كيفما اتفق،كان يرتدي ثيابه ، فهو غير متعود على السهرات ، ومواسم الفرح قد تنبت في أحلامه ولكنها لا تزهر في حياته .
تصرخ المرآة في وجهه : توقف..... ماذا تفعل
يجيبها ببرود: أرتدي ثيابي
تنفعل أكثر قائلة:لكن الألوان غير متناسقة مطلقاً ... مطلقاً
يجيبها ببرودة أكثر :المهم ستر عورتنا.... صدقيني(ويبتسم).
يخرج من منزله وينطلق إلى منزل صديقه( محمود)،فقد دعاه اليوم لحضور حفل زفاف أخته (أمينة) على صديقهم الآخر(كمال)،
كان يعرف أن (أمينة) تحبه وتفضله على الجميع ....حتى على (كمال)
سألته ذات مرة : ألم تعرف الحب يا سعيد ؟؟
أجاب :لا
قالت : ألم تحاول أبداً ؟؟
قال :مرات كثيرة
قالت مستغربة : وكيف لم تعرف الحب حتى الآن!!
أجاب : كان حباً من طرف واحد
همّت أن توحي له بشيء ما يحترق في أحشائها ، ويشعل ناراً لا تود أن تنطفئ في صدرها ، أرادت أن تنطق ولكن الكلام علق على شفتيها وفاض دهشةً وحسرةً معاً
-2-
توجّه سعيد مباشرةً إلى طاولة قريبة من مكان جلوس العروسين وحيّاهما بابتسامته المعهودة وجلس يتفرّس في وجوه الحاضرين،تعرّف على بعضهم ولم يتعرف على أغلبهم .
جاء (محمود) وصافحه مرحباً به قائلاً : أهلاً..أهلاًوسهلاً بالشيخ سعيد.... خذ راحتك ياصديقي ، أنت من أهل البيت
واستمر يبتسم يميناً وشمالا وهو يرحب بالضيوف الذين كانوا يرددون :ساعة خير إنشاء الله..... عقبا لك يا( محمود)
-3-
مضى الوقت سريعاً ، وحسناً فعل (سعيد) عندما تقدم نحو العروسين مهنئاً ومصافحاً ينوي الرحيل .
تجمّد الدم في عروقه ، وشعر أن روحه قد طلعت من مكانها،غاب عن الوقت ثواني ، إنه يحلّق في الفضاء ، لم يعد ملتصقاً بالأرض ، كأن الجاذبية الأرضية قد انعدمت ، نعم لقد ضغطت (أمينة) على يده بقوة .
صهلت عظام جسمه ، وصفقت أسنانه ، دبت الروح في شرايين تكلّست فيها الأحزان وانتعشت وأزهرت لديه حدائق الروح التي عششت فيها الوحدة والغربة .
أراد أن يضغط على يدها بقوة أكبر معلناً أنه يدعوها لتركب خلفه على حصان أبيض ، وينطلق بها خارج هذا الركام وهذا الزحام ، كانت يده رخوةً وباردة ، وبدأت أصابعه تنسل شيئاً فشيئا من بين أصابع(أمينة) .
لم تسمع( أمينة)صهيل الحصان الأبيض ، ولم تشعر بأية حرارة تذيب من حولها هذا الجليد القطبي .
كان آخر ما رأته يخرج من بين أصابع (سعيد) وهو يودعها........ رايةً بيضاء .
تعليق