وشمٌ على صدرِ الحياة
عثروا عليه ممزقاً.
وجدوه مطحوناً تحت الجنازير الفولاذية الصدئةِ لدبّابةٍ وطأته بخيلاءٍ عارمٍ مثل أي شئِ يعثرُ بطريقهافتعبرهُ من غير اكتراث. ظلت نظارته السميكة المقعرة ومعطفه الكحلي شهوداً عليه وبطاقةً يحملها في محفظته الفارغة، أما ملامحهُ فقد التصقت بالقارِ الملطخ بدمه وغربته فضاعَ وجههُ ولم يبقَ له من أثرٍ إلا في الصورِ الرمادية.
بين أشلاءه المتناثرة ظلت أصابعه ممسكةً برسالةٍ مغبرةٍ، قبض عليها كما يبدو بكل قوته ليذودَ عنها الموت الذي رآهُ يندسُّ في جسده حينَ أحسَ ببدنهُ الهزيل يتفجر تحت السلاسل القاسية.
هذه بقاياه التي خلّـفها بعد أن سُحقَ بالإسفلت، هذا لحمه الذي تفلعَ في كلِّ الأنحاء وظلّ يسفح دماً ناصعاً سحّ بالذكريات لموطنٍ بعيدٍ وسالَ كما سالت سنيُّ عمره التي شربتها الغربة والمنفى الموحش، ولأنهم يعرفونَ رائحته التي يشمُّ كلٌ منهم فيها رائحة ريفه وقريته النائية، عرفوه، انتشلوا أوصاله بجأشٍ غلظَ كما تغلظ الأغصان الرخوة حينَ تدافعها الريح، فقد أجبرتهم الحياة على اقتحام الموت وهو يقهرهم على وداع الأقربين فوطنوا أفئدتهم على حملِ رفيقهم أعظماً ومزقاً من لحمٍ ضنت عليها الدنيا بمطعمٍ ومشرب.
ذهبوا للغرفة التي كان يقطنها في منزلٍ متهالك اشتركَ في سدادِ إيجاره مع آخرين يسكنون بقية غرفه، في المدخل رأوا رجلاً عاد للتوّ من عملٍ مضنٍ وهوَ يمسح العرق عن جبينه فسألوه عن غرفةِ صاحبهم، أشارَ لبابٍ خشبيٍ مهترئ، فتحوه ودخلوا الغرفة التي وجدوها ضيقةً كالزنازين المعتمة، رائحة الرطوبة تملؤها بسبب الشقوق التي ينسرب منها المطر، حتى الجدرانُ ضنت عليه بنافذةٍ يفتحها كل صباح ليذرفَ أشعارهُ وأغانيهِ ودموعه وهو يأخذُ نفساً بعمقِ جراحه ويمطُّ ذراعيه ثمّ يروحُ في حلمٍ خافت.
أشعل أحدهم قدّاحة سجائره ليتبين زرّ المصباح الكهربائي، ضغطه وانتظروا فلم يروا نوراً:
-أوه..لا توجد كهرباء ؟
الآن فهموا لماذا كان صاحبهم يذوبُ خجلاً حين يلزمه أن يستضيف أحداً في غرفته، ولذلك انقطعَ مدةً طويلةً عن مجالسةِ أيِّ أحد. كانوا يرونهُ مرةً يبيعُ الجرائد على المارة، ومرةً يفركُ أحذية العابرينَ بأجرٍ زهيدٍ أو يقتعد الأرصفة بحثاً عن عملٍ يسدُّ رمقهُ ويذرأ عنه العوز، وكلمّا مرُّوا به كان يغمزُ بعينيه اللتين تلوحان من وراء النظارات القديمة صغيرتين مثلَ حبات الأرز فيضحكُ ويقهقه ببراءةِ طفلٍ وداع، ويمضي راجياً العابرينَ شراءَ ما لديه من الجرائد.
* * * *
ببأسِ جنديٍ يافعٍ يمتلك جسارة الوقوف على جسد صاحبه الذي مزقته طلقة أو شظيةٌ خائنة، شدوا قاماتهم وألحدوه في حفرةٍ ضيقةٍ، حيوهُ وودَّعوهُ بأدمعٍ أرطبت قبره، القبرُ الذي دفعوا ثمنه بدينٍ تقاسموه بعدما أخبروهم بأن الغرباء لا يدفنون من غيرِ ثمنٍ في بطنِ هذه الأرض. في قلوبهم استعرت حسراتٌ وآهات:-هل يجبُ أن ندخر مبلغاً لشراء قبورنا ؟
الموتى يرحلون كما جاؤوا، تكفيهم خرقةٌ صفراء، ولكنّ البعضَ لا يجد من يلحده، وفي وطنهم يلفون شاهد القبر بأعز ثوبٍ يلبسه المتوفى، ويصبون على قبره ماء الورد ويغرسون في طينهِ الرطيب أعواد الريحان والمشموم، وينوحون عليه ويهدونه باقاتٍ من آياتِ الله ويضرعون إليه في أن يتقبله ويسكنه الفردوس. وكعاداتهم، لفوا شاهد قبرهِ بقميصه وأتى أحدهم بقطعةٍ حديديةٍ مسننةٍ وحفر فوق الشاهد اسمه وموطنه وتاريخ وفاته، ثم صبّ في النقشِ طلاءاً أسوداً حتى يتشربه النقشُ فتحفظ ما كتبه، وقد ذيلَ كلّ ذلكَ بكلمةٍ بالغَ في التفنن فيها:
- الفاتحة لغريبٍ ظلّ يحنُّ لوطنه.
أجهشوا جميعهم، تذكروا كيفَ سيغدو قبر صاحبهم مهجوراً عندما لا يأتي أهلوه فيرشوا ماء الوردِ على تربته ويفرشَون ريحانةً أو مشمومةً خضراء علامةً على وجودِ قلبٍ لا زالَ يخفق باسمه وذكراه، جلّ ما يعرفونه أن أباه ماتَ وهو طفلٌ في الرابعة، وأنّ لديه أختاً وحيدةً وأمهُ التي عميتْ واسودتْ عيناها بعد أن هطل ماءٌ غليظٌ جعلها تعثرُ في مشيها وتخبطُ الجدران، ثمّ باغتها الموتُ عندما سقطتْ في حفرةٍ عميقةٍ قرب دارهم.
هذا الخبرُ وصله عندما اتصل بأختهِ الوحيدةِ، فلامتهُ على جفاءهِ.
ردّ عليها باكياً:
-لا تلوميني!، ليس لدي شئ، وليس بمقدوري العودة، فأنت تعرفين الحال ؟
كانت أمه تحمل أمنيتها الوحيدةَ وتقتعدُ ركن الغرفةِ على حصيرٍ خوصيٍ بعد أن انطفأت عيناها وهي تمني النفس بعودة ابنها الذي أكلته المنافي لتدفنه في صدرها ثمّ تفتحُ ذراعيها للموتِ وتعانقه، ولكنّ الموتَ أسرع في خطف أي روحٍ هادنته أم عاندته.
* * * *
ليلُ المنفى أوحشُ من ظلمة القبر، لصوصٌ وعاهرات وخطواتٌ تائهة، إنهُ حفرةٌ يردمُ فيها الغرباءُ رائحتهم وذكرياتهم ولا يجدون أمامهم غير الشوارعِ والأرصفة العارية تصيخُ لهم السمع ولا تتنكر لقصائدهم وتشاركهم حزناً أكبرَ من حيزها.بعد أن أقفلَ الهاتف مع أخته، خرجَ للشارعِ كالتائه في بحرٍ لجي، رأى القمر الذي أكل نصفهُ الليل ومصابيح الشوارع التي انطفأت وأغرقت الشوارعَ في حلكةٍ رهيبةٍ سوى نوافذٍ تدسُّ ضوء مصابيحها وتسكبها في الطرقاتِ لتدل العابرين. لم يجد منديلاً يمسح به دموعه ولا كتفاً يلقي برأسهِ عليه ويغمد فيه أوجاعه، ظلّ يعبرُ الشوارعَ راكضاً، ويقفُ أحياناً ليرفع رأسه للسماء ويصرخُ:
-أماه سامحيني..أرجوكِ سامحيني.
لم يلتفت إليه أحدٌ غير بعض المارة الذينَ مطوا أكتافهم وحواجبهم في استغرابٍ. ظلّ يركضُ وصورةُ أمه تتلون في السماء الحالكة وهي تتشح بخمارٍ أبيضٍ صافٍ كأجنحة الحمام ثمّ يراها تهزّ رأسها عاتبةً وتنبت دمعتين على أهدابها وتختفي. ظلّ يذرف أعذاره وينادي في السماء كالمجنون:
-أماه سامحيني...صدقيني ليس باليد حيلة !
عندما حطت أقدامه في غرفته الباردة، أخرجَ دفتراً قديماً اشتراه منذ زمن ليكتب فيه رسائله وخواطره، كانت أطرافهُ ترتجف ولسانه كلّ عن ملاحقة الأحرف الشاردة. عزمَ أن يكتب رسالةً لأخته، يبث فيها حزنه ويرتجي الإعذار منها ومن أمهِ الراحلة فإذا طلع الصباحُ يذهب للبريد ويرسلها على وجه السرعة.
مرغ رأسه في الأوراق وأمسك بالجدار المتهتك وظلّ ينشجُ طويلاً، ثمّ إذا استعاد وجه أمه بخمارها الأبيض النقي، انتشل الدفتر وأجرى قلمه على الأسطر الباهتة:
أختي الحبيبة...
لم يوجعني المنفى ولا الغربة كما أوجعني فراقكم الصعب، كنتُ أمني النفس بالعودة لأغسلَ جراحَ القلب وأنا أمد يديّ وذراعيّ لأعانقكن.
أمي الحبيبة، آه...أراها في سماء المنفى تطلع بخمارٍ أبيضٍ وتذرف دمعتي عتابٍ بحقي ثمّ تروح، لا أحتمل هذا الألم صدقيني، قمتُ أركضُ في الطرقات، أريد أن أدفن رأسي في حجرها، أنْ تذود عني مارد الزمنِ الذي قذفني في هذه اللجة المخيفة، أريدُ أن أبكي على كتفيها حتى تجف الدموع ويضرعَ القلب ولكنها رحلتْ قبلَ أنْ تحقق أمنيتها التي ظلت تركضُ وراءها حتى سقطت في تلك الحفرة التي كان يكمن فيها الموت.
أختي الحبيبة..
لو كان باليد حيلةٌ لما بقيت هنا، منذ سنتين وأنا أعيش على ضوءِ شمعةٍ يتيمةٍ تؤنس ظلمةَ غرفتي الصغيرة، صرتُ لا أقدر على دفع مصروفات الكهرباء، وبقيت مهدداً أن أُرمى بلا رأفةٍ في شوارعهم المرعبة، أما عينايَ فقد غارتا وأظلمتا ولم تعد تنفع معهما العدسات مهما تقعرت.
أحياناً أخبط الجدران كالأعمى، وأحياناً أدعو أحدهم ليدلني على الطريق إن كان في قلبه فتاتُ رأفةٍ لم تدنسها الحياة.
أختي الحبيبة...
اغفري لي وقولي لأمي وهي تحتفر قبرها أن تغفر لي وتسامحني، ولا تنسي أن تضعي ياسمينةً على قبرها باسم أخيكِ البعيد.
إلى لقاءٍ قريب
أخوكِ المقصر:
....
* * * *
طلعَ الصباح وهو يسند رأسه على الجدار وأدمعهُ تتهاطلُ كالمطر الذي أغرقَ الشوارع بالخارج، لبسَ معطفه الكحلي قاصداً مكتب البريد القريب. كان لا بدّ أن يعبر الشارعَ لكي يصلَ إلى المكتب الذي خفقَ قلبه عندما لمحه وقد خيلت له أخته وهي تمسكُ برسالته فتشمها وتقرؤها ولا تجدُ غير أن تسامحهُ وتغفر له.ظلتُ عيناهُ تذرفان وجعاً طويلاُ تيبس في مفاصله ولم تلنه غيرَ هذه الفاجعة فأسمعَ الأرصفة والعابرين نشيجه وهو يرى أمه بين الغيمِ المتراكم تطلعُ في خمارٍ أبيضٍ نقي وفوق محاجرها تنز دموعها الشفافة ثمّ تختفي. كان يصرخ:
-أماه سامحيني..أرجوكِ سامحيني.
تلاطم البحر المجنون في داخله فاتشحت عيناه بضبابٍ كثيف أجبره أن يتكأ على السور القريب، لم يعد يرى شيئاً غير بوابةِ مكتب البريد والحارسِ الذي ينتصب في الجهة المقابلة، ألحت عليهِ ذكرياتهُ أن يعبر الشارع بأي ثمنٍ ليوصل الرسالة فطلبَ من عددٍ من العابرين أن يعينوه فلم يعره أحدٌ سمعاً وقابلوه بمطّ شفاههم ظانين أنه في حالةٍ من الهذيان.
يأسَ منهم فشد قامته عازماً على عبور الشارعِ، حطّ بقدميه على الطريق ودفعَ جسده للأمامِ، ظلّ المكتبُ يبعدُ عنه أكثرَ فأكثر ويحجبهُ عنه ضبابٌ ودخانٌ كثيفٌ حتى زاغ بصره ولم يعد يرى ذلك المبنى، بقيَ يصيح:
-أماه سامحيني..سامحيني.
كوّم أصابعه وأمسكَ الرسالةَ وحلمٌ أخضر يعبر عينيه قبل أن تزحف على جسده السلاسل والجنازير القاسية التي سحبتهُ عنوةً ليكونَ وشماً أحمراً على صدرِ الحياة !.
تعليق