القاصة المتميزةآسيا رحاحليه تنفث آعماق صدرها في"ليلة تكلم فيها البحر"
بقلم : أ.عبدالله كروم
[ شوهد : 88 مرة ]

بين وعي الذات وألم المجتمع تجترح إبداعها الأول
1- من هي آسيا رحاحليه؟:
الأستاذة آسيا رحاحليه من مواليد1963 بمدينة خميسة الأثرية(سدراتة) ولاية سوق أهراس بالشرق الجزائري، حاصلة على ليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة قسنطينة، امتهنت التعليم الثانوي لمدة ثلاث وعشرين سنة ثم أحالت نفسها للتقاعد المبكر،لتتفرغ لهوايتها المفضلة منذ الصغر ألا وهي "الكتابة" و"المطالعة"، والتي فتحت لها آفاق المعرفة والفن والإبداع بلغة عربية راقية، وسرد آسر يجسد وعيها بذاتها وقضايا الوجود وثنائية الحياة والموت أو اللذة والألم أو النور والظلام ..
لتكون باكورة أعمالها الإبداعية مجموعتها القصصية الأولى الموسومة ب"ليلة تكلم فيها البحر" الصادرة عن دار الهدى بعين مليلة سنة 2010م.
2- بين الصمت الاضطراري..ودهشة الاكتشاف:
بدأت آسيا رحاحلية الكتابة في سن مبكرة، إذ كتبت أولى قصصها قبل بلوغ سن الثامن عشرة، وهي آخر قصة في مجموعتها باسم"الضحية" تتحدث فيها عن حرمان البنت من التعليم بسبب التقاليد والأعراف البالية، مما يدل على وعيها المبكر، وقوة فطانة ونباهة ترفعها، ولعلها وهي تسقط زندها الأول لم تلق العناية اللازمة، وعانت من القتل المعنوي والإهمال وطمس نوار الأحلام فالتزمت الصمت"فمن لم يمت بصمته، إذن، مات ببوحه،فأي الموتين أرحم" كما يقول الأستاذ يوسف وغليسي، ظلت كاتمة خزان سردها في حواشي صدرها، لتجد بعد ذلك العالم الافتراضي وعاءً لفتح صنبور البوح والحكي، وإظهار موهبتها في نحت الحروف، بلغة سردية، عذبة، ومخيال فياض تملك به ذائقة المتلقين، وفي لحظة من لحظات البوح تفك شفرة صمتها قائلة " كثيراً ماكنت أتساءل: هل جئت في زماني أم بعده؟ اليوم قررت أن أتوقف عن التساؤل، وأترك العنان لنفسي لتفضفض هنا في رحاب هذه الروضة".
ففاض قلمها بإبداعها الأول تصور فيه عالمها السردي بريشة الفنان ولمسة الممثل ومسحة المخرج الفذ، حتى ليخال للوهلة الأولى، أنها تسرد عليك سيرتها الذاتية أو أنها تعاني من مشكلات حياتية، ثم تكتشف أنها صناعة القصة مطرّزة بوعي الكتابة المحترفة التي توظف تقنيات السرد المدهش المؤثث على حبكة فنية جمالية، مستفيدة من الإجراءات التطبيقية لعلم النفس الحديث.
أقدم للقراء والنقاد في الجزائر والعالم العربي هذه الموهبة الواعدة في دنيا الأدب، لعلها تجد خبراء من المتلقين يرافقونها في صقل تجربتها، واكتمال بنائها الفني، وملء فجوات وفراغات نصوصها.
3-"ليلة تكلم فيها البحر" أولغة الحدث:
تتضمن المجموعة تسع عشرة قصة تدور قصصها على أحداث من عمق المجتمع وهو الغالب، وعلى أمور ذاتية وهو النادر جداً، لذلك يمكن أن أصنف عالمها القصصي في هذه المجموعة ضمن الواقعية الأخلاقية، وأن لغتها مشكلة من الحدث اليومي بانزياح في تشقيق المعنى وإعادة البناء الفني بحيوية وصناعة تحس معها بالجدة والمراهنة على الدهشة، يقول الفيلسوف اللبناني علي حرب"فمن يفكر على وقع الأحداث، إنما يمارس حيويته لكي يكون على مستوى الحدث، فيشارك في صنعه بلغته"(تواطؤ الأضداد ص:18)، ولقد كانت آسيا كذلك، بلغة سلسة خالية من التعقيد والغرابة تنحو منحى الشعرية حينا، ومنحى لغة الوصف حينا آخر وتتكئ على الحوارية والاستفهامية التأملية، و تملك قدرة على التصوير، وحسن الإخراج، وبراعة التمثيل على الورق، والجمع بين الشكل والمضمون. يقول مقدم المجموعة القاص والروائي المصري ربيع عقب الباب:"المضمون هنا تعانق وشكله، وأحدث الكثير من البلورات، التي دفعها مضمونها لشكلها، المتصور، والمتشكل"،-ويضيف عقب الباب أن آسيا تعتبر صوتاً متفرداً ومتميزاً بقوله-:" صوت نسائي ليس كأي صوت عرفناه، ربما تماهى مع أصوات أخرى، ولكن ولسمة أراها رأي العين، لم يرحل في التعبد لجنسه، وقضاياه هو"(التقديم ص:6).وهي وجهة نظر قد أخالفه في شق منها كما سيأتي لاحقاً.
وآسيا في مجموعة قصصها تلامس أحداثاً خاصة، وهي قليلة جداً تتمثل في حدث وفاة الأب في القصة الأولى"ليس كمثله رجل"، وفي تصويرها للوله بالكتاب في القصة السادس عشرة بعنوان"كالعشق أو أكبر"،وتخصص القسم الأكبر للأحداث الاجتماعية، وهي نوعان:أحداث اجتماعية عامة مثل البطالة والسكن والحب والانتحار و"الحرقة" وهو الموضوع الذي حمل عنوان المجموعة" ليلة تكلم فيها البحر"، والنوع الثاني تبرز فيه قضايا المرأة طافحة سواء أكانت تدري أو لا تدري فإنها أفردت جنسها بثماني قصص من أصل تسع عشرة مثل قصة: "في قاعة انتطار" تتحدث فيها عن سن اليأس، وقصة"يوم امرأة" تفردها ليوميات المرأة ولا سيما ربة البيت، و"الضحية"تخص بها الفتاة التي حرمت من التعليم، ومثل قصة"سنيني العجاف" التي رصدت فيها آلام العقم النسائي..
ولئن كان في بعض سردها متداولاً ومكروراً من المواضيع، إلا أن آسيا استطاعت إعادة البعث من الجديد، تلبس الموضوع حلة قشيبة من حرير معجمها الثري، وجودة سبكها وتنويع خطابها وقدرتها على ممارسة الإغراء والإغواء للوصول إلى متعة النص ولذته.
4- تقنيات السرد في"ليلة تكلم فيها البحر":
أحياناً تؤثث آسيا قصصها على عتبة نصية بملفوظة مكثفة من إنشائها هي بؤرة إشعاعية لنصها، وأحياناً تكتفي بثيمة العنوان مدخلا، ومرة واحدة أحالت على التراث في قصة"جنون شاعر" لما وطأت بمقالة لجلال الدين الرومي، وأنى كانت إحالاتها فإنها ترسل بذلك رسالة أنها تمارس تعدد المرتكزات، وتعدد الخطاب، وتعدد التقنية في السرد، فمرة تسند ضمير السارد إلى الغائب كقصة "حفنة من ضباب" وأخرى تسنده لضمير المتكلم كما في قصة "حب قي حقيبة سفر"، ومرة تسند حكيها لضمير المخاطب كقصة"يوم جلس الحب بجوارك" ..أما هوية الشاعر فتظهر أنثى وهو الغالب، وأحياناً تظهر بهوية السارد الذكوري كقصة "ميّت يسعى"، فهي تؤمن بأن الأدب إنساني، وترفض التصنيف على أساس الجنس، إنما النص هو من يحدد هوية السارد وجنسه.
توظف القاصة في تأثيث سردها على لغة الوصف المحددة لملامح الشخصية أو المكان أو الحدث، وكذا على شعرية السرد، فتنتج من اللغة لغة مخملية شاعرية كأن تقول في قصة "سنيني العجاف"ما نصه"أرض بور أنا...نخلة تطرح عراجين الدمع..قمر هجره الضياء...سماء خاصمتها النجوم..حديقة ضربها الجدب ونسيها الربيع".
ومن تقنياتها في السرد: الاتكاء على الاستفهام التأملي والفلسفي أحياناً، لدرجة أن أصبح لازمة في جمالياتها تستخرج منه الدهشة والخلاقة، تقول البطلة في قصة "في العمر متسع للألم" في حوار مع الدكتور الذي أجرى لها العملية الجراحية"أتدري يادكتور؟كل المرّ في الذاكرة، ليتك تريحني فتستأصلها أو تفرغها وتخيطها بإحكام" (ص:18)، ثم تواصل التساؤل والتأمل بعد سحب كمية من الدم والصديد وتقول" وصديد الذاكرة كيف يمكن سحبه؟يا لبدائية الطب...لماذا لا يخترعون دواء لإفراغ الذاكرة"(ص:50).
تمتلك رحاحليه في عالمها السردي القدرة على التصوير وصناعة القصة التخييلية مع جوده الإخراج ومتانة الحبكة المفضية إلى حسن تخلص ومتعة جمالية.
يقال عن جي دي موبسان أنه في سرده "يأكل العالم بعيونه" أما آسيا فإنها تأكل العالم بحواسها الخمس(ينظر أول قصة :يوم امرأة)، فهي ترصد كل حركة لكأنها غبريال خورسيا ماركيز، وهذا هو الفنان الحقيقي فهو يرى مالا يراه العاديون.
استطاعت آسيا أن تعدد وسائل تقنياتها في الكتابة بأسلوب يأسر المتلقي، ويجعله يتفاعل بالإعجاب والقبول.
5- استدراكات على السرد في هذه المجموعة:
ما يمكن أخذه على آسيا في "ليلة تكلم فيها البحر"-وهذا رأيي الخاص- أنها لم تستطع أن توظف لغة المكان، وتستثمر في حيزها الجغرافي، لتحدثنا عن لغة المكان، خصوصا أن منطقتها تعرف زخما تاريخيا ومكانيا وتعدد في مستويات اللغة أكثر.
- من حيث تدري أو لاتدري تناولت قضايا مستهلكة ومكرورة، وإن بعثتها بأسلوب جديد، إلا أن ذلك يستمجه النقاد، و مالت قليلا إلى قضايا المرأة كما أشرت سابقاً.
هل استفادت آسيا من ثقافتها الانجليزية والأدب الإنجليزي ووسع خيالها؟ذلك الذي لازلت أبحث عنه.وأهيب بالباحثين والدارسين إثباته أو نفيه..
وخلاصة القول في المجموعة: أنني اكتشفت كاتبة في العالم الافتراضي، تحتاج إلى مرافقه النقاد وإثراء تجربتها الإبداعية المنشورة، خصوصاُ أنها تملك مسودة من الأعمال تحت الطبع، وتملك أدوات الارتقاء والفرادة.فهل سنشهد التفاتة لهذا الصوت المغمور، أم ستتواصل حلقات التلقي الإقصائي وحفلات التلميع المبنية على المعسكرات الايديولوجية والحسابات الضيقة؟.
بقلم : أ.عبدالله كروم
[ شوهد : 88 مرة ]

بين وعي الذات وألم المجتمع تجترح إبداعها الأول
1- من هي آسيا رحاحليه؟:
الأستاذة آسيا رحاحليه من مواليد1963 بمدينة خميسة الأثرية(سدراتة) ولاية سوق أهراس بالشرق الجزائري، حاصلة على ليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة قسنطينة، امتهنت التعليم الثانوي لمدة ثلاث وعشرين سنة ثم أحالت نفسها للتقاعد المبكر،لتتفرغ لهوايتها المفضلة منذ الصغر ألا وهي "الكتابة" و"المطالعة"، والتي فتحت لها آفاق المعرفة والفن والإبداع بلغة عربية راقية، وسرد آسر يجسد وعيها بذاتها وقضايا الوجود وثنائية الحياة والموت أو اللذة والألم أو النور والظلام ..
لتكون باكورة أعمالها الإبداعية مجموعتها القصصية الأولى الموسومة ب"ليلة تكلم فيها البحر" الصادرة عن دار الهدى بعين مليلة سنة 2010م.
2- بين الصمت الاضطراري..ودهشة الاكتشاف:
بدأت آسيا رحاحلية الكتابة في سن مبكرة، إذ كتبت أولى قصصها قبل بلوغ سن الثامن عشرة، وهي آخر قصة في مجموعتها باسم"الضحية" تتحدث فيها عن حرمان البنت من التعليم بسبب التقاليد والأعراف البالية، مما يدل على وعيها المبكر، وقوة فطانة ونباهة ترفعها، ولعلها وهي تسقط زندها الأول لم تلق العناية اللازمة، وعانت من القتل المعنوي والإهمال وطمس نوار الأحلام فالتزمت الصمت"فمن لم يمت بصمته، إذن، مات ببوحه،فأي الموتين أرحم" كما يقول الأستاذ يوسف وغليسي، ظلت كاتمة خزان سردها في حواشي صدرها، لتجد بعد ذلك العالم الافتراضي وعاءً لفتح صنبور البوح والحكي، وإظهار موهبتها في نحت الحروف، بلغة سردية، عذبة، ومخيال فياض تملك به ذائقة المتلقين، وفي لحظة من لحظات البوح تفك شفرة صمتها قائلة " كثيراً ماكنت أتساءل: هل جئت في زماني أم بعده؟ اليوم قررت أن أتوقف عن التساؤل، وأترك العنان لنفسي لتفضفض هنا في رحاب هذه الروضة".
ففاض قلمها بإبداعها الأول تصور فيه عالمها السردي بريشة الفنان ولمسة الممثل ومسحة المخرج الفذ، حتى ليخال للوهلة الأولى، أنها تسرد عليك سيرتها الذاتية أو أنها تعاني من مشكلات حياتية، ثم تكتشف أنها صناعة القصة مطرّزة بوعي الكتابة المحترفة التي توظف تقنيات السرد المدهش المؤثث على حبكة فنية جمالية، مستفيدة من الإجراءات التطبيقية لعلم النفس الحديث.
أقدم للقراء والنقاد في الجزائر والعالم العربي هذه الموهبة الواعدة في دنيا الأدب، لعلها تجد خبراء من المتلقين يرافقونها في صقل تجربتها، واكتمال بنائها الفني، وملء فجوات وفراغات نصوصها.
3-"ليلة تكلم فيها البحر" أولغة الحدث:
تتضمن المجموعة تسع عشرة قصة تدور قصصها على أحداث من عمق المجتمع وهو الغالب، وعلى أمور ذاتية وهو النادر جداً، لذلك يمكن أن أصنف عالمها القصصي في هذه المجموعة ضمن الواقعية الأخلاقية، وأن لغتها مشكلة من الحدث اليومي بانزياح في تشقيق المعنى وإعادة البناء الفني بحيوية وصناعة تحس معها بالجدة والمراهنة على الدهشة، يقول الفيلسوف اللبناني علي حرب"فمن يفكر على وقع الأحداث، إنما يمارس حيويته لكي يكون على مستوى الحدث، فيشارك في صنعه بلغته"(تواطؤ الأضداد ص:18)، ولقد كانت آسيا كذلك، بلغة سلسة خالية من التعقيد والغرابة تنحو منحى الشعرية حينا، ومنحى لغة الوصف حينا آخر وتتكئ على الحوارية والاستفهامية التأملية، و تملك قدرة على التصوير، وحسن الإخراج، وبراعة التمثيل على الورق، والجمع بين الشكل والمضمون. يقول مقدم المجموعة القاص والروائي المصري ربيع عقب الباب:"المضمون هنا تعانق وشكله، وأحدث الكثير من البلورات، التي دفعها مضمونها لشكلها، المتصور، والمتشكل"،-ويضيف عقب الباب أن آسيا تعتبر صوتاً متفرداً ومتميزاً بقوله-:" صوت نسائي ليس كأي صوت عرفناه، ربما تماهى مع أصوات أخرى، ولكن ولسمة أراها رأي العين، لم يرحل في التعبد لجنسه، وقضاياه هو"(التقديم ص:6).وهي وجهة نظر قد أخالفه في شق منها كما سيأتي لاحقاً.
وآسيا في مجموعة قصصها تلامس أحداثاً خاصة، وهي قليلة جداً تتمثل في حدث وفاة الأب في القصة الأولى"ليس كمثله رجل"، وفي تصويرها للوله بالكتاب في القصة السادس عشرة بعنوان"كالعشق أو أكبر"،وتخصص القسم الأكبر للأحداث الاجتماعية، وهي نوعان:أحداث اجتماعية عامة مثل البطالة والسكن والحب والانتحار و"الحرقة" وهو الموضوع الذي حمل عنوان المجموعة" ليلة تكلم فيها البحر"، والنوع الثاني تبرز فيه قضايا المرأة طافحة سواء أكانت تدري أو لا تدري فإنها أفردت جنسها بثماني قصص من أصل تسع عشرة مثل قصة: "في قاعة انتطار" تتحدث فيها عن سن اليأس، وقصة"يوم امرأة" تفردها ليوميات المرأة ولا سيما ربة البيت، و"الضحية"تخص بها الفتاة التي حرمت من التعليم، ومثل قصة"سنيني العجاف" التي رصدت فيها آلام العقم النسائي..
ولئن كان في بعض سردها متداولاً ومكروراً من المواضيع، إلا أن آسيا استطاعت إعادة البعث من الجديد، تلبس الموضوع حلة قشيبة من حرير معجمها الثري، وجودة سبكها وتنويع خطابها وقدرتها على ممارسة الإغراء والإغواء للوصول إلى متعة النص ولذته.
4- تقنيات السرد في"ليلة تكلم فيها البحر":
أحياناً تؤثث آسيا قصصها على عتبة نصية بملفوظة مكثفة من إنشائها هي بؤرة إشعاعية لنصها، وأحياناً تكتفي بثيمة العنوان مدخلا، ومرة واحدة أحالت على التراث في قصة"جنون شاعر" لما وطأت بمقالة لجلال الدين الرومي، وأنى كانت إحالاتها فإنها ترسل بذلك رسالة أنها تمارس تعدد المرتكزات، وتعدد الخطاب، وتعدد التقنية في السرد، فمرة تسند ضمير السارد إلى الغائب كقصة "حفنة من ضباب" وأخرى تسنده لضمير المتكلم كما في قصة "حب قي حقيبة سفر"، ومرة تسند حكيها لضمير المخاطب كقصة"يوم جلس الحب بجوارك" ..أما هوية الشاعر فتظهر أنثى وهو الغالب، وأحياناً تظهر بهوية السارد الذكوري كقصة "ميّت يسعى"، فهي تؤمن بأن الأدب إنساني، وترفض التصنيف على أساس الجنس، إنما النص هو من يحدد هوية السارد وجنسه.
توظف القاصة في تأثيث سردها على لغة الوصف المحددة لملامح الشخصية أو المكان أو الحدث، وكذا على شعرية السرد، فتنتج من اللغة لغة مخملية شاعرية كأن تقول في قصة "سنيني العجاف"ما نصه"أرض بور أنا...نخلة تطرح عراجين الدمع..قمر هجره الضياء...سماء خاصمتها النجوم..حديقة ضربها الجدب ونسيها الربيع".
ومن تقنياتها في السرد: الاتكاء على الاستفهام التأملي والفلسفي أحياناً، لدرجة أن أصبح لازمة في جمالياتها تستخرج منه الدهشة والخلاقة، تقول البطلة في قصة "في العمر متسع للألم" في حوار مع الدكتور الذي أجرى لها العملية الجراحية"أتدري يادكتور؟كل المرّ في الذاكرة، ليتك تريحني فتستأصلها أو تفرغها وتخيطها بإحكام" (ص:18)، ثم تواصل التساؤل والتأمل بعد سحب كمية من الدم والصديد وتقول" وصديد الذاكرة كيف يمكن سحبه؟يا لبدائية الطب...لماذا لا يخترعون دواء لإفراغ الذاكرة"(ص:50).
تمتلك رحاحليه في عالمها السردي القدرة على التصوير وصناعة القصة التخييلية مع جوده الإخراج ومتانة الحبكة المفضية إلى حسن تخلص ومتعة جمالية.
يقال عن جي دي موبسان أنه في سرده "يأكل العالم بعيونه" أما آسيا فإنها تأكل العالم بحواسها الخمس(ينظر أول قصة :يوم امرأة)، فهي ترصد كل حركة لكأنها غبريال خورسيا ماركيز، وهذا هو الفنان الحقيقي فهو يرى مالا يراه العاديون.
استطاعت آسيا أن تعدد وسائل تقنياتها في الكتابة بأسلوب يأسر المتلقي، ويجعله يتفاعل بالإعجاب والقبول.
5- استدراكات على السرد في هذه المجموعة:
ما يمكن أخذه على آسيا في "ليلة تكلم فيها البحر"-وهذا رأيي الخاص- أنها لم تستطع أن توظف لغة المكان، وتستثمر في حيزها الجغرافي، لتحدثنا عن لغة المكان، خصوصا أن منطقتها تعرف زخما تاريخيا ومكانيا وتعدد في مستويات اللغة أكثر.
- من حيث تدري أو لاتدري تناولت قضايا مستهلكة ومكرورة، وإن بعثتها بأسلوب جديد، إلا أن ذلك يستمجه النقاد، و مالت قليلا إلى قضايا المرأة كما أشرت سابقاً.
هل استفادت آسيا من ثقافتها الانجليزية والأدب الإنجليزي ووسع خيالها؟ذلك الذي لازلت أبحث عنه.وأهيب بالباحثين والدارسين إثباته أو نفيه..
وخلاصة القول في المجموعة: أنني اكتشفت كاتبة في العالم الافتراضي، تحتاج إلى مرافقه النقاد وإثراء تجربتها الإبداعية المنشورة، خصوصاُ أنها تملك مسودة من الأعمال تحت الطبع، وتملك أدوات الارتقاء والفرادة.فهل سنشهد التفاتة لهذا الصوت المغمور، أم ستتواصل حلقات التلقي الإقصائي وحفلات التلميع المبنية على المعسكرات الايديولوجية والحسابات الضيقة؟.
نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 19 جمادى الثاني 1432هـ الموافق لـ : 2011-05-22
نشر بجريدة ( صوت الأحرار الجزائرية )
نشر بجريدة ( صوت الأحرار الجزائرية )
تعليق