وشم في الذّاكرة
وشم على الشّمس
كان الوقت غروبا ، وكنت بجانب أبي ، وهو أمام منزلنا الرّيفيّ ذي الغرفة الواحدة ، مستلق على حصير يتمتّع بنسيم عليل بعد يوم طويل مضن من الحرّ ... كنت صغيرة ، شغوفة وكثيرة الأسئلة ، حتّى أنّ أغلبهم لم يعد يعير أسئلتي أيّ اهتمام ، فيسكتني بأيّ كلام ... كما قد يُرمى لكلب حجر يظنّه عظما فيسكته برهة عن النّباح . كان منظر الغروب يسحرني ويحيّرني ، مذ وعيت وأنا أشاهد الشّمس تشرق صباحا وتكمل مسيرتها . لتختفي عند الغروب ، وراء الجبل فتشحنني أسئلة . ذاك المساء سألت أبي عن مصير الشّمس بعد الغروب . فرمى لي بحجر الكلب ، متّقيا شرّ وابل من الأسئلة :
ـ إنّها تنام وراء الجبل .
ذات ليلة سمعت أبي وجدّي يتحدّثان حول ضرورة الانتقال بالأغنام إلى ما وراء الجبل ، لمّا شحّ المطر وباتت الأغنام ترعى واقفة لا تجد ما تنحني من أجله ...
لم أنم ليلتها شوقا وحماسة ، وأنا التي لم تبرح حدود أرض جدّي ... بتّ أراني أشهد الشّمس وهي تنزل أمامي في هدوء وتأنّ. و تستقرّ لترتاح في مضجعها اللّيلي بعد عناء سفرة عرض السّماء . بقيت أسبح في خيالاتي حتّى طلوع أوّل بشائر الشّروق : " موعدنا مساء وراء الجبل أيّتها الشّمس " هكذا عانقت عينيا أوّل شعاع من أشعّة الشّمس ...
لم أشعر بعناء الطريق ونحن ، نسافر مشيا على الأقدام ، نسوق القطيع ، كنت لا أبالي بالتّعب وأنا أتحمّل مشقّة أكبر من قدراتي ، كان الجميع يعمل كبيرا وصغيرا لبناء " العشّة " قبل أن يشتدّ الهجير . كنت أتوقّف من حين لآخر أتفقّد شمسي وأذكّرها بموعدي معها .
عبثا حاولوا إقناعي بالدّخول إلى الخيمة لاتقاء الحرّ ، فقد تملّصت من تأنيبهم بالجلوس في ظلّ شجرة صنوبر تقبع وحيدة بين الخيمة والجبل ... ازداد خفقان قلبي والشّمس تواصل الانحدار . تخيّلتني أحضر ذلك العرس الملائكيّ البهيج فأرى شمسي تقترب موشّحة بالسّحب ، تزفّها الطيور وسط تمازج ساحر للألوان لتحطّ أمامي متثائبة في خجل ودلال ... كنت أراني أطوف بها أنشد لها لحنا حفظته عن أمّي تهدهد به أخي الصّغير لمّا تريد إغراءه بالنّوم ... بقيت أردّد اللّحن حتّى أغرقني في النّوم وأنا الصّغيرة المتعبة . لمّا أفقت ، بحثت عن شمسي بيني وبين الجبل فما وجدتها . وإذا ببعض أشعّة خافتة تتسرّب من بين أغصان الشّجرة ، ألتفت وإذا بشمسي تتأهّب لترقد وراء جبل آخر خلفنا وتخلف موعدها معي ... عدت إلى الخيمة محبطة ، خاصمت أبي ، وخاصمت الشّمس ولم أعد أنظر إليها ... ولم أتصالح معها ... حتّى بعد أن كبرت وارتدت المدرسة ودرست علم الفلك . بقي جزء عميق منّي مجروحا من الشّمس ، ولا يزال شعور باليأس والإحباط في نفسي يلازم مشهد الغروب ...
وشم على القمر
... كان منظر ذلك القرص الذهبي المعلق في السماء يحيّرني ويغريني ... كنت استلقي أمام الدار ، في ليالي الصيف المقمرة ، فيأسر بصري ويستوقفه لساعات وساعات ، مأخوذة بجماله وهو يتربع في قلب السّماء وسط لطخة سوداء عملاقة وينثر حوله النجوم في عبثية ساحرة ... كم كان يبهرني ، وكم كان يطلق العنان لمخيلتي الغضّة . فأراني من ذوات الأجنحة ... أعلو وأعلو ، مرتقية هامة السماء إلى أن أصل إلى جيدها الذي يزينه ذلك القرص الذهبي ، فأطوف به مرّات ومرّات أستكشفه... وكثيرا ما كان يلج عتبة أحلامي ، لمّا يباغتني النّعاس ... فأجدني أقلّب قرصه بين يدي ... وأشبع نهم فضولي منه ...
ذات ليلة اكتمل قمري فصار بدرا ، وكنت اتكئ على ركبة أمي تهدهد بيديها شعري وتتلمسه بأصابعها. فخطر لي أن اسألها عن سرّ تلك البقع السوداء التي تشوب صفاء اللّون الذّهبي على القمر . فقالت : "حدثني جدك عندما كنت بمثل سنك وشغفك ، أنّه حدّثه عنه جدّه عن جدّه أنّ تلك البقع السوداء إن هي إلا صورة امرأة أكلت من رغيف . ولمّا شبعت ، مسحت بما تبقّى منه قذارة ابنها. فحلّت بها اللعنة ، بأن عُلّقت من جفونها على سطح القمر وبقيت تتدلّى . جزاء صنيعها بالنّعمة .
ومنذ ذلك الحديث الذي انطوى على كثير من التّشفي ... بتّ أرى تلك المرأة بكلّ تفاصيل مشهدها كلما اكتمل القمر. حتّى لمّا كبرت ، وارتدت المدارس ، لم تفارق الصورة مخيّلتي ... ظلّت تطفو على كل ما تعلّمته ... وظلّت أمّي تصرخ فيَ . عميقا بنبرة تحذيرها بنبرة تشفّيها ... واستمرّ صوتها يعلو ـ في غفلة منّي ـ على صوت المعلّم والأستاذ . وقد استقر بقاع بئر عميقة في نفسي لم أعرف قرارها يوما... ينتهز لحظات سهوي وضعفي فيعوي بداخلي كذئب وقد اكتمل القمر ... وتقفز الصورة لترتسم على سطحه بكلّ تفاصيلها الدقيقة فأكاد اسمع المرأة تتأوه ندما ، وتئن ألما ، وتصيح بي تحذّرني من سوء المنقلب ... فيمتلئ قلبي إشفاقا عليها وخوفا على نفسي من تجاوز حدود احترام أيّ نعمة ...
ليتني اقتلع القمر من السّماء ... ولو كنت سأحرمها زينتها ، وأغرقها في السواد ... أو ليتني أغسل القمر في مخيّلتي من تلك البقع السّوداء ...
كبرت الآن وصرت أمّا ، سألتني ابنتي ذات ليلة مقمرة عن السّواد الذي يشوّه اصفرار قمرها ... فوجدت أمّي تقفز لتجيبها على لساني ... تطبع الرّواية في مخيّلتها الغضّة بأحرف من نار، تنقش ، تستنسخ ، الصّورة على قمر ابنتي بكلّ ما تحمله من تفاصيل .
وشم على الشّمس
كان الوقت غروبا ، وكنت بجانب أبي ، وهو أمام منزلنا الرّيفيّ ذي الغرفة الواحدة ، مستلق على حصير يتمتّع بنسيم عليل بعد يوم طويل مضن من الحرّ ... كنت صغيرة ، شغوفة وكثيرة الأسئلة ، حتّى أنّ أغلبهم لم يعد يعير أسئلتي أيّ اهتمام ، فيسكتني بأيّ كلام ... كما قد يُرمى لكلب حجر يظنّه عظما فيسكته برهة عن النّباح . كان منظر الغروب يسحرني ويحيّرني ، مذ وعيت وأنا أشاهد الشّمس تشرق صباحا وتكمل مسيرتها . لتختفي عند الغروب ، وراء الجبل فتشحنني أسئلة . ذاك المساء سألت أبي عن مصير الشّمس بعد الغروب . فرمى لي بحجر الكلب ، متّقيا شرّ وابل من الأسئلة :
ـ إنّها تنام وراء الجبل .
ذات ليلة سمعت أبي وجدّي يتحدّثان حول ضرورة الانتقال بالأغنام إلى ما وراء الجبل ، لمّا شحّ المطر وباتت الأغنام ترعى واقفة لا تجد ما تنحني من أجله ...
لم أنم ليلتها شوقا وحماسة ، وأنا التي لم تبرح حدود أرض جدّي ... بتّ أراني أشهد الشّمس وهي تنزل أمامي في هدوء وتأنّ. و تستقرّ لترتاح في مضجعها اللّيلي بعد عناء سفرة عرض السّماء . بقيت أسبح في خيالاتي حتّى طلوع أوّل بشائر الشّروق : " موعدنا مساء وراء الجبل أيّتها الشّمس " هكذا عانقت عينيا أوّل شعاع من أشعّة الشّمس ...
لم أشعر بعناء الطريق ونحن ، نسافر مشيا على الأقدام ، نسوق القطيع ، كنت لا أبالي بالتّعب وأنا أتحمّل مشقّة أكبر من قدراتي ، كان الجميع يعمل كبيرا وصغيرا لبناء " العشّة " قبل أن يشتدّ الهجير . كنت أتوقّف من حين لآخر أتفقّد شمسي وأذكّرها بموعدي معها .
عبثا حاولوا إقناعي بالدّخول إلى الخيمة لاتقاء الحرّ ، فقد تملّصت من تأنيبهم بالجلوس في ظلّ شجرة صنوبر تقبع وحيدة بين الخيمة والجبل ... ازداد خفقان قلبي والشّمس تواصل الانحدار . تخيّلتني أحضر ذلك العرس الملائكيّ البهيج فأرى شمسي تقترب موشّحة بالسّحب ، تزفّها الطيور وسط تمازج ساحر للألوان لتحطّ أمامي متثائبة في خجل ودلال ... كنت أراني أطوف بها أنشد لها لحنا حفظته عن أمّي تهدهد به أخي الصّغير لمّا تريد إغراءه بالنّوم ... بقيت أردّد اللّحن حتّى أغرقني في النّوم وأنا الصّغيرة المتعبة . لمّا أفقت ، بحثت عن شمسي بيني وبين الجبل فما وجدتها . وإذا ببعض أشعّة خافتة تتسرّب من بين أغصان الشّجرة ، ألتفت وإذا بشمسي تتأهّب لترقد وراء جبل آخر خلفنا وتخلف موعدها معي ... عدت إلى الخيمة محبطة ، خاصمت أبي ، وخاصمت الشّمس ولم أعد أنظر إليها ... ولم أتصالح معها ... حتّى بعد أن كبرت وارتدت المدرسة ودرست علم الفلك . بقي جزء عميق منّي مجروحا من الشّمس ، ولا يزال شعور باليأس والإحباط في نفسي يلازم مشهد الغروب ...
وشم على القمر
... كان منظر ذلك القرص الذهبي المعلق في السماء يحيّرني ويغريني ... كنت استلقي أمام الدار ، في ليالي الصيف المقمرة ، فيأسر بصري ويستوقفه لساعات وساعات ، مأخوذة بجماله وهو يتربع في قلب السّماء وسط لطخة سوداء عملاقة وينثر حوله النجوم في عبثية ساحرة ... كم كان يبهرني ، وكم كان يطلق العنان لمخيلتي الغضّة . فأراني من ذوات الأجنحة ... أعلو وأعلو ، مرتقية هامة السماء إلى أن أصل إلى جيدها الذي يزينه ذلك القرص الذهبي ، فأطوف به مرّات ومرّات أستكشفه... وكثيرا ما كان يلج عتبة أحلامي ، لمّا يباغتني النّعاس ... فأجدني أقلّب قرصه بين يدي ... وأشبع نهم فضولي منه ...
ذات ليلة اكتمل قمري فصار بدرا ، وكنت اتكئ على ركبة أمي تهدهد بيديها شعري وتتلمسه بأصابعها. فخطر لي أن اسألها عن سرّ تلك البقع السوداء التي تشوب صفاء اللّون الذّهبي على القمر . فقالت : "حدثني جدك عندما كنت بمثل سنك وشغفك ، أنّه حدّثه عنه جدّه عن جدّه أنّ تلك البقع السوداء إن هي إلا صورة امرأة أكلت من رغيف . ولمّا شبعت ، مسحت بما تبقّى منه قذارة ابنها. فحلّت بها اللعنة ، بأن عُلّقت من جفونها على سطح القمر وبقيت تتدلّى . جزاء صنيعها بالنّعمة .
ومنذ ذلك الحديث الذي انطوى على كثير من التّشفي ... بتّ أرى تلك المرأة بكلّ تفاصيل مشهدها كلما اكتمل القمر. حتّى لمّا كبرت ، وارتدت المدارس ، لم تفارق الصورة مخيّلتي ... ظلّت تطفو على كل ما تعلّمته ... وظلّت أمّي تصرخ فيَ . عميقا بنبرة تحذيرها بنبرة تشفّيها ... واستمرّ صوتها يعلو ـ في غفلة منّي ـ على صوت المعلّم والأستاذ . وقد استقر بقاع بئر عميقة في نفسي لم أعرف قرارها يوما... ينتهز لحظات سهوي وضعفي فيعوي بداخلي كذئب وقد اكتمل القمر ... وتقفز الصورة لترتسم على سطحه بكلّ تفاصيلها الدقيقة فأكاد اسمع المرأة تتأوه ندما ، وتئن ألما ، وتصيح بي تحذّرني من سوء المنقلب ... فيمتلئ قلبي إشفاقا عليها وخوفا على نفسي من تجاوز حدود احترام أيّ نعمة ...
ليتني اقتلع القمر من السّماء ... ولو كنت سأحرمها زينتها ، وأغرقها في السواد ... أو ليتني أغسل القمر في مخيّلتي من تلك البقع السّوداء ...
كبرت الآن وصرت أمّا ، سألتني ابنتي ذات ليلة مقمرة عن السّواد الذي يشوّه اصفرار قمرها ... فوجدت أمّي تقفز لتجيبها على لساني ... تطبع الرّواية في مخيّلتها الغضّة بأحرف من نار، تنقش ، تستنسخ ، الصّورة على قمر ابنتي بكلّ ما تحمله من تفاصيل .
تعليق