بائعة الثروة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسن الحسين
    عضو الملتقى
    • 20-10-2010
    • 299

    بائعة الثروة

    بائعة الثروة


    اشتط المطر في ملاحقة بائعة اليانصيب الصغيرة وهي ترفرف بضفيرتيها المبللتين وقد أخفت في عبها قسائم بضاعتها بعد عناد حبات المطر في النيل من تلك الأرقام السحرية التي تخفي ثروة محتملة في ترتيبها..
    رأفت بها إحدى مظلات الحوانيت المغلقة فافسحت لها ملجأ من السيول.. ركنت الطفلة في الزاوية متكومة كقطة مذنبة ترتجف رموشها وتنتفض أطرافها لكن أصابعها تعصر قسائم اليانصيب التي غدت طفلها ومصيرها وحياتها وعليها أن تحميها ..وتضغطها في عبها..
    بقيت البائعة ملتصقة بالزاوية الجافة تتحدى المطر..واستمرت السماء على اتساعها تجرب عضلاتها في جسد وصمود تلك المسكينة بائعة الأوراق الملونة.. فازداد المطر قسوة وتصلبت ارادة الطفلة عنادا وقالت وهي تزاور السماء الرمادية في لعبة عض الأصابع:
    - إما أنا وإما أنت..وسنرى من سيصرخ أولا..
    لملمت السماء حبات البلل وساقتها مهزومة وابتعدت..فرمقت البائعة جنازير الغيوم وراجمات السحب وهي تنسحب من الميدان..فنهضت ترش الابتسامة على وجهها وتزيح قطرات الماء عن ثوبها وتراقص ضفيرتها " كما انتفض العصفور بلله القطر"..
    تخرج من مخبئها مزهوة وتتجه إلى مكتب توزيع أوراق اليانصيب لتسليم مابقي في حوزتها..ففي هذه الليلة تدور دواليب الحظ وغدأ تعلن نتائج الأوراق الرابحة..
    يتلقاها الموظف بعتاب لطيف:
    - تأخرت اليوم يافاطمة..
    - المطر ياأبو ياسين.
    - المطر خير وبركة يافاطمة..
    - ماقلنا غير ذلك ياعم.. إنما هو سبب تأخيري.
    - ولايهمك.. هات مابقي لديك.
    تسرع فاطمة في رصف الأوراق برتل وترتيب على المصطبة الخشبية أمام الكوة.. وقد تبللت بعض زوايا القسائم..ثم تضع غلة اليوم بجوارها وتتنهد كمن أزال عبئا على كاهله ويستعد لوجبة شهية واستراحة تغسل عناءه..لكن الموظف أبو ياسين يفاجئها
    - الغلة ناقصة يافاطمة!!.
    - كيف ناقصة ؟
    - ناقصة ثمن ورقة كاملة.
    - غير معقول هذا كل مالدي!!
    - فتشي مرة أخرى في جيوبك..
    تغوص اليدان الغضتان المبللتان في جيوبها وعبها وتتلمسان كل بقعة في جسدها ولاتعثران على ضالتهما..تقفز الدموع من المآقي على الوجنتين كما فعل الطقس فيهما منذ ساعة..وينزف عزف حزين بصوت مأساوي ينساب من صالة حنجرتها بايقاع مرتعش..فثمن ورقة اليانصيب الضائع هو تعب يوم بأكمله إنه قيمة وجبات النهار والليلة..وتراءى لها غول الجوع يهددهابهجرها هذا المساء ويوم غد..
    تستسلم صاغرة الارادة وتسير الى البيت على مداسات المرارة..فحين يكون الرصيد قرشا ويضيع يعني رغم ضآلته زلزالا وكارثة لمن كان يملكه..
    دخلت فاطمة برفقة كآبتها إلى غرفتها وتأقلمت مع مساء بلا عشاء وتواعدت مع فراشها البارد قائلة:
    - سأخلع ردائي المبلل وأندس فيك ..سأنام خفيفة دون عشاء..
    وابتسمت ساخرة من عبارتها التي تفوهت بها من تحت ركام الأحزان.." خفيفة دون عشاء.."
    عرّت جسدها اللدن الضامر من فستانها وعلقته على مسمار في الجدار ليجف واستدارت نحو فراشها.. فراعها منظر ورقة اليانصيب المبللة ملتصقة عند أسفل بطنها..
    ارتجت أطرافها بين الغبطة والدهشة فسارعت الى دس جسدها من جديد في ذات الفستان..وحررت ساقيها من وركيها لتسابق الزمن وتلحق بالمكتب قبل الاغلاق..لكنها حين لمحت شؤم العتمة من شبابيك المكتب عن بعد أدركت أن القطار فاتها.. فعصرت الورقة في يدها ورجعت تختزن الخيبة في جوارحها..يصاحبها ازدحام المصائب..فقد هدها الركض وعضها الجوع وشمت بها باب المكتب الموصود..
    في الصباح توجهت فاطمة بثوب بارد شبه جاف إلى مكتب اليانصيب تحمل الورقة المأساة فلعل وعسى يقبل المكتب بإعادتها تحت أي بند كان..وتستعيد ولو نصف ثمنها..
    تقدمت من الموظف وجلة وقالت بنصف صوتها:
    - أبو ياسين ساعدني أرجوك.. هذه الورقة كانت تحت ثيابي بالأمس ولم ألحظها..
    - كيف ممكن أساعدك؟
    - تعيد لي ثمنها أو النصف على الأقل..
    - هاتها.. سأكلم المدير بشأنك وسأعمل جهدي يافاطمة فأنت غالية عندي..
    - تفضل وهذا المعروف لن أنساه لك..
    أخذ أبو ياسين الورقة وراح يدون رقمها في السجل بتاريخ الأمس..لكنه يده تجمدت وشفتاه ارتعشتا ورقصت أهداب عينيه وتحرك لسانه دون نطق..وبدأ يومئ بكلتا يديه لفاطمة..
    - أبو ياسين خير ..ماذا بك ياعمي..
    - الورقة ربحت الجائزة الكبرى يافاااا
    سقط الموظف من هول الصدمة مغشيا عليه.. بينما ركضت الصغيرة بكوب الماء تسارع لإغاثته وتبلل جبينه بالماء وتقرأ المعوذتين على رأسه وتفرك له صدغيه وتصيح:
    - أبو ياسين اصحى ياعمي.. صحتك بالدنيا كلها ..أبو ياسين اصحى.. الله يلعن الورقة ويلعن الجائزة ..اصح ياعمي اصح.
  • بيان محمد خير الدرع
    أديب وكاتب
    • 01-03-2010
    • 851

    #2
    ما شاء الله على هذا الألق و الإبداع ..
    إن هذه المقطوعة الأدبية كناية عن رواية من إحدى روايات الأدب العالمي ..
    دمت بخير أستاذي الكريم .. مودتي

    تعليق

    • عزالدين ميرغني
      عضو الملتقى
      • 18-04-2011
      • 34

      #3
      إنك يا حسن تعيش الحياة كما يجب أن تعاش
      وسط الناس .. بهذا السهل الممتنع ..
      بهذه البساطة الباذخة
      تلتقط وتصطاد جزئ صغير
      من الهامش وتضخمة ..
      تلقي عليه الضوء دون تكلف
      فمن يلتفت لبائعة نصيب تائهة
      وسط التمسايح وينثر حولها
      كلمات زاهية وهي تداعب المطر .. ؟
      راق لي هذا النص وكنت مرتاحا
      تماما في قراءته
      والراحة في القراءة لا يصلها القارئ
      إلا إذا وهبه كاتب مقتدر الإذن بذلك.
      جميل وأكثر.

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        فعلا أستاذ حسن ،كانت قصّة مشوّقة .
        أبدعت هنا أخي.
        حضرت التّفاصيل و الوصف الموجّه بدقّة دون أن يجعلا منه قصّة طويلة.شدّتني هذه المعادلة التي أراك كنت بارعا في تحقيقها و ذكيّا في ترويضك إيّاها من أجل متن جذّاب و متماسك كهذا الذي قرأناه.
        تحيّة جميلة.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        يعمل...
        X