قراءة في نص قصير جدا لراحيل الأيسر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مختار عوض
    شاعر وقاص
    • 12-05-2010
    • 2175

    قراءة في نص قصير جدا لراحيل الأيسر

    النص:

    لصٌّ، مخنث



    [gdwl]
    لم يكترث أنها لتاء التأنيث، فقد وجدها ثيابا فاخرة؛
    ولأنها كانت فضفاضة على جـرمه الضئيل، حين ارتداها خلعته!!
    [/gdwl]

    القراءة:


    يُخطئ من يستسهل كتابة القصة القصيرة جدا؛ إنها الفن الصعب، ولابد لمبدعها من التسلح بأدوات لعل من أهمها اللغة الشاعرية المرهفة، والقدرة على إحكام الصياغة بما يضمن عدم تشتيت ذهن المتلقي، والمهارة في استخدام الضمائر، بالإضافة لضرورة إتقان اختيار العنوان بما يفيد فكرة النص، والاستفادة منه كجزءٍ أصيل في بنائه، ولعل من أهم ما ينبغي مراعاته في هذا الجنس الجديد أن يفهم كل من المبدع والمتلقي (الذي لا ينبغي النظر إليه كمجرد قارئ، وإنما كشريك للمبدع في النص) أنّ هذا النص يجب أن يوحي أكثر مما يسرد تفاصيل الحدث، ولهذا نجد بعض النصوص المتميزة تكتفي بعرض حدث عام يمكن النظر إليه كنموذج فارغ تاركة للمتلقى خلق أرواح شخوصه ومنحها الحياة والقدرة على الفعل فيصير النصُّ نموذجا مكتمل البناء على يد المتلقي (وهذا فيما أرى ما تعنيه نظرية التلقي لأدب ما بعد الحداثة، بعد أن انقضى زمن النقد والقراءة الذي كان يقف بأدوارنا كنقاد أو قُرّاء عند مرحلة القراءة، والحكم على المبدع من خلال نجاحه أو إخفاقه في تصوير ما أحسّ به أو أراد نقله من خبرات في قالب أدبي جميل).
    كانت هذه رؤية عامة أحببت أن أجعلها مقدمة في القصة القصيرة جدا قبل أن أنتقل إلى قراءة تطبيقية لأحد النصوص (لصٌّ مخنث) للمبدعة / راحيل الأيسر؛ تلك الأديبة التي تتميز نصوصها برشاقة الصياغة والقدرة على صنع الدهشة؛ ولعل هذا النص القصير جدا الذي بين أيدينا هو خير شاهد على هذه الحقيقة إذا ما تأملنا الكيفية التي اتبعتها المبدعة في بناء هذا النص القصصي القصير جدا.

    (1) يبدأ النص بالعنوان (العتبة الأولى للنص) وهو هنا مكون من كلمتين اثنتين (لصٌّ، مخنث) تعمَّدت المبدعة أن تتخللهما فاصلة ربما لجذب انتباه القارئ نحو سمتين أساسيتين للشخصية المحورية في النص، وهما في الحقيقة صفتان شديدتا الأهمية في بناء هذا النص كما سنرى، بل إنني لا أكون مجاوزًا للحقيقة إذا قلت (بالإضافة لكونهما يعنونان النص) إنهما يمثلان اللبنة الأساسية في بنائه (وهي تقنية أراها ناجعة في بناء القصة القصيرة جدا بما عُرف عنها من حاجة للتقتير في استخدام المفردات).

    (2) ننتقل الآن إلى المتن (جسد النص) مُحملين بما اختزنه العنوان داخلنا من فكرة عن الشخصية التي يتمحور حولها النص لنُفاجأ بجملة افتتاحية توحي ولا تقول:
    "لم يكترث أنها لتاء التأنيث"؛
    فماهي تلك التي تخص الأنثى ولم يكترث لها؟ لنجد الإجابة حاضرة بقوة في الجملة الثانية:
    "فقد وجدها ثيابا فاخرة"
    هل بدأت الصورة تتضح بعض الشي؟
    أعتقد ذلك؛ فنحن أمام "لص، مخنث" كما حدّد العنوان، وهو عندما وقعت عيناه على ملابس نسائية لم يكترث لكونها لا تناسب نوعه الذكوري.
    فإذا انتقلنا للجملة الثالثة من النص:
    "ولأنها كانت فضفاضة على جُرمه الضئيل"،
    لوجدنا أنفسنا أمام جملة اعتراضية تمكنت ببراعة من وضعنا فيما يمكن اعتباره عقدة القصة، بل ووضعتنا أمام أسئلة جوهرية حول ماهية الجرم الذي ارتكبته الشخصية؟، وحول ضآلة هذا الجرم للدرجة التي جعلت الملابس النسائية التي ارتداها اللص تبدو فضفاضة على هذا الجرم، وهما سؤالان لن نتمكن من فضّ قفليهما قبل أن تنضم لنا الجملة الخاتمة للنص:
    "حين ارتداها خلعته!!"
    وهي جملة (فوق جمال بنائها الذي اعتمد المفارقة بين "ارتدى" و"خلع"، وهو ما تقتضيه قفلة هذا النوع من النصوص) جاءت كطلقة كاشفة؛ إذا انتبهنا إلى أن الفعل (ارتداها) كان للملابس النسائية بينما الفعل (خلعته) لابد أن يكون عائدًا إلى زوجة هذا اللص المخنث بعد أن قرّرت – احتقارا له – ألا تستمر حياتها الزوجية معه؛ إذًا فلابد أن يكون هذا الشخص قد ارتكب جرمًا تافهًا ربما لا يمكننا تحديده بدقة في مثل هذه النصوص القصيرة جدا حيث يكتفي المبدع بالإشارة للأحداث دون الخوض في تفاصيلها تاركًا للقارئ فرصة إعادة إنتاج النص أثناء عملية التلقي كما أشرتُ في المقدمة (وهي عملية لا تخلو من متعة تعادل تلك المتعة التي يكابدها المبدع الأصلي ذاته في شراكة محببة بينهما، وهو في الوقت ذاته ما نادت به حركة ما بعد الحداثة في الأدب التي كانت القصة القصيرة جدا إحدى ثمارها)، ولكي تكون قراءتي للنص أكثر تطبيقية أستطيع تصّور أنّ الزوجة اكتشفت أن زوجها سرق بعضًا من ثيابها (أو ثياب غيرها) ليتمكن من التخفّى في زيّ امرأة مما يتيح له حضور حفل نسائي فيتمكن من الفرجة على ما يحدث من رقص وعري وغناء تسمح النسوة لأنفسهن بممارسته في جو نسائي خالص مما أسقطه من نظرها بعدما اكتشفت قلة أمانته (لص) وعدم احترامه لرجولته (مخنث)، وهو - فضلا عن ذلك - جرمٌ تافه ضئيل يدل على دناءة نفس استحق مرتكبه قرار زوجته بخلعه.

  • راحيل الأيسر
    أديبة ومترجمة
    • 05-10-2010
    • 414

    #2
    ياسيدي الراقي والمعطاء / مختار عوض .

    أشكرك على كل كلمة كتبتها هنا ، وعلى جهدك المبذول والواضح وعلى وقت ثمين اقتطعت منه لهذه الراحيل ( تقرأها ، تغوص في أعماق حرفها )


    كل عبارات الشكر وجدتها ضئيلة أمام قامتك أيها الجليل ، فأنا أؤمن ياسيدي أن العبارات قاصرة مهما بلغت بلاغة المفردة إذا ماجاء الأمر مرتبطا بامتنان عميق تشعر به تجاه عطاء الأسخياء ..


    فلك شكري وإن كان غير واف ، ولك تقديري .

    لم يبق معي من فضيلة العلم .. سوى العلم بأني لست أعلم

    تعليق

    • مختار عوض
      شاعر وقاص
      • 12-05-2010
      • 2175

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة راحيل الأيسر مشاهدة المشاركة
      ياسيدي الراقي والمعطاء / مختار عوض .

      أشكرك على كل كلمة كتبتها هنا ، وعلى جهدك المبذول والواضح وعلى وقت ثمين اقتطعت منه لهذه الراحيل ( تقرأها ، تغوص في أعماق حرفها )


      كل عبارات الشكر وجدتها ضئيلة أمام قامتك أيها الجليل ، فأنا أؤمن ياسيدي أن العبارات قاصرة مهما بلغت بلاغة المفردة إذا ماجاء الأمر مرتبطا بامتنان عميق تشعر به تجاه عطاء الأسخياء ..


      فلك شكري وإن كان غير واف ، ولك تقديري .
      مبدعتنا الراقية الخلوقة الأستاذة
      راحيل الأيسر
      يعلم الله أنني ما كتبت حرفًا واحدًا أبتغي به مجاملة..
      فقط اجتهدت، وأدعو الله أن أكون وفقت في قول كلمة حقّ يستحقها قلمك الراقي..
      تقديري ومودتي كما يليق بإبداعك الرائع، وخلقك الجميل.



      تعليق

      • محمد الصاوى السيد حسين
        أديب وكاتب
        • 25-09-2008
        • 2803

        #4
        تحياتى البيضاء

        ما أجمل هذى القراءة ، وما أسلسها ، وما أدق وصفها وإضاءتها النيرة للنص ، شكرا للأديبة والناقد شكرا لكما بحق

        تعليق

        • فواز أبوخالد
          أديب وكاتب
          • 14-03-2010
          • 974

          #5
          شكرا أستاذنا مختار ............ لكن

          الغريبه أنه ومن غير تكلف من أول قراءة للنص

          تذكرت سورية وبشار الأسد ................ ربما هو من

          باب تفائلوا بالخير تجدوه ............. لا أعلم

          لكنها هكذا جت معي ....... فما رأيك ............؟!

          تحياتي وتقديري لك وللأديبة المبدعة .. راحيل الأيسر .


          ..............
          التعديل الأخير تم بواسطة فواز أبوخالد; الساعة 16-05-2011, 09:36.
          [align=center]

          ما إن رآني حتى هاجمني , ضربته بقدمي على فمه , عوى من شدة
          الألم , حرك ذيله وولى هاربا , بعد أن ترك نجاسته على باب سيده .
          http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67924

          ..............
          [/align]

          تعليق

          • مختار عوض
            شاعر وقاص
            • 12-05-2010
            • 2175

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة محمد الصاوى السيد حسين مشاهدة المشاركة
            تحياتى البيضاء

            ما أجمل هذى القراءة ، وما أسلسها ، وما أدق وصفها وإضاءتها النيرة للنص ، شكرا للأديبة والناقد شكرا لكما بحق
            شكرا لشهادة أعتزُّ بها من أستاذ ناقد له كل التقدير والاحترام..
            تقديري ومحبتي لك أستاذنا القدير
            محمد الصاوي السيد حسين
            دمت بكل الخير.

            تعليق

            • مختار عوض
              شاعر وقاص
              • 12-05-2010
              • 2175

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة فواز أبوخالد مشاهدة المشاركة
              شكرا أستاذنا مختار ............ لكن

              الغريبه أنه ومن غير تكلف من أول قراءة للنص

              تذكرت سورية وبشار الأسد ................ ربما هو من

              باب تفائلوا بالخير تجدوه ............. لا أعلم

              لكنها هكذا جت معي ....... فما رأيك ............؟!

              تحياتي وتقديري لك وللأديبة المبدعة .. راحيل الأيسر .


              ..............
              صديقي الطيب وأخي الكريم الأستاذ
              فواز أبوخالد
              شكرا لحضورك وثنائك على النص والقراءة، وبالنسبة لاختلاف القراءة فيما بيننا فالأمر وارد، لأن هذه النصوص - كما حاولت أن أوضح من خلال قراءتي - تحتمل مثل هذا الاختلاف، ولذلك فإن القراءة التي افترضتها للنص لا تمثل إلا نموذجا.. مجرد نموذج غير ملزم ولا يطمح أن يكون هو ما قصدته المبدعة عندما كتبت نصها.
              تقديري لك

              تعليق

              • الهويمل أبو فهد
                مستشار أدبي
                • 22-07-2011
                • 1475

                #8
                "لم يكترث أنها لتاء التأنيث .... خلعته"


                في قراءة ثرية فاحصة معمقة، يرى الاستاذ مختار عوض أن الـ"ق ق ج" فن صعب، ويتطلب جهدا جهيدا من المبدع ومن القارئ على حد سواء، كما يتطلب لغة شاعرية مرهفة وقدرة على إحكام الصياغة لسبب ضروري جدا، هو ضمان (عدم تشتت ذهن المتلقي)، لكنه يعود ليقول إن (أهم ما ينبغي مراعاته في هذا الجنس الجديد أن يفهم كل من المبدع والمتلقي أن النص يوحي أكثر مما يسرد تفاصيل الحدث). بل لعل النص المتميز يكتفي (بعرض حدث عام يمكن النظر إليه كنموذج فارغ) وبذلك يستطيع المتلقي (خلق أرواح شخوصه ومنحها الحياة والقدرة على الفعل فيصير النص نموذجا مكتمل البناء على يد المتلقي).

                لا استطيع الاحاطة بكل تفاصيل قراءته الدقيقة وثرائها سواء ما يصرح به مباشرة أو ما يوحي به، ولعله بقراءته قد كتب نصا قصصيا لا يقل جودة عن القصة التي تناولها، وإن كانت قصة راحيل الأيسر ربما أقصر في مفرداتها، لكنها بالتأكيد بثراء قراءته. ما يهمني هنا هو ما خلص إليه الأستاذ مختار من نتيجة، وهي أن اللص لأنه ارتدى ملابس أنثوية استطاع الولوج إلى حفل نسائي متلصصا فاكتشفته زوجه فخلعته. طبعا هذا تلخيص لا يفي القراءة حقها في تتبعها التفاصيل الدقيقة والحفر العمودي في القصصة القصيرة جدا (كلماتها لا تتجاوز – مع العنوان— العشرين). وهنا لا بد من ادراج القصة كاملة:


                لص، مخنث


                لم يكترث أنها لتاء التأنيث، فقد وجدها ثيابا فاخرة؛ ولأنها كانت فضفاضة على جـرمه الضئيل، حين ارتداها خلعته!!


                يقف الاستاذ مختار محقا عند عتبة النص الأولى (العنوان) ويرى الفاصلة التي تفصل وتصل في الوقت نفسه اللص وصفته، وهي وقفة تستحق التأمل من القارئ ومن المبدع (راحيل الأيسر في هذه الحالة)، والفاصلة بذاتها ليست ذات دلالة فلا هي اسم ولا فعل ولا حرف، أي ليست من عناصر اللغة كما تعلمناها في المدارس، وإنما هي مجرد علامة متعارف عليها (لا يوليها العرب كثير اهتمام). لكنها رغم ذلك تحمل عبء الدلالة بأكمله. والفاصلة في العرف اللغوي تعني الوقفة قليلا والانعزال بين ما يليها وما جاء قبلها، أي ابعاد ما قبلها. وبهذا العمل فإنها تقيم ههنا فسحة أو فضاء بين اللص وصفته، وهي وقفة تقتضي الوقوف بين أمرين، وما بين أمرين لا يمكن أن يكون إلا فراغا بحت غير ذي دلالة لكنه فراغ تقتضيه الدلالة نفسها. هل هذا تناقض؟ ماذا لو انعدمت الفاصلة؟ هل سيبقى (لص ، مخنث) أم لصا مخنثا، وهل ثمة فرق؟ نعم هناك فرق: هو مخنث لأنه لص، وهذا ارتباط سببي لم يسبق أن قال به احد من قبل، فلصوصيته ليست ما تعارف عليه القوم، إنها لصوصية مزدوجة لا علاقة لها بالسرقة، بل هي لصوصية الجنوسة والجنس والهوية لا يربطها بالسرقة إلا خيط واه هو الظهور بمظهر يخالف الجوهر. أي الظهور تحت ثياب شاءت الصدفة أو النية المبيتة أن يجدها فاخرة فضفاضة رغم الجرم الضئل الذي يرتديها.

                الاستاذ مختار أشار إلى أن "القصة القصيرة جدا" تكاد تكون نموذجا فارغا، ولعل هذا هو بيت القصيد في قراءته، لكنه لم يعره كثيرانتباه. النموذج عادة يكون جرما مفرغا يمكن ملؤه، هو جسد أوهيكل مجسم ينتمي لحاسة البصر شأنه في هذا شأن الفاصلة التي تستدعي أهمية النظر، وقد استوقفتنا على عتبة النص، وتفحصها متأملا قبلنا الاستاذ مختار نفسه. والقصة القصيرة جدا في تكثفها الشديد وتجمعها الهيكلي تعتمد كثيرا على الاحاطةالبصرية الآنية بكل تفاصيلها لأن البصر يستطيع الاحاطة بها في اللحظة ذاتها (سيُصعق أرسطو لو رأى حديثنا هذا). أما الأيرلندي جيمس جويس فيسميها "لمعة" (epiphany) يراها الذهن في لمح البصر.

                ومع أن قراءة الاستاذ مختار جديرة بالقراءة خاصة التفاصيل التي يملأ بها فراغات النص، إلا انني أرى أننا لسنا بحاجة لفعل ذلك، خاصة حين يقول إن اللص كان في حفل نسائي أو أن زوجه كشفت لصوصيته وتحوله الجنوسي. أقول لسنا بحاجة لمثل هذا الفعل ليس لأنه غير ضروري، بل هو ضروري جدا، وإنما لأن النص نفسه يملأ فراغاته بنفسه. واللص أو النص على اية حال (لم يكترث أنها لتاء التأنيث خلعته). ماذا لو قرأنا القصة بكاملها هكذا (لم يكترث أنها لتاء التأنيث ... خلعته) والسبب لعدم اكتراثه أنه (وجدها ثيابا فاخرة، ولأنها كانت فضفاضة على جرمه الضيئل حين ارتداها)، فكأنه يستمتع بهذه الثياب الفاخرة والفضفاضة، التي تمنحه حرية الحركة أكثر فأكثر.

                لو جسمّنا القصة نفسها ماذا سنرى؟ لا نرى سوى ثياب فاخرة، وفضفاضة وجرم ضيئل. ثم نرى أن لدينا "هي" في "أنها" ضمير متصل مبهم لا ندري أهو للثياب أم لإنثى، وكذا الحال في "وجدها" و"خلعته"، ثم لدينا الضمير المستتر (هو لص على اية حال) في "ارتداها" وهو بكل وضوح يعود إلى "لص". (الجميل في الأمر تنكير لص ومخنث) كل هذه المواد ارتبطت حركيا في مشهد يعتمد على حركة الأفعال (وجدها، ارتداها، خلعته)، لكن المفتاح هو الفعل الذهني الأول (يكترث)، الذي هو تجسيد للسكون واللامبالاة. لو دققنا النظر لوجدنا أن القصة بأكملها هي (لم يكترث أنها خلعته) أما ما بقي فهي مجرد مواد بناء الهيكل أو الانموذج، فـ (لتاء التأنيث) مجرد تسبيب أو تعليل للفعل (خلعته). وفي الوسط هناك جسم الهيكل: الثياب الفاخرة الفضفاضة والجرم الضيئل، وبارتدائه الثياب يكون الهيكل قد اكتمل.


                ولسوف نصل إلى النتيجة نفسها لو قرأنا القصة بشكل آخر. ماذا لو قرأنا (لم يكترث أنها لتاء التأنيث) على أنها جملة خبرية؛ أي أنه لم يكترث أن (الثياب الفاخرة الفضفاضة) لتاء التأنيث (نقطة)، وأنه وجدها فضفاضه حين ارتداها (نقطة)، وبما أنها كانت فضفاضة فإنها خلعته (أذهبت شيئا من عقله؛ أو كما في نوادر الاعراب جعلته يفقد مالا على رواية: اختلعوا فلانا: اخذوا ماله — لسان العرب). في كل الاحوال سنجد أن الهيكل أو النموذج قد ابتني واكتمل، لكنه يبقى هيكلا. فاللص ما ان ارتدى ما وجده من ثياب فضفاضة يكون قد أكمل بناء النموذج، ولذلك هو "مخنث"، لا جنوسة له: فهو ليس مذكرا ولامؤنثا، ولعل هذا هو سبب خلعه، وهو خلع يعيدنا إلى عدم اكتراثه في البدء لتبدأ القصة من البداية مرة أخرى. إنها قصة تسرد متسعيدة نفسها في تجسيد عجيب مستمر.

                أرى (والله أعلم) أن قراءة الاستاذ مختار حاولت أن تكبيل هذه الدائرية المستمرة التي تستعيد بدايتها عند نهايتها

                وتحياتي للمبدعة والقارئ الاستاذ مختار عوض

                تعليق

                • مختار عوض
                  شاعر وقاص
                  • 12-05-2010
                  • 2175

                  #9
                  الراقي الجميل الأستاذ
                  الهويمل أبو فهد

                  ائذن لي أن أبدأ بتهنئتك - وكل المسلمين - بعيد الفطر المبارك أعاده الله علينا جميعًا بالخير والحرية والتقدم والرُّقي؛ أما عن قرائتك لقرائتي لنص المبدعة الراقية/ راحيل الأيسر فلا يسعني إلا أن أعترف بأنها جاءت لتؤكد على قدرة على التحليل والبحث ومقارعة الحجة بأختها، وهي صفات لا يملكها إلا أن من يلزمون أنفسهم بجدية القراءة ومن ثمّ تناول ما يتلقون من النصوص (والقراءات حولها) بما تستحق من التحليل الفاحص والنقد الجاد.
                  وتعليقًا على قراءتك الراقية (التي أسعدني اختلافك معي في بعض فقراتها، وقد جاء اختلافًا محبّبًا للنفس دالاً على سعة أفقٍ وباحثًا عن مساحة اتفاقٍ أكثر منه باغيًا غرس بذور شقاق) فقد ارتأيت أن أُركِّز في هذه المداخلة على تلك النقاط التي وجدتنا فيها على طرفي نقيض؛ شاكرًا ومقدرًا لك رضاك (ومجنِّبًا) ما اتفقنا فيه مما جاء بقراءتي الأولى:

                  · قلتم في الفقرة الأولى من مداخلتكم:

                  يرى الاستاذ مختار عوض أن الـ"ق ق ج" فن صعب، ويتطلب جهدا جهيدا من المبدع ومن القارئ على حد سواء، كما يتطلب لغة شاعرية مرهفة وقدرة على إحكام الصياغة لسبب ضروري جدا، هو ضمان (عدم تشتت ذهن المتلقي)، لكنه يعود ليقول إن (أهم ما ينبغي مراعاته في هذا الجنس الجديد أن يفهم كل من المبدع والمتلقي أن النص يوحي أكثر مما يسرد تفاصيل الحدث). بل لعل النص المتميز يكتفي (بعرض حدث عام يمكن النظر إليه كنموذج فارغ) وبذلك يستطيع المتلقي (خلق أرواح شخوصه ومنحها الحياة والقدرة على الفعل فيصير النص نموذجا مكتمل البناء على يد المتلقي).
                  وهو ما رأيتم فيه تناقضًا بين (التشديد على ضرورة إحكام الصياغة لضمان عدم تشتت ذهن المتلقي) وبين (الانتباه إلى أن مبدع القصة القصيرة جدًّا ينبغي أن يحرص على خلق نصٍّ يوحي أكثر مما يسرد وبالتالي يكون دور المتلقي مكمّلا وقادرًا على خلق أرواح شخوص النص ومنحها الحياة والقدرة على الفعل فيصير النص نموذجا مكتمل البناء على يده)

                  وكمحاولة مني لإزالة هذا الالتباس (الذي أعترف بمسؤوليتي عنه بسبب عدم التأني في عرض الفكرة من جانبي) أؤكد أن التشديد على إحكام الصياغة لا يعني المطالبة بأن يكون النصُّ مباشرًا واضح التفاصيل كما تبادر إلى ذهنكم من خلال دعوتي - بعد ذلك - إلى أن يكون النصّ موحيًا أكثر منه ساردًا وعارضَا للأحداث؛ وإنما قصدت الإحكام غير المخلّ بدليل تشديدي على أن تكون لغة النصّ شاعرية (مكثّفة) والتأكيد على المهارة في استخدام الضمائر والاهتمام بالعنوان، وهي – كما ترى – أمور تتعلق بالأدوات التي يجب أن تتوفر لدى المبدع لضمان نجاحه في إنتاج نصّ قابل للقراءة من خلال قارئ خاص يتوجه المبدع إلى أمثاله بنصوصه، واسمح لي أن أوضح فكرتي بالسؤال البسيط التالي الذي أراه قادرًا على فك الاشتباك الحادث إلى حدٍّ كبير:
                  هب أن أحدنا يريد أن يؤلِّف لغزًا يقيس به ذكاء فئة من الناس؛ أفلا يكون مطالبًا بإحكام الصياغة حتى يكون حلّ اللغز ممكنًا من الناحية النظرية من قبل ذوي القدرات العالية؟، وحتى لا يُتهم واضع اللغز بالفشل في صياغته ممن سيتلقون هذا اللغز ؟

                  · في معرض تناولكم لدور الفاصلة في العنوان وجدتكم وكأنكم ترون في تقديري لدورها شيئًا من المبالغة، وفي الحقيقة أجدني مضطرًا – أيضًا - للاعتراف بالتقصير في توضيح أهمية هذا الدور عند تناولي للنص في مشاركتي الرئيسية اعتمادًا على أنه من المعلوم بالضرورة أن أحد استخدامات الفاصلة هو (الفصل بين أقسام الشيء الواحد) وبهذا فقد رأيت أن مبدعتنا راحيل الأيسر كانت واعية لهذه الخاصية فاستخدمتها لتؤكد أن شخصية نصّها القصير جدًّا كانت تميزها خصلتان رئيسيتان، فلجأت لغير ما ألفناه من استخدام للجملة الخبرية في التعبير عمّا نريد في مثل هذه الحالة، وهو ما رأيتُ فيه لفتًا لانتباه المتلقي لما أرادت التعبير عنه.

                  · تبقى نقطة ثالثة وأخيرة؛ وهي تعقيبكم على قراءتي للنص، وهي نقطة لا أجد ما أقوله فيها غير تحيتك على قراءتيك المبدعتين مذكّرًا إياك بأنني لم يفتني - هناك - التأكيد على أن قراءتي لم تكن إلا واحدة من قراءات (أعرف أنها ربما تكون لا نهائية في بعض الحالات دون أن تكون أيًّا منها ما قصده المبدع أو المبدعة بالضرورة)، وهو ما يرجع لما حاولتُ – وأعيدُ – التأكيد عليه من ثراء هذه النصوص عندما تُحكم صياغتها وبنائها(رغم قصرها الشديد) وهو ما يؤكد أهمية دور الصياغة المحكمة الذي كان النقطة الرئيسية في قراءتي الأولى، وهي ذاتها النقطة الأولى في هذه المداخلة، وهو - في الوقت ذاته - ما أرى فيه إضافة جديدة لما حاولت الرد به عليكم في النقطة الأولى من هذه المداخلة.

                  تقديري ومحبتي.

                  تعليق

                  • الهويمل أبو فهد
                    مستشار أدبي
                    • 22-07-2011
                    • 1475

                    #10
                    الاستاذ مختار عوض
                    كل عام وانت والجميع بخير، أعاده الله على الجميع باليمن والبركات

                    أعلم جيدا أن قراءتك كانت قراءة أولية، ومحدودة بإطارها الزمني والمكاني، لكنها على قصرها كانت قراءة معمقة وثرية فكرا ولغة (ولعلني قلت إنها إبداع لا يقل عن القصة الاصل)، ولقد قالت قراءتك بإيحاءتها أكثر مما قالت بما صرحت به، ولولا ذلك لما كان لقراءتي ما يقدحها ولما كان لدي ما أقول. فأنت من وضع الأساس العملي والنظري، ولذك استعطت أنا وسيستطيع غيري أن يشارك، لا أن يبدأ الحرث في أرض بيضاء.

                    الاستاذ مختار

                    التوضيح الذي سقته لا شك أنه إضافة جميلة لما سبق أن بدأت به، ولا أظنني اختلف معك في القراءتين بأكثر من الواحد بالمائة، ولعل هذا الواحد ليس اختلافا بقدر ما هو إضافة أو فرع على أصل. بالنسبة لي كان بيت القصيد هو اشارتك للنموذج وهيكليته ووصفك أياه، ولعله هو مفتاح القصة البصري الذي تجسده القصة على قصرها، وأنت أشرت إلى قوة السبك وتماسكه الذي يعني لي قوة بناء النموذج وهيكلته بصريا، فأحببت أن أؤكد على هذه النقطة بالذات. فكل ما تمعنت بالقصة رأيتها "تتهيكل" بصريا، ولهذا كان حقيقا بها أن تسترعي انتباهك واهتمامك فكنت كريما بوقتك وقراءتك.

                    تحياتي وتقدري

                    تعليق

                    • مختار عوض
                      شاعر وقاص
                      • 12-05-2010
                      • 2175

                      #11
                      الأستاذ والأخ الكريم
                      الهويمل أبو فهد

                      كل الشكر والتقدير لحضورك الطيب الذي أثرى محاولتي المتواضعة في تناول نص قصير لمبدعة راقية بلغة ليست لغتها الأولى وهو ما عمّق احترامي وتقديري لها..
                      سعدتُ بالتّعرف إليك؛ فتقبّل من أخيك الود والتقدير.

                      تعليق

                      • الهويمل أبو فهد
                        مستشار أدبي
                        • 22-07-2011
                        • 1475

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة مختار عوض مشاهدة المشاركة
                        الأستاذ والأخ الكريم

                        الهويمل أبو فهد

                        كل الشكر والتقدير لحضورك الطيب الذي أثرى محاولتي المتواضعة في تناول نص قصير لمبدعة راقية بلغة ليست لغتها الأولى وهو ما عمّق احترامي وتقديري لها..

                        سعدتُ بالتّعرف إليك؛ فتقبّل من أخيك الود والتقدير.
                        سعدت بدوري بمعرفتك، وأهنئ المبدعة على سمو لغتها الثانية (لا بد أن الاغتراب اللساني قد شحذ إبداعها). مودتي وتقديري

                        تعليق

                        يعمل...
                        X