قرص العسل
خوت خليّة النّحل على عروشها ، اختلّت موازينها ، و تداعت أعمدة نظامها . أمّا سكانها فهم بين ميت وآيل إلى الموت وموعود بالموت في الأقاصي المجهولة.
قبل ذلك بمدّة :
وقعت إحدى النّحلات العاملات في عشّ للدّبابير . فتحلّقت حولها طانّة زانّة .وصارت تطوف بها وتضيّق عليها الحصار . استمرّت النّحلة واقفة دون حراك وهي العالمة بمصيرها المحتوم مزقا بين أفواه الدّبابير : "ليتهم يقتلونني بأقلّ العذابات ."
اقترب منها أحدها . فانطوت على نفسها ، وارتعدت فرائسها ، وخارت قواها ، وخرّت على ركبتيها . شعرت به يطوف بها . فصارت تستعجل لحظة الموت غير أنّها سمعته يخاطبها :
ـ يا لسوء حظك أيّتها النّحلة . ويا لظلم أقدارك . تمضين أيام حياتك فريسة للشّقاء والتّعب والعناء . ثم تنتهين أشلاء بين أفواه الدّبابير.ماذا تظنّين أنّا فاعلين بك ؟
ألجم الخوف لسانها ، وشلّ اليأس تفكيرها فضلّت متحجّرة كتمثال أجوف تعوي داخله الهواجس وتفتّته المخاوف ، وهي التي تتمنّى الموت فلا يسعفها .
عاد يطوف بها :
ـ إذا متّ الآن . من سيهتمّ لأمرك ؟ من سيأسف لموتك ؟ بل من سيلاحظ أصلا غيابك ؟ لست سوى رقم آحاد يأتي بعد بضعة آلاف نحلات عاملات في الخليّة .
اقترب منها أكثر ورفع بجناحه رأسها ونظر في عينيها :
ـ ظلمتك أقدارك أوّلا وآخرا . جعلت منك نحلة عاملة تشقى ليسعد غيرها ... تتعب ليأكل أسيادها ، تعاني لينعم من هم أوفر حظّا بثمار تضحياتها ، تبذل ويبخس قدرها . بينما ... جعلت من البيضة المجاورة ملكة تأمر فتطاع .
التفت الدّبّور إلى بقيّة الحشد وخاطبهم :
ـ انظروا إلى هذه النّحلة ... أمعنوا النّظر جيّدا ألا يبدو عليها وقار وسمات الملوك ؟
هزّالجميع رؤوسهم فطأطأت النّحلة رأسها وصارت تنظر بأسف إلى جسدها وقد هزّها كلامه وفجّرفي نفسها مواطن وجع لم تعرفها من قبل . لاحظ الدّبّور وقع كلماته في النّحلة فأضاف وقد وضع جناحيه على كتفيها :
ـ يا لتآمر أقدارك عليك أيّتها النّحلة .
بقي حينا كذلك ثمّ التفت الى الحشد :
ـ أنكون نحن والأقدار عليها ؟ ألا تستحقّ فرصة لتصحيح الأوضاع واستعادة الحقوق ؟
بدا لها في نبرة صوته جدّية أكّدتها حماسة الجمع في تأييده وهي التي ظنّت أنّ ما كان يدور وسط حلقة الدّبابير ليس إلاّ تسال بعذاباتها . أيقنت الآن أنّ من كان حقّا يتسلّى بعذاباتها من بني جلدتها ، وليست هذه الدّبابير التي كانت تظنّها عدوّة لدودة فخرّت لهم ساجدة :
ـ إذا منحتموني فرصة سأكون نحلة أخرى .
أكبرت الدّبابير صحوتها ، ونفخت في عزيمتها ، وأثنت على شجاعتها . فتجشّأت وعودا بالتّغيير . غير أنّهم نصحوها بحسن التّدبير واقترحوا عليها المساعدة في اختيار السبيل . وأشار عليها بعضهم بالعودة لخبرتهم بين الحين والحين ولن يبخلوا عليها بالنّصح والرّأي السّديد . ثمّ أضاف زعيمهم :
ـ عليك بادئ ذي بدء بالبحث عمّن يعاضدك في مسعاك من أخيّاتك المضطهدات هناك في قلب الخليّة . وكلّما كان العدد أوفر كان الطريق إلى مسعاك أقصر .
قبل بضعة أيّام من النّهاية :
منذ أيّام ، وجد الخوف طريقه الى قلب الخليّة ودبت الفوضى في صفوف النّحل وقد وُجدت في كثير من الصّباحات جثث العسس أشلاء على الأبواب . وصارت النّحلات العاملات غير قادرة على تأمين الغذاء للخليّة والفصل ربيع مزهر . صرن مضطربات هلوعات محبطات العزائم ، كلما خرجن للبحث عن طعام ، عدن كما خرجن خاويات الجراب . مدفوعات بهواجس الخوف وقد تقطعت بهن سبل الأمان . وأما النّحلة وصويحباتها ممن تبعن دعوتها . فهنّ منشغلات بالتّرويج لما نذرن أنفسهنّ له .
قبل يوم واحد من النّهاية :
أثنت الدبابير على مجهودات النّحلة الثّائرة وقد حملت لتوها أخبار ما أوصلت إليه الخليّة من ضعف . وما وصلت إليه هي من جمع للحشود . ظلّ الدّبور الزّعيم يستمع إليها وهي تعدد مآثرها ، وتفخر بإنجازاتها ، وهو يهزّ رأسه إكبارا لعبقريّتها . وقدرتها الفائقة على الاقناع .
ظلّ يخطر أمامها إلى أن أتمّت كلامها . ثمّ خاطبها :
ـ لقد وعدناك أن لا نبخل عليك بالنّصح ، وهاقد حان وقته . إذا ظلّت الملكة على حالها فستحول دونك ومرامك . لذا وجب عليك إزاحتها .
خاطبته وقد بدا عليها الارتباك :
ـ ال ... ال ... الم ... الملكة ؟؟؟ وأنّا لي أن أزيحها ودوني ودونها آلاف العسس اليقظين المستبسلين في حمايتها بأرواحهم .
ظلّ الدبور يذرع المكان جيئة وذهابا . مطأطئا رأسه . ثم توجّه إلى بقيّة الدبابير وقد تحلّقت حولهما :
ـ معها حق إن توجّست خيفة . فليشر عليها أحدكم بما يحقق غايتها دون أن تلقي بنفسها ومن معها إلى التّهلكة .
ظلّ الجمع ساكنا ... إلى أن تقدّم أحد الدّبابير واستأذن سيّده للتدخّل وقال :
ـ فالغايات العظام تستوجب تضحيات جسام . عليك أن تقنعي نحلة بالتّضحية بنفسها من أجل المجموعة . أنتنّ النّحلات العاملات تصنعن عسل الملكة في غدد دماغية خاصة . سندلّك على زهرة الموت إذا امتصّت رحيقها لا يقتلها إلا بعد وقت كاف لصنع عسل الملكة المسموم وتقديمه لها .
قبل لحظات من النّهاية :
دخلت النّحلة المتأهّبة للموت ، بشوشة تقدّم فروض الطّاعة ... قدّمت العسل المسموم لملكتها فكرعت منه . بعد بضع لحظات بدأتا تتمرّغان وتتخبّطان وتطنّان طنين الموت وتصارعان سكراته . ثمّ سرعان ما أخذ الطّنين يتقطّع والحركات تهدأ إلى أن غدت مجرّد اهتزازات تتباعد تدريجيا وارتعاشات تغرق في السّكون . وسط حلقة من النّحل الغارق في برك من الصّمت و الخوف والهلع والذّهول ... ظلّ المشهد صامتا ساكنا إلى أن جرفه سيل من الطّنين الدّخيل . إنّها جحافل من الدّبابير ، غزت الخليّة في لحظة ذهولها . فرّقت الجمع ، قتّلت ومزّقت وخرّبت واستولت على أقراص العسل . أمّا النّحلة فوجدت نفسها مكسورة الجناحين تحت كومة من الأشلاء واليرقانات التي أجهضت قبل أن ترى النّور .
بعد مدّة من تلك النّهاية :
وقعت نحلة أخرى ... من خليّة أخرى ... في نفس عشّ الدّبابير ...
خوت خليّة النّحل على عروشها ، اختلّت موازينها ، و تداعت أعمدة نظامها . أمّا سكانها فهم بين ميت وآيل إلى الموت وموعود بالموت في الأقاصي المجهولة.
قبل ذلك بمدّة :
وقعت إحدى النّحلات العاملات في عشّ للدّبابير . فتحلّقت حولها طانّة زانّة .وصارت تطوف بها وتضيّق عليها الحصار . استمرّت النّحلة واقفة دون حراك وهي العالمة بمصيرها المحتوم مزقا بين أفواه الدّبابير : "ليتهم يقتلونني بأقلّ العذابات ."
اقترب منها أحدها . فانطوت على نفسها ، وارتعدت فرائسها ، وخارت قواها ، وخرّت على ركبتيها . شعرت به يطوف بها . فصارت تستعجل لحظة الموت غير أنّها سمعته يخاطبها :
ـ يا لسوء حظك أيّتها النّحلة . ويا لظلم أقدارك . تمضين أيام حياتك فريسة للشّقاء والتّعب والعناء . ثم تنتهين أشلاء بين أفواه الدّبابير.ماذا تظنّين أنّا فاعلين بك ؟
ألجم الخوف لسانها ، وشلّ اليأس تفكيرها فضلّت متحجّرة كتمثال أجوف تعوي داخله الهواجس وتفتّته المخاوف ، وهي التي تتمنّى الموت فلا يسعفها .
عاد يطوف بها :
ـ إذا متّ الآن . من سيهتمّ لأمرك ؟ من سيأسف لموتك ؟ بل من سيلاحظ أصلا غيابك ؟ لست سوى رقم آحاد يأتي بعد بضعة آلاف نحلات عاملات في الخليّة .
اقترب منها أكثر ورفع بجناحه رأسها ونظر في عينيها :
ـ ظلمتك أقدارك أوّلا وآخرا . جعلت منك نحلة عاملة تشقى ليسعد غيرها ... تتعب ليأكل أسيادها ، تعاني لينعم من هم أوفر حظّا بثمار تضحياتها ، تبذل ويبخس قدرها . بينما ... جعلت من البيضة المجاورة ملكة تأمر فتطاع .
التفت الدّبّور إلى بقيّة الحشد وخاطبهم :
ـ انظروا إلى هذه النّحلة ... أمعنوا النّظر جيّدا ألا يبدو عليها وقار وسمات الملوك ؟
هزّالجميع رؤوسهم فطأطأت النّحلة رأسها وصارت تنظر بأسف إلى جسدها وقد هزّها كلامه وفجّرفي نفسها مواطن وجع لم تعرفها من قبل . لاحظ الدّبّور وقع كلماته في النّحلة فأضاف وقد وضع جناحيه على كتفيها :
ـ يا لتآمر أقدارك عليك أيّتها النّحلة .
بقي حينا كذلك ثمّ التفت الى الحشد :
ـ أنكون نحن والأقدار عليها ؟ ألا تستحقّ فرصة لتصحيح الأوضاع واستعادة الحقوق ؟
بدا لها في نبرة صوته جدّية أكّدتها حماسة الجمع في تأييده وهي التي ظنّت أنّ ما كان يدور وسط حلقة الدّبابير ليس إلاّ تسال بعذاباتها . أيقنت الآن أنّ من كان حقّا يتسلّى بعذاباتها من بني جلدتها ، وليست هذه الدّبابير التي كانت تظنّها عدوّة لدودة فخرّت لهم ساجدة :
ـ إذا منحتموني فرصة سأكون نحلة أخرى .
أكبرت الدّبابير صحوتها ، ونفخت في عزيمتها ، وأثنت على شجاعتها . فتجشّأت وعودا بالتّغيير . غير أنّهم نصحوها بحسن التّدبير واقترحوا عليها المساعدة في اختيار السبيل . وأشار عليها بعضهم بالعودة لخبرتهم بين الحين والحين ولن يبخلوا عليها بالنّصح والرّأي السّديد . ثمّ أضاف زعيمهم :
ـ عليك بادئ ذي بدء بالبحث عمّن يعاضدك في مسعاك من أخيّاتك المضطهدات هناك في قلب الخليّة . وكلّما كان العدد أوفر كان الطريق إلى مسعاك أقصر .
قبل بضعة أيّام من النّهاية :
منذ أيّام ، وجد الخوف طريقه الى قلب الخليّة ودبت الفوضى في صفوف النّحل وقد وُجدت في كثير من الصّباحات جثث العسس أشلاء على الأبواب . وصارت النّحلات العاملات غير قادرة على تأمين الغذاء للخليّة والفصل ربيع مزهر . صرن مضطربات هلوعات محبطات العزائم ، كلما خرجن للبحث عن طعام ، عدن كما خرجن خاويات الجراب . مدفوعات بهواجس الخوف وقد تقطعت بهن سبل الأمان . وأما النّحلة وصويحباتها ممن تبعن دعوتها . فهنّ منشغلات بالتّرويج لما نذرن أنفسهنّ له .
قبل يوم واحد من النّهاية :
أثنت الدبابير على مجهودات النّحلة الثّائرة وقد حملت لتوها أخبار ما أوصلت إليه الخليّة من ضعف . وما وصلت إليه هي من جمع للحشود . ظلّ الدّبور الزّعيم يستمع إليها وهي تعدد مآثرها ، وتفخر بإنجازاتها ، وهو يهزّ رأسه إكبارا لعبقريّتها . وقدرتها الفائقة على الاقناع .
ظلّ يخطر أمامها إلى أن أتمّت كلامها . ثمّ خاطبها :
ـ لقد وعدناك أن لا نبخل عليك بالنّصح ، وهاقد حان وقته . إذا ظلّت الملكة على حالها فستحول دونك ومرامك . لذا وجب عليك إزاحتها .
خاطبته وقد بدا عليها الارتباك :
ـ ال ... ال ... الم ... الملكة ؟؟؟ وأنّا لي أن أزيحها ودوني ودونها آلاف العسس اليقظين المستبسلين في حمايتها بأرواحهم .
ظلّ الدبور يذرع المكان جيئة وذهابا . مطأطئا رأسه . ثم توجّه إلى بقيّة الدبابير وقد تحلّقت حولهما :
ـ معها حق إن توجّست خيفة . فليشر عليها أحدكم بما يحقق غايتها دون أن تلقي بنفسها ومن معها إلى التّهلكة .
ظلّ الجمع ساكنا ... إلى أن تقدّم أحد الدّبابير واستأذن سيّده للتدخّل وقال :
ـ فالغايات العظام تستوجب تضحيات جسام . عليك أن تقنعي نحلة بالتّضحية بنفسها من أجل المجموعة . أنتنّ النّحلات العاملات تصنعن عسل الملكة في غدد دماغية خاصة . سندلّك على زهرة الموت إذا امتصّت رحيقها لا يقتلها إلا بعد وقت كاف لصنع عسل الملكة المسموم وتقديمه لها .
قبل لحظات من النّهاية :
دخلت النّحلة المتأهّبة للموت ، بشوشة تقدّم فروض الطّاعة ... قدّمت العسل المسموم لملكتها فكرعت منه . بعد بضع لحظات بدأتا تتمرّغان وتتخبّطان وتطنّان طنين الموت وتصارعان سكراته . ثمّ سرعان ما أخذ الطّنين يتقطّع والحركات تهدأ إلى أن غدت مجرّد اهتزازات تتباعد تدريجيا وارتعاشات تغرق في السّكون . وسط حلقة من النّحل الغارق في برك من الصّمت و الخوف والهلع والذّهول ... ظلّ المشهد صامتا ساكنا إلى أن جرفه سيل من الطّنين الدّخيل . إنّها جحافل من الدّبابير ، غزت الخليّة في لحظة ذهولها . فرّقت الجمع ، قتّلت ومزّقت وخرّبت واستولت على أقراص العسل . أمّا النّحلة فوجدت نفسها مكسورة الجناحين تحت كومة من الأشلاء واليرقانات التي أجهضت قبل أن ترى النّور .
بعد مدّة من تلك النّهاية :
وقعت نحلة أخرى ... من خليّة أخرى ... في نفس عشّ الدّبابير ...
تعليق