هكذا هي دائما تكره الأضواء، تكره الزّحمة ، تتحاشى الناس ، تهرب من نظراتهم ، و تكره تطفلهم . لذلك رفضت مساعدة الرجل و هو يعرض عليها أن يضع حقيبتها في صندوق البضائع . نهره صمتها، وصدّ جبينها المقطّب لباقته ، وسدّت رميتها للحقيبة سبل إلحاحه .
أسرعت الخطى وهي تصعد من باب الحافلة لاهثة من عناء المشوار، لترتمي في أوّل مقعد قرب النّافذة... وضعت حقيبة صغيرة على المقعد الشّاغر بجانبها ، فلا يطمع به أحد الرّكّاب ... هكذا هي دائما ، تخشى الغرباء ... تتلعثم وتحمرّ خجلا عندما يخاطبها أحدهم ...
ـ كم كان يريحني الاختباء بين جناحي برنس أبي ، جالسا كان أو واقفا بين الجمع ... أستطلع الدّنيا من بين طيّاته ... أتوارى عن العيون المتطفّلة على كواليس عالمي الصّغير الآمن ، أسترق النّظر إلى ما حولي من خلال ثقب أفتعله بين جناحيه ، أسترق النّظر إلى ما أشتهي ، وأعرض عمّا لا يروقني . حنانيك والدي، ابعثني إلى دفء برنسك ، إلى أمان عالمه المريح ، فما أشدّ اتّساعه ، والدّنيا تغدو خارجه في ضيق عين الإبرة ... دثّرني بجناحيه ... فالبرد اليوم يضنيني والعيون تعرّيني ، والضّوء يبهرني ، بل يكاد يعميني ...
ما إن أعلن أزيز المحرّك عن بداية الرّحلة ، حتّى لاذت عيناها برحابة الأفق ، تُلاحق السّحب وقد تناءت آفلة ، كأمّها ، كأبيها ، كجدّتها ، كابتساماتها الصّافية ، كأحلامها الورديّة ...
ـ كم كان يحلو لي أن أستلقي على العشب فوق ربوة ، لمّا يكلّفني أبي بحراسة الغنم ، أتابع السّحب وهي تمرّ في سمائي ... أشكّلها أزهارا وأشجارا ، وفراشات ، أو أرانب ، أو خيولا ترمح طليقة في عرض السّماء ... وقد تتهيأ لي رأسا عظيمة من رؤوس أناس أعرفهم ، فأضحك ساخرة من أنوفهم الكبيرة ، أو من أفواههم العظيمة المفتوحة تبغي ابتلاع الأفق ... وأبقى كذلك زمنا لا أحصيه ، أتابعها دون كلل أو ملل وهي تقدّم عروضا متنوّعة ، فتتفرّق كقطيع من الغنم ، أو قد تتجمّع فتغدو يدا عظيمة تلوّح لي من بعيد يسعدني اهتمامها ... فأهزّ لها بيدي إعجابا ، وامتنانا ، وإكبارا...
أخجلها تهامس الرّكّاب من حولها ، ونظراتهم ، وقهقهاتهم التي يحاول كلّ منهم أن يتهرّب من تبنّيها، بشدّ لجام الشّفاه ، أو بأياد تطبق على الأفواه ... وهي تقف وتفتح النّافذة ، تلوّح إلى السّماء ، والحافلة في عرض الفلاة ، وحلقها يجترّ قهقهات الطّفلة التي جرحت رقّتَها القهقهات الخشنة من حولها ، ... أجالت نظرها بينهم ، ثمّ جلست ، وعادت لائذة بالأفق وقد أخذتها التّنهيدة فأخرجتها زفرة طويلة بدّدت سحب سماء طفلتها فتناثرت ، وتلاشت ، وتجهّمت ، وتصلّبت ، كصخرة معلّقة تدمي كبد السّماء ...
ـ كم أحسدك أيّتها الطّفلة ، الصّغيرة ، البسيطة ، البريئة ، القابعة في ذاكرتي ... لا تعيرين لهؤلاء الرّكّاب أيّ اعتبار ، لا تخضعين لرقابتهم ولا تربكك نظراتهم ... تجرين ، تقفزين ، تصعدين فوق الكرسيّ ، أو قد تنزلين تحته زاحفة وراء قطعة نقديّة قد انفرطت من بين أصابعك ... تخجلين فجأة فتطمرين وجهك كنعامة في حجر أمّك ... وقد تخرجين لسانك هازئة فيضحكون دون إدانة ... تنطقين بما في نفسك دون تحفّظ ، تخاطبين أشخاصا في ذاكرتك أو في خيالك بلا مناسبة ... تتجاوزين كلّ حدودهم ، تتمرّدين على كلّ قوانينهم . وإن خشيت عقابا تهرعين إلى حجر جدّتك المترع بروائح سخابها . فتذود عنك وتخفّف من ذنوبك وأخطائك تقزّمها وإن عظمت . وتحتضنك بذراعين خطّ عليهما الوشّام ما جادت به قريحته من الخطوط والأشكال التي يتيه فيها بصرك يتتبّع إصبعك السّابح في تعرّجاتها على إيقاع أهازيجها البدويّة السّاحرة ... ليتني أعود إلى حضن جدّتي ... ليتني أكونك الآن يا طفلتي ... ليتهم ينظرون اليّ من خلالك، فأمارس دون رقابة ما أحنّ إليه فيك ...
أخرجتها التّنهيدة التي لا يتّسع لها عالم طفلتها ، ليرمي بها وهجها في جحيم حاضرها ... امرأة في عقدها الرّابع ... أمّ لثلاثة أطفال ، اقتلع القدر من قلوبهم والدا في مقتبل العمر ، ولم يذر بها سوى ألم الذّكرى ، وكلمة بابا . تلد من بين الشّفاه النّاعمة تائهة تبحث لها بين النّاس عن مجيب ... ترتدّ على جدار الصّمت المبهم ... فتنزف لارتدادها الخائب العيون البريئة دموعا تجرح وجنات يؤرّقها الشّوق للثم الشّفتين الفقيدتين ... ويرجع صداها وابلا من الأسئلة تتدفّق لها عيونها سلسبيلا...
ـ ويحك يا موت ... ألا تستحي ! ؟ وأنت تسلبني أحلى ابتسامة ، وأجمل قلب كان يغفر لي لحظات اجتراري لطفلتي ... لقد كبّلت يا موت ذراعين كانا يضمّانني بحنان أمّي ورأفة جدّتي وأمان برنس أبي ...
آه !... أيّها الرّكّاب ! لو تعلمون كم أنا بحاجة إلى طفلتي لغفرتم لي أن أكونها . آه !يا طفلتي ! لو تعلمين كم أنا بحاجة إليك ، لاحتويتني في جنّات دنياك ... فكم تستهويني الحياة لمّا أراها كتلك التي تصنعينها في ألعابك ، سهلة ، هادئة ، جميلة ، حالمة...
كنت أحاكي الكبار في أعمالهم ، ألزم نفسي وأترابي طوعا ، بما تلزمهم الحياة بهم قسرا ... نشكّل البيوت من القشّ وعلب المصبّرات والورق المقوّى ... نبيع ونشتري ، نزوّج من نشاء بمن نشاء ... نجمّع ونفرّق... نحضّر ونغيّب ... نحيي ونميت ... نغني من نشاء وننزع النّعمة عمّن نشاء دون اعتراض ... نعاقب ونجازي ... نوزّع الأدوار والأرزاق والنّواصي ... نمارس الالوهية والخلق في ألعابنا ... نبتدعها حياة ليّنة بسيطة طيّعة . سفينة شراعيّة توجّهها رياحنا أينما شئنا. نعبث بها كما تعبث بهم . نغيّرها كما تغيّرهم. نشكّلها على هوانا كما تشكّلهم على هواها . نضحكها ، نبكيها ، نضفي عليها ما نشاء من الألوان في عبثيّة.
نغيّر فصولها حسب أهوائنا. وقد نجعلها صيفا حارّا، ونتوزّع في الحقول حاصدين دارسين ، أو على الشّواطئ مصطافين . وقد نعقب صيفها بالشّتاء ، فننزل أمطارها وثلوجها ، ونقصف رعودها ، ونعصف برياحها ، ونجري مياهها في أودية نوجّه مجاريها في أيّ اتّجاه شئنا ... ثمّ نوقد النّيران نلتفّ حولها نحتسي الشّاي كما يفعلون ... وقد نطفئ النّيران وننبت أزهارها ، ونخرج عبقها وخضرتها وأشجارها ، أو قد ننضج ثمارها في غير التزام بأيّ زمن أو مقياس أو نظام ... أو نقلّص فجأة دنيانا فصلا إن رغب أحدنا . ونختلف حيث يرغب الجميع في دور المعلّم ... وكالجميع كنت أريده لنفسي ، فارشي البقيّة ببعض الحلوى فيتنازلون لي عنه ... وكم كنت أتخلّى عنه إن ظهر لي من بعضهم تمرّدا أو عصيانا. وقد أنسحب من اللّعبة فجأة متى شعرت بالجوع أو التّعب ...
ليتني اليوم أستطيع من دوري انسحابا أو له تغييرا كما كنت تفعلين في ألعابك يا طفلتي ...
أمّا هذه الكهلة ، فقد أصبحت لعبة تافهة في يد القدر ... يعبث بها ، كأنّه ينتقم لنفسه من طفلتها ... حاولتْ مرارا وتكرارا الانسحاب من اللّعبة بالانتحار ، غير أنّ أطفالها كانوا أوتاده التي تشدّها للحياة ... هذا القدر الذي يزداد قسوة ، يغرز في روحها مخالبه كوحش ضار ... ويوغل فيها عميقا ... جرّب معها كلّ الألاعيب القذرة ، والمرض كان لعبته الدّنيئة ..." سرطان الثّدي " هذا الوتد العفن ، الصّدئ ، المغروز في صدرها ... هذه اللّكمة التي لم تستطع تفاديها ، فخارت لها قواها ... كانت قبلها أكثر مقاومة... كانت كلّما تلقّت ضربة قويّة ، وكادت تستسلم ، امتدّت لها يد حبيبة تنتشلها ... يد أمّها ... يد أبيها ... ذراع جدّتها ... أمّا الآن وقد تراجعت هذه الأيادي ، فطواها الماضي ، وشلّها القدر فتهاوت إلى التّراب ... لم تعد تجد بجانبها غير أياد خشنة ، قاسية ، تستغلّ سقوطها ، تعفّر وجهها في الوحل ، في الطّين ... ثمّ ، وقد تراجعت يد زوجها ، اليد الحبيبة الأخيرة ، اليد الجدار ، وجدت نفسها محاصرة بطوفان من الألسن ، التي تطاولت إليها ، تلوك تفّاحة آدم ، التي ما زالت تحتفظ باحمرارها في خدّيها ، تغري الأفواه الشّهّاءة ، النّزّاعة للقطاف الحرام ... تمنّيها ـ وقد غيّب القدر حرّاسها ـ بقضمة ، حلم ، مسعورة ... وإذا الألسن الصّولجان، تنهال عليها قذفا، تخرجها من جنّة الرّضوان ...
تقسو عليها رياح الحياة وعواصفها ، فتجدها مزقا بين ماض تناءى ، وحاضر يتداعى ... تبحث في بحار الخوف والجزع وسط دوّامات القلق والتّوتّر والضّعف . عن جزر الأمان والأماني في حياتها. عن محطّات وموان وسط ركام ذكرياتها ... مثلها كمثل حبّة طلع حالمة كانت في رحم زهرة أمّ ، انتزعت منه فوجدت نفسها تائهة في افق واسع ، مظلم ، غريب ، مخيف . تتقاذفتها الرّياح على هواها ، وعوض أن تستقرّ بين جنبات رحم واعد لزهرة أخرى ، انتهت رحلتها فوق صخرة عقيم ...
انهمرت دموعها ، وابتلعها طوفان من اليأس ، شعرت به يفيض ، فيغرق الرّكّاب والحافلة ، ويمتدّ يسبقها ملتحفا إسفلت الطّريق الممتدّة أمامها ، كأفعى تتربّص بها في كلّ المنعرجات ...
انتشلها من يأسها منظر السّنابل تتهادى ، تراقص النّسائم عند المساء ، فتعلّقت به كقشّة الغريق ... وإذا هي الطّفلة الصّغيرة ، تسبح بين السّنابل في الحقول ... ترمي بثقل جسدها عليها ... تغرف برئتيها ما استطاعت من هوائها المحمّل بالأمل والحلم ...
تمدّدت ملء الكرسيّ وهي تجترّ رائحة البيادر بعد المطر . وقد امتلأت تلا فيف أذنيها بصوت صهيل الخيل القادم من العمق ، تجرُّ النّورج في جماعات تدور بانتظام يناسب وقع أقدامها على سنابل القمح ، يرمي بها الدّارسون بالمذراة .
اهتزّ جسدها على الكرسيّ لدويّ صوت والدها وهو شابّ قويّ ، يجلسها بجانبه على النّورج نزولا عند رغبتها ... يحثّ بصوته وسوطه الخيول ليخرجها بالفزع من أسر التّعب فيعاودها النّشاط وتزيد من سرعتها التي قلّصها حرّ الهجير.
هبّ لفتح النّافذة المجاورة لمقعدها، نسيم عليل أثلج صدرها. وتسرّب إلى ثنايا ذاكرتها، استغلّته المذراة تستعين به على فصل التّبن عن القمح .
ـ " هبهوب ... هبهوب ... هبهوب ... " هكذا كانت أصوات الرّجال والنّساء ترتفع مع ارتفاع المذراة عند الأصيل ، مستحثّين الرّيح على الهبوب ، تذر التّبن عن القمح ... فأجد في تكرار تلك الكلمات كثيرا من التّسالي "هبهوب ... هبهوب ... هبهوب ... " فتختلط أصواتنا النّاعمة العابثة ، بأصوات الذّارين الخشنة الجادّة الباحّة من شدّة التّعب ، مكوّنة مع صوت ارتطام الحبّ بالأرض ، واحتكاك قصبات التّبن في الهواء ، سنفونيّة رائعة تنسجم لها الطّبيعة ، فتغدق علينا وابلا من النّسمات ...
كم كان يهزّ وجداني ، ذلك الجوّ القدسيّ الذي يخيّم على القاعة ، حيث تنتصب كومة القمح في شكل هرم ، يغطّونها بأكاليل الشّيح والإكليل ، يذرونها عن العيون حينا ، كالعروس ، قبل أن تبدأ مراسم زفّها للأكياس التي طالما أضناها الخواء ... في طقوس كثيرا ما كانت تضحكني شدّة جدّتها. كان والدي يحرّم علينا الكلام والحركة . فيسود القاعة التي كانت عند الهجير، تضطرم حركة وتعجّ بأصوات النّاس والخيول ، جوّ من السّكون المفتعل . فأرفع يدي ألجم بها ضحكة جامحة تحاول التّمرّد ، وأنا أرمق نظرة الجدّ التي تعلو محيّا أبي وهو يكرّر كلمة " البركة " مع كلّ صاع يشبع به أوّل مكيال . ثمّ لا يصبّه في الكيس ، حتّى يتصبّب القمح على جوانبه من التّخمة ...
ويستمرّ جوّ الصّمت، وإذا الضّجيج يرتفع مقتحما القاعة متحدّيا جبين الأب المقطّب ... وإذا الطّفلة التي تحاول دائما إرضاء والدها ، تقف ، وتصرخ في الحضور ، تحتجّ على استفزازه وعلى انتهاك قدسيّة المكان . وإذا الجميع في الحافلة يضربون أكفّهم " لا حول ولا قوّة إلا بالله ... مسكينة . لابدّ أنّها مجنونة." ويرتفع صوت الرّجل الذي حاول مساعدتها فصدّته " صدّقوني ... عرفتها مجنونة منذ البداية ... فراستي لا تخونني ..." وكأنّه ينتهز الفرصة ليردّ الاعتبار لنفسه ، وقد شاهد بعضهم صدّها له .
وإذا بها محاصرة بنظراتهم التي تتراوح بين الدّهشة، والشّفقة ، و السّخرية . تلوذ بحقيبة يدها تتفقّد أوراق الموعد في معهد صالح عزيّز للأورام الخبيثة . وهي تردّد " رحمك الله يا أبي ... رحمك اللّه يا أبي ... "
ثمّ لاذت بالظّلام الذي خيّم سريعا ، فابتلع الأفق والحقول ، وكلّ ما يحيط بها ... حتّى نظراتهم ، وأكفّهم المحلوقة ... شعرت بقشعريرة ، فتقوقعت على الكرسيّ وعيناها تسبحان في العتمة ، وإذا أشباح الطّفلة الصّغيرة ، الكامنة بداخلها ، تملأ الأفق الواسع أمامها ...
ـ كنت أصغي إليهم متّكئة على ركبة أمّي ، وهم مجتمعون حول الموقد ، في ليالي الشّتاء الطّويلة ، يقصّرون اللّيل بالحديث عن مغامراتهم مع الأشباح . يصفون أشكالها المريبة ، وصفا دقيقا، فيتجمّد لتصوّرها جسدي الذي يتقوقع لائذا بحجر أمّي . وقد أبول في حجرها مفتعلة النّوم . أو قد أخرج للتبوّل متعلّقة بثوبها إن خشيت منها تأنيبا. كنت أتصوّرها ، في سواد الليل ، ناريّة برأس حمار، وجذع امرأة ، وقرني ثور، وساقي دجاجة ، كما يصفها بعضهم في حكاويهم ... هكذا كنت أكاد أراها في قلب الظّلام . فلا أجرؤ على فتح عينيّ بعدها خوفا من أن أرى يدي " مدّاد إيدو " شبح حكاية أبي تتطاولان تقتلعانني من ثوب أمّي .
عاودها شعور الخوف . فكادت تتبوّل على الكرسيّ ... استكانت إلى حضن عجوز ، صعدت إلى الحافلة في غفلة منها ، وجلست إلى جانبها . وإذا العجوز تصدّها ، تتملّص منها ، وتخذل الطّفلة اللّائذة بها التي لا تنفكّ تتمسّك بطرف ثوب جدّتها التي تبرّأت منها ، وإذا الرّكّاب يستجيبون لصياح العجوز. فيهبّون لنجدتها ، يخلّصون أطراف ثوبها المزق ، من بين أصابع الكهلة ...و يجرّونها بعيدا ...
عادت مدفوعة بأيديهم و صياحهم، جلست في مكانها مرتبكة ، لاهثة ، ولاذت بالظّلام تعانق أشباحه ...
توقّفت الحافلة في إحدى المحطّات الرّيفيّة ، وإذا صرير الفرامل يوقظها من غفوتها ... فتحت عينيها تتابع أطياف الرّكّاب الجدد ... وإذا الطّفلة " اليرقانة " التي غذّاها زخم الكريات ، انتهى عدّها التّنازليّ... فانبثقت كفراش عن " الشّرنقة " الكهلة التي ضاق أفقها ، فانشقّت طوعا ... ارتمت بين جناحي برنس شيخ صعد مع الرّكّاب الجدد ... لم يزدها صياحه وتملّصه إلا تعمّقا في عتمة برنسه وتشبّثا بجناحيه ... تملأ رئتيها بهوائه العابق برائحة العرق ... كما كانت تفعل دائما ، عندما يعود والدها بعد غياب ، وقد أنّبتها أمّها . أو قسى عليها بعض إخوتها ...
أسرعت الخطى وهي تصعد من باب الحافلة لاهثة من عناء المشوار، لترتمي في أوّل مقعد قرب النّافذة... وضعت حقيبة صغيرة على المقعد الشّاغر بجانبها ، فلا يطمع به أحد الرّكّاب ... هكذا هي دائما ، تخشى الغرباء ... تتلعثم وتحمرّ خجلا عندما يخاطبها أحدهم ...
ـ كم كان يريحني الاختباء بين جناحي برنس أبي ، جالسا كان أو واقفا بين الجمع ... أستطلع الدّنيا من بين طيّاته ... أتوارى عن العيون المتطفّلة على كواليس عالمي الصّغير الآمن ، أسترق النّظر إلى ما حولي من خلال ثقب أفتعله بين جناحيه ، أسترق النّظر إلى ما أشتهي ، وأعرض عمّا لا يروقني . حنانيك والدي، ابعثني إلى دفء برنسك ، إلى أمان عالمه المريح ، فما أشدّ اتّساعه ، والدّنيا تغدو خارجه في ضيق عين الإبرة ... دثّرني بجناحيه ... فالبرد اليوم يضنيني والعيون تعرّيني ، والضّوء يبهرني ، بل يكاد يعميني ...
ما إن أعلن أزيز المحرّك عن بداية الرّحلة ، حتّى لاذت عيناها برحابة الأفق ، تُلاحق السّحب وقد تناءت آفلة ، كأمّها ، كأبيها ، كجدّتها ، كابتساماتها الصّافية ، كأحلامها الورديّة ...
ـ كم كان يحلو لي أن أستلقي على العشب فوق ربوة ، لمّا يكلّفني أبي بحراسة الغنم ، أتابع السّحب وهي تمرّ في سمائي ... أشكّلها أزهارا وأشجارا ، وفراشات ، أو أرانب ، أو خيولا ترمح طليقة في عرض السّماء ... وقد تتهيأ لي رأسا عظيمة من رؤوس أناس أعرفهم ، فأضحك ساخرة من أنوفهم الكبيرة ، أو من أفواههم العظيمة المفتوحة تبغي ابتلاع الأفق ... وأبقى كذلك زمنا لا أحصيه ، أتابعها دون كلل أو ملل وهي تقدّم عروضا متنوّعة ، فتتفرّق كقطيع من الغنم ، أو قد تتجمّع فتغدو يدا عظيمة تلوّح لي من بعيد يسعدني اهتمامها ... فأهزّ لها بيدي إعجابا ، وامتنانا ، وإكبارا...
أخجلها تهامس الرّكّاب من حولها ، ونظراتهم ، وقهقهاتهم التي يحاول كلّ منهم أن يتهرّب من تبنّيها، بشدّ لجام الشّفاه ، أو بأياد تطبق على الأفواه ... وهي تقف وتفتح النّافذة ، تلوّح إلى السّماء ، والحافلة في عرض الفلاة ، وحلقها يجترّ قهقهات الطّفلة التي جرحت رقّتَها القهقهات الخشنة من حولها ، ... أجالت نظرها بينهم ، ثمّ جلست ، وعادت لائذة بالأفق وقد أخذتها التّنهيدة فأخرجتها زفرة طويلة بدّدت سحب سماء طفلتها فتناثرت ، وتلاشت ، وتجهّمت ، وتصلّبت ، كصخرة معلّقة تدمي كبد السّماء ...
ـ كم أحسدك أيّتها الطّفلة ، الصّغيرة ، البسيطة ، البريئة ، القابعة في ذاكرتي ... لا تعيرين لهؤلاء الرّكّاب أيّ اعتبار ، لا تخضعين لرقابتهم ولا تربكك نظراتهم ... تجرين ، تقفزين ، تصعدين فوق الكرسيّ ، أو قد تنزلين تحته زاحفة وراء قطعة نقديّة قد انفرطت من بين أصابعك ... تخجلين فجأة فتطمرين وجهك كنعامة في حجر أمّك ... وقد تخرجين لسانك هازئة فيضحكون دون إدانة ... تنطقين بما في نفسك دون تحفّظ ، تخاطبين أشخاصا في ذاكرتك أو في خيالك بلا مناسبة ... تتجاوزين كلّ حدودهم ، تتمرّدين على كلّ قوانينهم . وإن خشيت عقابا تهرعين إلى حجر جدّتك المترع بروائح سخابها . فتذود عنك وتخفّف من ذنوبك وأخطائك تقزّمها وإن عظمت . وتحتضنك بذراعين خطّ عليهما الوشّام ما جادت به قريحته من الخطوط والأشكال التي يتيه فيها بصرك يتتبّع إصبعك السّابح في تعرّجاتها على إيقاع أهازيجها البدويّة السّاحرة ... ليتني أعود إلى حضن جدّتي ... ليتني أكونك الآن يا طفلتي ... ليتهم ينظرون اليّ من خلالك، فأمارس دون رقابة ما أحنّ إليه فيك ...
أخرجتها التّنهيدة التي لا يتّسع لها عالم طفلتها ، ليرمي بها وهجها في جحيم حاضرها ... امرأة في عقدها الرّابع ... أمّ لثلاثة أطفال ، اقتلع القدر من قلوبهم والدا في مقتبل العمر ، ولم يذر بها سوى ألم الذّكرى ، وكلمة بابا . تلد من بين الشّفاه النّاعمة تائهة تبحث لها بين النّاس عن مجيب ... ترتدّ على جدار الصّمت المبهم ... فتنزف لارتدادها الخائب العيون البريئة دموعا تجرح وجنات يؤرّقها الشّوق للثم الشّفتين الفقيدتين ... ويرجع صداها وابلا من الأسئلة تتدفّق لها عيونها سلسبيلا...
ـ ويحك يا موت ... ألا تستحي ! ؟ وأنت تسلبني أحلى ابتسامة ، وأجمل قلب كان يغفر لي لحظات اجتراري لطفلتي ... لقد كبّلت يا موت ذراعين كانا يضمّانني بحنان أمّي ورأفة جدّتي وأمان برنس أبي ...
آه !... أيّها الرّكّاب ! لو تعلمون كم أنا بحاجة إلى طفلتي لغفرتم لي أن أكونها . آه !يا طفلتي ! لو تعلمين كم أنا بحاجة إليك ، لاحتويتني في جنّات دنياك ... فكم تستهويني الحياة لمّا أراها كتلك التي تصنعينها في ألعابك ، سهلة ، هادئة ، جميلة ، حالمة...
كنت أحاكي الكبار في أعمالهم ، ألزم نفسي وأترابي طوعا ، بما تلزمهم الحياة بهم قسرا ... نشكّل البيوت من القشّ وعلب المصبّرات والورق المقوّى ... نبيع ونشتري ، نزوّج من نشاء بمن نشاء ... نجمّع ونفرّق... نحضّر ونغيّب ... نحيي ونميت ... نغني من نشاء وننزع النّعمة عمّن نشاء دون اعتراض ... نعاقب ونجازي ... نوزّع الأدوار والأرزاق والنّواصي ... نمارس الالوهية والخلق في ألعابنا ... نبتدعها حياة ليّنة بسيطة طيّعة . سفينة شراعيّة توجّهها رياحنا أينما شئنا. نعبث بها كما تعبث بهم . نغيّرها كما تغيّرهم. نشكّلها على هوانا كما تشكّلهم على هواها . نضحكها ، نبكيها ، نضفي عليها ما نشاء من الألوان في عبثيّة.
نغيّر فصولها حسب أهوائنا. وقد نجعلها صيفا حارّا، ونتوزّع في الحقول حاصدين دارسين ، أو على الشّواطئ مصطافين . وقد نعقب صيفها بالشّتاء ، فننزل أمطارها وثلوجها ، ونقصف رعودها ، ونعصف برياحها ، ونجري مياهها في أودية نوجّه مجاريها في أيّ اتّجاه شئنا ... ثمّ نوقد النّيران نلتفّ حولها نحتسي الشّاي كما يفعلون ... وقد نطفئ النّيران وننبت أزهارها ، ونخرج عبقها وخضرتها وأشجارها ، أو قد ننضج ثمارها في غير التزام بأيّ زمن أو مقياس أو نظام ... أو نقلّص فجأة دنيانا فصلا إن رغب أحدنا . ونختلف حيث يرغب الجميع في دور المعلّم ... وكالجميع كنت أريده لنفسي ، فارشي البقيّة ببعض الحلوى فيتنازلون لي عنه ... وكم كنت أتخلّى عنه إن ظهر لي من بعضهم تمرّدا أو عصيانا. وقد أنسحب من اللّعبة فجأة متى شعرت بالجوع أو التّعب ...
ليتني اليوم أستطيع من دوري انسحابا أو له تغييرا كما كنت تفعلين في ألعابك يا طفلتي ...
أمّا هذه الكهلة ، فقد أصبحت لعبة تافهة في يد القدر ... يعبث بها ، كأنّه ينتقم لنفسه من طفلتها ... حاولتْ مرارا وتكرارا الانسحاب من اللّعبة بالانتحار ، غير أنّ أطفالها كانوا أوتاده التي تشدّها للحياة ... هذا القدر الذي يزداد قسوة ، يغرز في روحها مخالبه كوحش ضار ... ويوغل فيها عميقا ... جرّب معها كلّ الألاعيب القذرة ، والمرض كان لعبته الدّنيئة ..." سرطان الثّدي " هذا الوتد العفن ، الصّدئ ، المغروز في صدرها ... هذه اللّكمة التي لم تستطع تفاديها ، فخارت لها قواها ... كانت قبلها أكثر مقاومة... كانت كلّما تلقّت ضربة قويّة ، وكادت تستسلم ، امتدّت لها يد حبيبة تنتشلها ... يد أمّها ... يد أبيها ... ذراع جدّتها ... أمّا الآن وقد تراجعت هذه الأيادي ، فطواها الماضي ، وشلّها القدر فتهاوت إلى التّراب ... لم تعد تجد بجانبها غير أياد خشنة ، قاسية ، تستغلّ سقوطها ، تعفّر وجهها في الوحل ، في الطّين ... ثمّ ، وقد تراجعت يد زوجها ، اليد الحبيبة الأخيرة ، اليد الجدار ، وجدت نفسها محاصرة بطوفان من الألسن ، التي تطاولت إليها ، تلوك تفّاحة آدم ، التي ما زالت تحتفظ باحمرارها في خدّيها ، تغري الأفواه الشّهّاءة ، النّزّاعة للقطاف الحرام ... تمنّيها ـ وقد غيّب القدر حرّاسها ـ بقضمة ، حلم ، مسعورة ... وإذا الألسن الصّولجان، تنهال عليها قذفا، تخرجها من جنّة الرّضوان ...
تقسو عليها رياح الحياة وعواصفها ، فتجدها مزقا بين ماض تناءى ، وحاضر يتداعى ... تبحث في بحار الخوف والجزع وسط دوّامات القلق والتّوتّر والضّعف . عن جزر الأمان والأماني في حياتها. عن محطّات وموان وسط ركام ذكرياتها ... مثلها كمثل حبّة طلع حالمة كانت في رحم زهرة أمّ ، انتزعت منه فوجدت نفسها تائهة في افق واسع ، مظلم ، غريب ، مخيف . تتقاذفتها الرّياح على هواها ، وعوض أن تستقرّ بين جنبات رحم واعد لزهرة أخرى ، انتهت رحلتها فوق صخرة عقيم ...
انهمرت دموعها ، وابتلعها طوفان من اليأس ، شعرت به يفيض ، فيغرق الرّكّاب والحافلة ، ويمتدّ يسبقها ملتحفا إسفلت الطّريق الممتدّة أمامها ، كأفعى تتربّص بها في كلّ المنعرجات ...
انتشلها من يأسها منظر السّنابل تتهادى ، تراقص النّسائم عند المساء ، فتعلّقت به كقشّة الغريق ... وإذا هي الطّفلة الصّغيرة ، تسبح بين السّنابل في الحقول ... ترمي بثقل جسدها عليها ... تغرف برئتيها ما استطاعت من هوائها المحمّل بالأمل والحلم ...
تمدّدت ملء الكرسيّ وهي تجترّ رائحة البيادر بعد المطر . وقد امتلأت تلا فيف أذنيها بصوت صهيل الخيل القادم من العمق ، تجرُّ النّورج في جماعات تدور بانتظام يناسب وقع أقدامها على سنابل القمح ، يرمي بها الدّارسون بالمذراة .
اهتزّ جسدها على الكرسيّ لدويّ صوت والدها وهو شابّ قويّ ، يجلسها بجانبه على النّورج نزولا عند رغبتها ... يحثّ بصوته وسوطه الخيول ليخرجها بالفزع من أسر التّعب فيعاودها النّشاط وتزيد من سرعتها التي قلّصها حرّ الهجير.
هبّ لفتح النّافذة المجاورة لمقعدها، نسيم عليل أثلج صدرها. وتسرّب إلى ثنايا ذاكرتها، استغلّته المذراة تستعين به على فصل التّبن عن القمح .
ـ " هبهوب ... هبهوب ... هبهوب ... " هكذا كانت أصوات الرّجال والنّساء ترتفع مع ارتفاع المذراة عند الأصيل ، مستحثّين الرّيح على الهبوب ، تذر التّبن عن القمح ... فأجد في تكرار تلك الكلمات كثيرا من التّسالي "هبهوب ... هبهوب ... هبهوب ... " فتختلط أصواتنا النّاعمة العابثة ، بأصوات الذّارين الخشنة الجادّة الباحّة من شدّة التّعب ، مكوّنة مع صوت ارتطام الحبّ بالأرض ، واحتكاك قصبات التّبن في الهواء ، سنفونيّة رائعة تنسجم لها الطّبيعة ، فتغدق علينا وابلا من النّسمات ...
كم كان يهزّ وجداني ، ذلك الجوّ القدسيّ الذي يخيّم على القاعة ، حيث تنتصب كومة القمح في شكل هرم ، يغطّونها بأكاليل الشّيح والإكليل ، يذرونها عن العيون حينا ، كالعروس ، قبل أن تبدأ مراسم زفّها للأكياس التي طالما أضناها الخواء ... في طقوس كثيرا ما كانت تضحكني شدّة جدّتها. كان والدي يحرّم علينا الكلام والحركة . فيسود القاعة التي كانت عند الهجير، تضطرم حركة وتعجّ بأصوات النّاس والخيول ، جوّ من السّكون المفتعل . فأرفع يدي ألجم بها ضحكة جامحة تحاول التّمرّد ، وأنا أرمق نظرة الجدّ التي تعلو محيّا أبي وهو يكرّر كلمة " البركة " مع كلّ صاع يشبع به أوّل مكيال . ثمّ لا يصبّه في الكيس ، حتّى يتصبّب القمح على جوانبه من التّخمة ...
ويستمرّ جوّ الصّمت، وإذا الضّجيج يرتفع مقتحما القاعة متحدّيا جبين الأب المقطّب ... وإذا الطّفلة التي تحاول دائما إرضاء والدها ، تقف ، وتصرخ في الحضور ، تحتجّ على استفزازه وعلى انتهاك قدسيّة المكان . وإذا الجميع في الحافلة يضربون أكفّهم " لا حول ولا قوّة إلا بالله ... مسكينة . لابدّ أنّها مجنونة." ويرتفع صوت الرّجل الذي حاول مساعدتها فصدّته " صدّقوني ... عرفتها مجنونة منذ البداية ... فراستي لا تخونني ..." وكأنّه ينتهز الفرصة ليردّ الاعتبار لنفسه ، وقد شاهد بعضهم صدّها له .
وإذا بها محاصرة بنظراتهم التي تتراوح بين الدّهشة، والشّفقة ، و السّخرية . تلوذ بحقيبة يدها تتفقّد أوراق الموعد في معهد صالح عزيّز للأورام الخبيثة . وهي تردّد " رحمك الله يا أبي ... رحمك اللّه يا أبي ... "
ثمّ لاذت بالظّلام الذي خيّم سريعا ، فابتلع الأفق والحقول ، وكلّ ما يحيط بها ... حتّى نظراتهم ، وأكفّهم المحلوقة ... شعرت بقشعريرة ، فتقوقعت على الكرسيّ وعيناها تسبحان في العتمة ، وإذا أشباح الطّفلة الصّغيرة ، الكامنة بداخلها ، تملأ الأفق الواسع أمامها ...
ـ كنت أصغي إليهم متّكئة على ركبة أمّي ، وهم مجتمعون حول الموقد ، في ليالي الشّتاء الطّويلة ، يقصّرون اللّيل بالحديث عن مغامراتهم مع الأشباح . يصفون أشكالها المريبة ، وصفا دقيقا، فيتجمّد لتصوّرها جسدي الذي يتقوقع لائذا بحجر أمّي . وقد أبول في حجرها مفتعلة النّوم . أو قد أخرج للتبوّل متعلّقة بثوبها إن خشيت منها تأنيبا. كنت أتصوّرها ، في سواد الليل ، ناريّة برأس حمار، وجذع امرأة ، وقرني ثور، وساقي دجاجة ، كما يصفها بعضهم في حكاويهم ... هكذا كنت أكاد أراها في قلب الظّلام . فلا أجرؤ على فتح عينيّ بعدها خوفا من أن أرى يدي " مدّاد إيدو " شبح حكاية أبي تتطاولان تقتلعانني من ثوب أمّي .
عاودها شعور الخوف . فكادت تتبوّل على الكرسيّ ... استكانت إلى حضن عجوز ، صعدت إلى الحافلة في غفلة منها ، وجلست إلى جانبها . وإذا العجوز تصدّها ، تتملّص منها ، وتخذل الطّفلة اللّائذة بها التي لا تنفكّ تتمسّك بطرف ثوب جدّتها التي تبرّأت منها ، وإذا الرّكّاب يستجيبون لصياح العجوز. فيهبّون لنجدتها ، يخلّصون أطراف ثوبها المزق ، من بين أصابع الكهلة ...و يجرّونها بعيدا ...
عادت مدفوعة بأيديهم و صياحهم، جلست في مكانها مرتبكة ، لاهثة ، ولاذت بالظّلام تعانق أشباحه ...
توقّفت الحافلة في إحدى المحطّات الرّيفيّة ، وإذا صرير الفرامل يوقظها من غفوتها ... فتحت عينيها تتابع أطياف الرّكّاب الجدد ... وإذا الطّفلة " اليرقانة " التي غذّاها زخم الكريات ، انتهى عدّها التّنازليّ... فانبثقت كفراش عن " الشّرنقة " الكهلة التي ضاق أفقها ، فانشقّت طوعا ... ارتمت بين جناحي برنس شيخ صعد مع الرّكّاب الجدد ... لم يزدها صياحه وتملّصه إلا تعمّقا في عتمة برنسه وتشبّثا بجناحيه ... تملأ رئتيها بهوائه العابق برائحة العرق ... كما كانت تفعل دائما ، عندما يعود والدها بعد غياب ، وقد أنّبتها أمّها . أو قسى عليها بعض إخوتها ...
تعليق