هو والفراشة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله لالي
    أديب وكاتب
    • 07-05-2011
    • 74

    هو والفراشة

    هو والفراشــة ...




    اشتدّ عصف الريح ورعد في الأفق البعيد يزمجر كأنما ينذر الأرض بحرب شعواء ...

    تكوّم على نفسه في فراشه ممسكا بأحد مجلدات كتاب " ألف ليلة وليلة ".. هذا هو الربيع في الصحراء ؛ عواصف وأعاصير وأتربة تملأ الجو بذراتها المقرفة.
    ينصفق مصراع النافذة وينطفىء النور فجأة فيسود ظلام مدلهم يشقه بين حين وآخر سنا برق متوهج .. يقف في تأفف متلمسا الحائط ؛ باحثا عن بقايا شمعة هنا أو هناك .. يا له من ربيع أشبه ما يكون بامرأة متقلبة المزاج ؛ صلفة حرون ، ودود شموس ، هادئة ثائرة ، راضية ساخطة ، رائقة شرسة.
    لا يمكن له أن يستسلم لهذا الظلام المطبق وعشقه للقراءة يدفعه إلى إيجاد شمعة ولو من العدم ، وفي درج غصّ بالحاجيات الصغيرة المهملة مرت أصابعه على جسم أسطواني أملس .. إنها شمعة ، شمعة شبه كاملة ، هذا حسن للغاية .. سوف توفر له ساعتين من القراءة على الأقل ولا بأس بعدها إذا استسلم لعوالم النوم المغبشة ، أشعل الفتيل فاكتسى المكان بضوء خافت حرك في نفسه مشاعر جمة ، ... ألف ليلة وليلة وضوء شمعة خافت متماوج كأنما ينقل أحداث القصة إلى غرفته الضيقة ، حينها تمنى أن لا يعود النور أبدا ، النور يفضح التفاصيل أكثر مما ينبغي فتظهر البشاعة وتبدو العيوب جلية ..
    تماما مثل العروس التي تسقط عن وجهها غلالتها التي تمنحها جمالا كذوبا ، غدا المكان أكثر سحرا وأشد جاذبية ...قلب الصفحات في متعة جارفة .. وفي غمرة الذهول الأسطوري تندفع فراشة تائهة ؛ استفزها شعاع النور الخافت فاقتحمت المكان وجعلت تطوف في جنون حول الشمعة المتذاوبة في بطء رتيب دارت حولها بسرعة مذهلة ؛ ذات اليمين فلم يرتو ظمأها أعادت الكرة ذات الشمال .. انتشلته من عالمه المفعم بالغرائب والدهشة ... راح يتابع رحلتها نحو وهج النور .. اقتربت أكثر كادت النار تلهب جناحيها ، ابتعدت برهة موغلة في رحم الظلمة الخانقة ... وما كاد يتنفس الصعداء حتى عادت من جديد مصممة على الاندماج والذوبان في النبع الأحمر المتراقص باضطراب ..
    تراءت في مخيلته صورة باهتة لامرأة ذات ملامح خاطفة ، على قسماتها ارتسمت تقاطيع الريف الأصيلة، ابتلعتها دوامة المدينة الصاخبة ، حاول الأخذ بيدها في مدرجات الجامعة حيث التلقي المشترك لأبجديات المعرفة والحياة معا ..
    قال لها في صراحة مثيرة :
    - أنت زهرة نادرة فلا يضوعن أريجك هباء في الأقبية المظلمة أو تذوي في بهرج الضوء الخادع .. كوني لي بكلمات وإياك وثناء العابرين .
    تغنجت في دلال وانسابت في زلق المسافات المتعرجة ، بعد شهور ذوت الزهرة تحت قضبان حديد هادر لا يرحم ، قيل ساعتها أن نجما أغواها ثم أفل في غياهب المدينة العفنة ...
    ما تزال الفراشة تحوم بهوس .. النور يجذبها بقوة ، بسط كفه ونشها في رفق ، حطت على ظاهر كفه كأنما تلتقط أنفاسها أو ترجوه أن يخلي بينها وبين نشوتها الأخيرة ولتتلاشى بعدها راضية ...
    توهج خاطف يحيل الغرفة إلى نهار ثم يعود كل شيء إلى مكانه ، يعقبه دوي راعد كأنما السحب تقيم عرسا تعقد فيه قران الظلمة والنور .. الرياح تعزف لحنا مشوشا ... نظر إلى ظاهر كفه لم يعثر للفراشة على أثر ..هب واقفا وقد زاد وجيب قلبه ، خمن أنها كامنة هنا أوهناك تستجمع قواها لتبحر في بوتقة النور، إنها فترة هدنة حذرة بالنسبة له أبحر خلالها في أعماق ذاته المليئة بالكلوم، تردد في صدره صدى صوت هادىء ورزين :
    " الحياة بشكل أو آخر هي عبارة عن لعبة الفراش والنور...".
    وفجأة ومن صلب الظلمة المدلهمّة انبعث جسم صغير ولطيف ؛ ذو جناحين كأنهما المخمل ؛ مثل صاروخ موجه بدقة مخترقا لسان الشمعة الأحمر ، أعقبه صوت خاطف كأنه صوت اللحام ثم هوى مثل نجم سقط من الفضاء السحيق..
    انتفضت الفراشة في محاولة يائسة للنهوض .. خمدت بعدها إلى الأبد .


  • مباركة بشير أحمد
    أديبة وكاتبة
    • 17-03-2011
    • 2034

    #2

    والمتطلع إلى فانوس المجد،وجب أن يسلك طريق المجازفة...!!
    حتى ولو فيها نهايته..!! كما الفراشة والضوء..!!
    ..........
    بارع أنت أيها الكاتب المبدع
    في نشر الحروف لامعة على الورق..!!
    تحيتي والتقدير

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      النور يفضح التفاصيل أكثر مما ينبغي فتظهر البشاعة وتبدو العيوب جلية ..

      جميلة أخي الطيب
      قصة تحمل المتعة و التوتر
      و المعايشة الحلوة مهما كانت لسعات الحروف
      و تلك الفراشة
      و الربيع الذى حمل كل فصول السنة بل فصولا لم تكن فى السنة
      اللغة كانت منتقاة و مدهشة
      وروح كانت تطل رغم كل شىء متفاعلة تحمل الكثير من المرارات !!

      بوركت أخي الجميل

      محبتي
      sigpic

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        " الحياة بشكل أو آخر هي عبارة عن لعبة الفراش والنور...".
        تأسرنا الحياة ..يشدّنا وهج النور إلى أقصى الحدود ..و تكون لنا نفس نهاية الفراش.
        جميل هذا النص..جدا .
        تحيّة لقلمك
        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        يعمل...
        X