أشحت بوجهي عن الحائط المثبت فيه شاشة تلفاز كبيرة، وقطرات ملح تفور بغصة تخنق كلماتي.. فأعزف عن تناول إفطاري الشهي..
لقد سئمت هذه المناظر المرعبة؛ العشرات يفترشون الشوارع الكئيبة يوميا، ينفذون الـ(هاراكيري) بفظاظة، دون التفات للمصورين ولا لمشاعر الملايين الرقيقة..
كم هو مؤسف حال البلد؛ كيف تحولت إلى أكبر دولة مصدرة للبؤس والشقاء في العالم.. يجب دعم شعب اليابان في هذه الأوقات العصيبة..
بدأت بارتداء ملابسي على عجل بعدما جاءتني رسالة من المدير العام يطلبنا لاجتماع عاجل..
لنرفع خطابا إلى الحكومة بضرورة وقف هذه الظاهرة المشينة.. قال زميلي ونحن ماضون في مركبة المؤسسة، كنا نستمع إلى تقرير من الإذاعة.. بينما تغزونا مشاهد العشرات منهم ينهبون الشوارع بملابس يخجل منها أهل الأدغال..
نعم.. لا بد من مخاطبة الرئيس ليضع حدا لهذا الإهمال.. قلت والغضب يعصف بسكوني من تقصير قواتنا البحرية في المغرب العربي في منع المتسولين الأمريكان من العبور إلينا..
لماذا لا نسحل نحن أيضا إلى جنوب الكرة الدوارة؟ ولماذا لا نتراقص من عدم التوازن بسبب دورانها السريع؟ على الأقل لماذا لا يسقط السكان الجنوبيون في الفراغ؟؟ كنت أفكر بينما ندخل مكتب المدير.. وأنا لست معي..
فرح آلاف ( الزعران) من الروس بخطة الحكومة لتوطينهم في صحارى إفريقيا لاستصلاحها وتقديم جزء كبير من نتاجها للدولة..
وأخيرا وجدت الحكومة الحل المناسب الذي طالما نادينا به، إذ لا يوجد عندنا سجون، ولا نستطيع إرجاع هكذا كفاءات إلى بلدان رجعية.. قالها مبتسما بينما يغلق التلفاز ويقوم من مقامه لاستقبالنا..
الحمد لله.. قلنا بصوت واحد بينما تنتظر عيوننا تدحرج سبب اجتماعنا من بين شفتيه..
عندي لكم خبرين.. الأول هو رحلة عائلية لكما من أجل الراحة والاستجمام.. لمدة شهر كامل على حساب المؤسسة، تقديرا لجهودكما في إنجاز هذا البحث العلمي المهم.. تفرس وجهينا باحثا عن ردة فعل راضية فلم يجد.. لأننا قلنا بصوت واحد: لا نريد رحلة إلى القمر!
قهقه بصوت مرتفع.. ضرب كفيه على الطاولة وهو يرتفع ببطء والابتسامة محبوسة على شفتيه.. ليس إلى القمر، بل إلى جزر القمر.. وأردف بضحكة راكمت فضول الموظفين على الباب.. لكن بشرط؛ أن تقوما بتدريب أستاذيْ جامعة من الاتحاد الأوروبي بعد عودتكما..
لا بأس.. أجبنا بامتعاض
وعليكما.. أن تحذرا من القراصنة الصينيين هناك؛ فهي غاضبة لأننا دعمنا حركات تحرر الأقليات.. وأستصدرنا قرارا بالحجز على أرصدتها لدينا
قلت بصوت هاديء واثق.. يجب أن نحاربهم، هؤلاء أعداء الحرية.. يجب أن نحاربهم..
تحارب من يا هذا؟ بصوت أجش من داخل رأسي.. لم ألتفت.. عاد يصرخ ويلكزني بمهمازه.. هيا انهض.. قم معنا بدون (شوشرة) وإلا..
فتحت عيني فإذا هم واقفون كأعجاز نخل خاوية ينتظرونني..
تناسل الذهول على سحنتي بينما تسحقني كرة الصمت.. تشتت شفتاي بحثا عن حرف يبرر الموقف.. خاب أملي بكلمة طائشة من داخلي تنقذني.. خلعت حلمي.. تناولت بعض شجاعة قد تلزم لنسج غرض قوي التخفي
يا إلهي هل فعلتُها؟
نعم فعلتَها.. أجاب كبيرهم..
حينها تكسَّر زجاج الهدوء الهش
فانطلقت أمواج قهقهات الشماتة تتبعثر في الأرجاء كحجارة فقدت بوصلتها
حينها تكسَّر زجاج الهدوء الهش
فانطلقت أمواج قهقهات الشماتة تتبعثر في الأرجاء كحجارة فقدت بوصلتها
وقد حكمنا عليك بالنفي إلى الكل الخالي..
بتهمة الاسترسال في
الأحلام الممنوعة
مصطفى الصالح
22\05\2011
تعليق