، التي أخذته في أحضانها وصارت تشمه وتلثمه بقبلاتها الحارة ، وجلس الجميع على طاولة تحوي افخر وأطيب المأكولات مع أطيب الفواكه الصيفية والشتوية ، طلب أبو احمد من ولده إن يمد يده ويأكل ما لذ وطاب ، فمد يده وتناول ملعقة وغرف غرفة من صحن الأرز الفواح بعطر العنبر ، وقبل إن يضعها في فيه تذكر جوع أبنائه وزوجته ، فارجع الملعقة إلى الصحن ، فقال أبوه ولدي احمد لماذا لا تأكل ؟، ألست جائعا ؟، فقال نعم يا أبي إنا جائع لكن كيف لي بلذيذ الطعام وأبنائي وزوجتي جياع ، فقال ولدي ونور عيني بعد الطعام سوف أزيح عنك همك وغمك !!...

    أكل احمد طعامه الغريب واللذيذ ، فرغم كثرة ما أكل لكنه لم يحس بثقل أو تخمة إطلاقا ، واصطحبه أبوه إلى داخل القصر ، ورغم جمال القصر وزينته التي لم ير مثلها قط ، كان همه أطفاله ، فتح أبو احمد حجرة مليئة بالرز الذي تفوح منه رائحة العنبر ، وغرف غرفة وضعها في حجر احمد ، وقال ولدي احمد حان ألان الفراق المؤقت ، واعلم إن بركة هذا الأرز سوف تذهب إن أخبرت أحدا عن مصدره ، وفي أمان الله وحفظه !!...
    رفع احمد رأسه من بين ركبتيه ونظر إمامه فوجد نفسه جالسا في مكانه الأول !، لكن الرز في حجره يفوح بالعطر ، فنهض وأسرع إلى الدار ، استقبلته زوجته الحنون فأعطاها الأرز وقال اطبخيه واطعمي الأطفال ، فقالت وأنت ؟، فقال إنا لا اشتهي الطعام !!...

    بقى احمد مدة يومين لا يشتهي الطعام ، فحلاوة ولذة الغذاء الذي تناوله مع أبيه في عالم البرزخ ما زالت ترافقه ، إما سعاد فقد بدأت تلح عليه وتسأله كثيرا عن مصدر الرز العجيب ، إذ لاحظت إن الرز لا ينفد رغم أنها تأخذ يوميا منه للطبخ وعلى مدى أسبوع ، واحمد ما زال يكتم سر زيارته الغريبة والعجيبة إلى البرزخ ، فاحمد بكياسته صار يلاطف سعاد ويهرب من الجواب على سؤالها الدائم ...

    مضت أشهر عدة وانتهت المجاعة في المدينة، وما زالت سعاد ترغب في معرفة مصدر الرز، ولم يستطع احمد إن يصمد إمام تيار تساؤلات سعاد، فجلس واخبرها عن زيارته إلى عالم البرزخ ورؤيته لأبيه وأمه !، وان مصدر الرز من قصر أبوه !!...

    جاءت سعاد على عادتها لتأخذ من الرز غرفة لطبخه وعند فتح الصرة لم تجد حبة واحدة من الرز !، فأسرعت إلى احمد وأخبرته، فقال لها لا تعجبي، فأبي حذرني من إفشاء سر مصدر الرز، كي لا تذهب بركته، وألان بعد انتهاء المجاعة انتفت حاجتنا إليه والحمد لله على نعمه كلها.
    التعديل الأخير تم بواسطة فلاح العيساوي; الساعة 14-05-2011, 17:30.
    [read]
    تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
    [/read]
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    وصف بديع لعالم روحانيّ ،نورانيّ مفتوح على الخيال.
    شدّني لديك تسلسل الأفكار و وضوح المنهجيّة في القصّ.
    البناء ممتاز.
    و أراك قد نجحت إلى حدّ بعيد في بثّ الصّور داخل النصّ.
    و لكنّي دون مغالطة أرى أنّك حللت عقدة الجوع بالجلوس على حافّة قبر.
    أو كأنّ المسألة برمّتها مطيّة لوصف تمثّلك لعالم البرزخ.
    عذرا صديقي لكنّ الحكاية تبتعد بالعلّة على نحو نفهم معه أن لا فاقة و لا مجاعة في الأرض مادام هناك قبور.
    أقول هذا بدافع حثّك و حثّ نفسي على تقديم الوجع الانسانيّ على أنّه وجع لا على أنّه مأزق حلوله تأتي من تلقاء نفسها و بسهولة عجيبة.
    أشكرك أستاذ فلاح على سعة صدرك.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • مباركة بشير أحمد
      أديبة وكاتبة
      • 17-03-2011
      • 2034

      #3
      ياسلااام !
      شوقتنا إلى الجنان الخضراء، والقصور الواسعة الجميلة..!
      وإلى الرز المعنبر..!
      ولولا سعاد كانت سببا في إفشاء السر،لتواصل الخيرومانقطع أبدا.!
      تقديري لك أيها الكاتب المبدع على رحابة الخيال ،وعلى القلم البارع.
      تحيتي واحترامي

      تعليق

      • فلاح العيساوي
        أديب وكاتب
        • 11-04-2011
        • 196

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
        وصف بديع لعالم روحانيّ ،نورانيّ مفتوح على الخيال.
        شدّني لديك تسلسل الأفكار و وضوح المنهجيّة في القصّ.
        البناء ممتاز.
        و أراك قد نجحت إلى حدّ بعيد في بثّ الصّور داخل النصّ.
        و لكنّي دون مغالطة أرى أنّك حللت عقدة الجوع بالجلوس على حافّة قبر.
        أو كأنّ المسألة برمّتها مطيّة لوصف تمثّلك لعالم البرزخ.
        عذرا صديقي لكنّ الحكاية تبتعد بالعلّة على نحو نفهم معه أن لا فاقة و لا مجاعة في الأرض مادام هناك قبور.
        أقول هذا بدافع حثّك و حثّ نفسي على تقديم الوجع الانسانيّ على أنّه وجع لا على أنّه مأزق حلوله تأتي من تلقاء نفسها و بسهولة عجيبة.
        أشكرك أستاذ فلاح على سعة صدرك.
        الاستاذ محمد فطومي المحترم

        شرفني واعز قدري نقدك البناء الجميل ..

        واشرت لنا عن محاور مهمة وانسانية ،،،

        ان الجلوس على حافة القبر هو باب السفر الى عالم البرزخ

        فهم بطل القصة كان توفير الغذاء الذي يضمن استمرار الحياة لمن هم اعز من نفسه ،،،

        ولجوئه الى خالق عالم الدنيا وبقية العوالم كان علة سفره ورزقه من حيث لا يحتسب ،،،

        استاذي الكبير ارجو ان تكرر الزيارة والنقد البديع والبناء لما اكتبه واضعه في هذا الملتقى الراقي

        شكري وتقديري واحترامي الفائق

        تلميذك فلاح
        [read]
        تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
        [/read]

        تعليق

        • فلاح العيساوي
          أديب وكاتب
          • 11-04-2011
          • 196

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مباركة بشير أحمد مشاهدة المشاركة
          ياسلااام !

          شوقتنا إلى الجنان الخضراء، والقصور الواسعة الجميلة..!
          وإلى الرز المعنبر..!
          ولولا سعاد كانت سببا في إفشاء السر،لتواصل الخيرومانقطع أبدا.!
          تقديري لك أيها الكاتب المبدع على رحابة الخيال ،وعلى القلم البارع.
          تحيتي واحترامي
          الشاعرة والكاتبة المبدعة الاخت مباركة

          اينما تحلين فالبركة تعم المكان

          ربي يجعلك ِ من عباده المستحقين رحمته وجنانه

          اما سعاد فأنها امرأة وغلبها طبع بنات حواء ،،،

          فهي معذورة ، ونحن الرجال لنا الله منه نستمد القوة والصبر

          الجميل على تحملنا ازواجنا الغوالي ..

          شكري وتقديري لمرورك ِ العبق

          اخوك ِ فلاح
          [read]
          تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
          [/read]

          تعليق

          يعمل...
          X