ملامحه والمطر
ارتجف إصبعها عندما أشار إلى تلك المظلة المركونة في الزاوية .. لقد نسيها ونسي أمر المطر الذي باتت تشعر أنه يتدفق
على كتفيها فقط ..!
رمت حنطة الشوق على حافة النافذة، تركتها مفتوحة عسى طيوره تمر مجددا ..!
تعمدت ترك النافذة مفتوحة، لم تبالِ بأمر الستار المنازع في قبضة الريح، تخالط دموعه قطرات المطر ..!
تناولت بخفة صورته الصماء ، كأنها تختلسها بعيدا عن عين الزمن .. أو عن عيون أخرى ..!
حدثتها، غرقت في تأملها تستعيد الذكريات، تحاول خطفها من كوب أيام امتلأ وفاض حتى كاد يفرغ ..!
حين رسمته في ذلك اليوم البعيد لم يخطر ببالها أنه يعطيها نسخة ورقية منه، تذكارا لا تتسع له حقائب الرحيل،
وهو الذي أهدى كفيها ووجهه ذات مساء وشهدت على ذلك آلاف النجمات ..!
رسمته بالفحم ثم ندمت ... كانت عيناه أمامها بئر ليل، لم لم تستقِ منهما الحبر ؟ كيف لم تفكر بأسره وهو الطير
الذي تغريه النوافذ، تشده الحكايات، والضفائر الطويلة ..؟!
ارتمت في فراشها، تخط اسمه بإصبعها على وسادة الأحلام ، كم آمنت بالحكايات .. بالخرافات .. !
كم احتمت بين زغب المساء من شهب الإشتياق! تلت القصص وتخيلته مسندا قبضته إلى وجنته ينصت إليها باهتمام !
وحدها المدينة الحزينة، كانت تستمع إلى قصصها، تلتقط دموعها، وتعلق كفراشات على ضفائرها الطويلة إذا ما رمتها
على أكتاف النسيم، أملا بأن يتسلقها ذلك المتناثر مع الظلال ...!
القمر ما عاد يلتفت صوبها، كأنه يعاتبها، والنجوم دائما ترمقها، لقد سئمت خرافاتها، نداءاتها، تعزف حروف اسمه وكأن اسمه ناي حزين
ضجروا من أسئلتها :على أي نافذة حط الآن ؟ متى سيعود ..؟!
أدركت بعد شهور أنه لم تبق لها سوى ملامحه المرسومة بالفحم، وأنها غرقت تماما في فنجانه الأخير ..!
ماعاد هناك جدوى من إغلاق النافذة .. لقد توحدت فيه ، فلم تلملم ياسمينات تبعثرت على عنقه، وما من طوق يحتضنها سوى ذلك العنق !
أعدّت فنجان القهوة من أنفاسه، لتعيد طقوس الغرق، لبست فستانا أزرق، فكّت حصار شعرها، أمسكت بذراع صورته ثم أخذت ترقص
وتدور ويدور معها الفستان الأزرق على لحن يدندنه ثغرها كحبة توت تتمايل وتشدو على غصن الشجرة، الملامح تبدلت من حولها،
سرقتها الأغنية من نفسها، كان هو أيضا يتراقص بخفة، يغرق في عينيها ويغرقها، ينقلها من ذراع إلى ذراع، من ضفة عشق إلى أخرى ...
فجأة أفلتها لتدور بلا توازن بلا وعي .. لم تتوقف إلا عندما انتبهت أن الصورة ابتلعتها النافذة .. وأن ملامحه المتراقصة محاها المطر ..!
19/5/2011
تعليق