الحديث الأوّل للمرآة :
أفاقت من نومها ذات فجر ... نظرت في المرآة المعلّقة على حائط غرفة الحمّام . فإذا ضباب كثيف على سطحها حال دون تبيّن ملامح وجهها . مرّرت راحة يدها تحاول إزالة الضّباب . ولمزيد من الجدوى ، تناولت منشفة مسحت بها المرآة ، ثمّ مدّت رقبتها ، مقرّبة رأسها أكثر ، لكن عبثا تحاول إذ ما تبيّنت غير هالة ضبابيّة متموّجة ، كما الظلّ ، أو كما صورة معكوسة على سطح ماء متحرّك...
تراجعت إلى غرفة النّوم ظنّا منها أنّ العيب ليس إلاّ في المرآة ، فما وجدت صورتها هناك إلاّ أكثر ضبابيّة وأشدّ تموّجا . أحسّت بصداع شديد ، فوضعت رأسها بين راحتيها تضغط عليه ، تكاد تعتصره ، وأغلقت جفنيها كأنّما تريد من المشهد هروبا ... أو لعلّها ، تناشد كابوسا يتبنّى الموقف برمّته وينقضي بمجرّد أن تفتح عينيها وترى النّور . لكنّ الصّداع الذي ازداد حدّة أكّد لها أنّ ما رأته لا يمكن أن يكون إلاّ حقيقة .
أفاق زوجها لمّا ارتمت على السّرير بجانبه ، سألها فأخبرته . ضحك منها . فأكّدت له . حاول أن يهدّئها فصرخت وهاجت ، وهي الرّصينة . قادته من يده نحو المرآة ، بدت صورته واضحة تماما وخاصّة الرّأس منها . أمّا صورتها ، فما ازدادت إلاّ ضبابيّة . سألته ... فصمت ...
الحديث الثّاني للمرآة :
أفاقت في اليوم التّالي متأخّرة بعض الشّيء ، أحسّت أنّ جسدها شديد الإنهاك . وضعت يدها على بعض المواضع منه فتأوّهت ألما . وقفت متثاقلة، وأزاحت الثّوب عن صدرها ، وفخذيها ، وزنديها ، فرأت كدمات و بقعا زرقاء . كأنما هي آثار ضرب . اندهشت وطفقت تنبش ذاكرتها ، تبحث عن مبرّر لهذه البقع . شعرت بإرهاق وعاودها الصّداع ، فقرّرت تجاهل الأمر . لملمت نفسها واتّجهت إلى غرفة الحمّام . عسى دفء الماء يعيد إلى الجسد بعض نشاطه ، ويخفّف عنه الآلام وقد تحاشت النّظر إلى المرآة ...
بعد الاستحمام ، هدأت أعصابها وانتابها انتعاش ، فتهيّأ لها أنّ ما رأته أمس ، ليس إلاّ وهما سببه بعض التّوتّر العصبيّ والإرهاق البدنيّ .
استرقت النّظر إلى المرآة وهي تنشّف شعرها ، فاهتزّت الأرض تحت قدميها . وارتعش الجسد الذي مازال يقطر ماء . وضعت يديها على وجهها تتلمّسه . تساءلت إن كان العيب في النّظر ، لكنّ جسدها كان واضحا تماما في المرآة ، ولا يمتدّ الضّباب إلاّ إلى رأسها ، لتزداد كثافته عمّا كان عليه بالأمس ...
أسرعت إلى زوجها توقظه ، تهزّه ، ترجّه ، تجرّه جرّا إلى المرآة دون أن تردّ على تذمّره وأسئلته . لمّا نظرت إلى صورتيهما معا ، رأت رأسه أكثر وضوحا من الأمس . وما ازداد رأسها في حضرة رأسه إلاّ ضبابيّة . نظرت إليه علّها تجد في عينيه بعض إجابة . سكت برهة متحاشيا النّظر في عينيها ، وطلب منها أن تعدّ نفسها ليصطحبها إلى طبيب أمراض عصبيّة ونفسيّة ...
الحديث الثّالث للمرآة :
بعد أن احتدّ النّقاش بينها وبين زوجها ، أفاقت في الهزيع الأخير من الليل ، وهي تشعر بدوار ورغبة ملحّة في التقيّؤ. أسرعت إلى المرحاض ، وضعت إصبعها في حلقها فأرجعت ما تناولته في اليومين الأخيرين . سمع زوجها تقيّؤها فأسرع إليها و وقف عند الباب ممتعضا متقزّزا. لمّا ازداد دوارها واشتدّ عليها الصّداع وشعرت بوجوده خلفها ، مدّت يدها تناشد يده ليساعدها على الوقوف ، حدجها بنظرة ، ثمّ استدار و انصرف ...
تمسّكت بحافّة حوض الاغتسال ، واستندت إلى الحائط رغبة منها أن ترى وجهها في المرآة ، رغم الدّوار والغثيان تهيّأ لها لوهلة ، قبل أن يصطدم جسدها بأرضيّة الحمّام أنّ صورتها كانت أكثر وضوحا من اليومين الأخيرين وخاصّة صورة الرّأس منها ...
الحديث الرّابع للمرآة :
... لم تستفق إلاّ عند الظهر ، وعلى شفتيها نفس الابتسامة التي ارتسمت عليهما قبل سقوطها عند الإغماء. تذكّرت بسرعة ما رأته قبل أن تقع ، فأنستها فرحتُها الصّداع الذي لا يكاد يفارقها .
اتّجهت مباشرة إلى أقرب مرآة ، متحاملة على نفسها ، تريد أن تتأكّد ممّا رأته فجر اليوم . وقبل أن تحاول النّظر إلى وجهها في مرآة غرفة النّوم ، تراجعت لنقص الإضاءة في هذه الغرفة . وحثّت الخطى نحو غرفة الاستحمام حيث وجدت ابنتها تلهو ببعض الماء في إناء ، ابتسمت لها البنت وحيّتها غير أن تجاهل الأمّ أعادها إلى مائها وإنائها ...
تسارعت دقّات قلب الأمّ وازداد تواتر أنفاسها ، واشتدّ بها الصّداع ، اتّكأت على الحوض تضغط عليه بكلتا يديها ، كمن يجمع شتاته ، ويستجمع قواه ، ويستحثّ عزمه ، وقبل أن تعطي لنفسها مهلة فيتسرّب إليها الخوف ، رفعت عينيها بالمرآة في حركة سريعة . وما أشدّ السّعادة التي غمرتها وهي تغمض عينيها تحتضنان بجفونهما الصّورة الواضحة ، تخشيان منها هروبا . فتحتهما ببطء وإذا المرآة تتشقّق وتتطاير أجزاؤها كما شظايا القنبلة . وإذا بيديها تهرعان إلى الوجه تفتديانه ، وإذا الحرارة تسري على الكفّين ظاهرا وباطنا . ترفع يديها وإذا الحرارة دم يتقاطر من اليدين المرتعشتين .
التفتت إلى الصّغيرة خلفها وإذا هي قابعة ، لم يهزّها ما وقع وكأنّها لم تشعر به . غير أنّ يدها امتدّت إلى قطعة من المرآة . اقتربت منها الأمّ ، وإذا الابتسامة تزيّن الشّفتين الورديّتين وهي تقول : " انظري يا أمّي إلى صورتي في المرآة ، كم هي صافية و جميلة ! " ضمّتها أمّها إلى صدرها ، غير عابئة بالدّماء ولا بالجروح . وبكت ثمّ ابتسمت ...
أفاقت من نومها ذات فجر ... نظرت في المرآة المعلّقة على حائط غرفة الحمّام . فإذا ضباب كثيف على سطحها حال دون تبيّن ملامح وجهها . مرّرت راحة يدها تحاول إزالة الضّباب . ولمزيد من الجدوى ، تناولت منشفة مسحت بها المرآة ، ثمّ مدّت رقبتها ، مقرّبة رأسها أكثر ، لكن عبثا تحاول إذ ما تبيّنت غير هالة ضبابيّة متموّجة ، كما الظلّ ، أو كما صورة معكوسة على سطح ماء متحرّك...
تراجعت إلى غرفة النّوم ظنّا منها أنّ العيب ليس إلاّ في المرآة ، فما وجدت صورتها هناك إلاّ أكثر ضبابيّة وأشدّ تموّجا . أحسّت بصداع شديد ، فوضعت رأسها بين راحتيها تضغط عليه ، تكاد تعتصره ، وأغلقت جفنيها كأنّما تريد من المشهد هروبا ... أو لعلّها ، تناشد كابوسا يتبنّى الموقف برمّته وينقضي بمجرّد أن تفتح عينيها وترى النّور . لكنّ الصّداع الذي ازداد حدّة أكّد لها أنّ ما رأته لا يمكن أن يكون إلاّ حقيقة .
أفاق زوجها لمّا ارتمت على السّرير بجانبه ، سألها فأخبرته . ضحك منها . فأكّدت له . حاول أن يهدّئها فصرخت وهاجت ، وهي الرّصينة . قادته من يده نحو المرآة ، بدت صورته واضحة تماما وخاصّة الرّأس منها . أمّا صورتها ، فما ازدادت إلاّ ضبابيّة . سألته ... فصمت ...
الحديث الثّاني للمرآة :
أفاقت في اليوم التّالي متأخّرة بعض الشّيء ، أحسّت أنّ جسدها شديد الإنهاك . وضعت يدها على بعض المواضع منه فتأوّهت ألما . وقفت متثاقلة، وأزاحت الثّوب عن صدرها ، وفخذيها ، وزنديها ، فرأت كدمات و بقعا زرقاء . كأنما هي آثار ضرب . اندهشت وطفقت تنبش ذاكرتها ، تبحث عن مبرّر لهذه البقع . شعرت بإرهاق وعاودها الصّداع ، فقرّرت تجاهل الأمر . لملمت نفسها واتّجهت إلى غرفة الحمّام . عسى دفء الماء يعيد إلى الجسد بعض نشاطه ، ويخفّف عنه الآلام وقد تحاشت النّظر إلى المرآة ...
بعد الاستحمام ، هدأت أعصابها وانتابها انتعاش ، فتهيّأ لها أنّ ما رأته أمس ، ليس إلاّ وهما سببه بعض التّوتّر العصبيّ والإرهاق البدنيّ .
استرقت النّظر إلى المرآة وهي تنشّف شعرها ، فاهتزّت الأرض تحت قدميها . وارتعش الجسد الذي مازال يقطر ماء . وضعت يديها على وجهها تتلمّسه . تساءلت إن كان العيب في النّظر ، لكنّ جسدها كان واضحا تماما في المرآة ، ولا يمتدّ الضّباب إلاّ إلى رأسها ، لتزداد كثافته عمّا كان عليه بالأمس ...
أسرعت إلى زوجها توقظه ، تهزّه ، ترجّه ، تجرّه جرّا إلى المرآة دون أن تردّ على تذمّره وأسئلته . لمّا نظرت إلى صورتيهما معا ، رأت رأسه أكثر وضوحا من الأمس . وما ازداد رأسها في حضرة رأسه إلاّ ضبابيّة . نظرت إليه علّها تجد في عينيه بعض إجابة . سكت برهة متحاشيا النّظر في عينيها ، وطلب منها أن تعدّ نفسها ليصطحبها إلى طبيب أمراض عصبيّة ونفسيّة ...
الحديث الثّالث للمرآة :
بعد أن احتدّ النّقاش بينها وبين زوجها ، أفاقت في الهزيع الأخير من الليل ، وهي تشعر بدوار ورغبة ملحّة في التقيّؤ. أسرعت إلى المرحاض ، وضعت إصبعها في حلقها فأرجعت ما تناولته في اليومين الأخيرين . سمع زوجها تقيّؤها فأسرع إليها و وقف عند الباب ممتعضا متقزّزا. لمّا ازداد دوارها واشتدّ عليها الصّداع وشعرت بوجوده خلفها ، مدّت يدها تناشد يده ليساعدها على الوقوف ، حدجها بنظرة ، ثمّ استدار و انصرف ...
تمسّكت بحافّة حوض الاغتسال ، واستندت إلى الحائط رغبة منها أن ترى وجهها في المرآة ، رغم الدّوار والغثيان تهيّأ لها لوهلة ، قبل أن يصطدم جسدها بأرضيّة الحمّام أنّ صورتها كانت أكثر وضوحا من اليومين الأخيرين وخاصّة صورة الرّأس منها ...
الحديث الرّابع للمرآة :
... لم تستفق إلاّ عند الظهر ، وعلى شفتيها نفس الابتسامة التي ارتسمت عليهما قبل سقوطها عند الإغماء. تذكّرت بسرعة ما رأته قبل أن تقع ، فأنستها فرحتُها الصّداع الذي لا يكاد يفارقها .
اتّجهت مباشرة إلى أقرب مرآة ، متحاملة على نفسها ، تريد أن تتأكّد ممّا رأته فجر اليوم . وقبل أن تحاول النّظر إلى وجهها في مرآة غرفة النّوم ، تراجعت لنقص الإضاءة في هذه الغرفة . وحثّت الخطى نحو غرفة الاستحمام حيث وجدت ابنتها تلهو ببعض الماء في إناء ، ابتسمت لها البنت وحيّتها غير أن تجاهل الأمّ أعادها إلى مائها وإنائها ...
تسارعت دقّات قلب الأمّ وازداد تواتر أنفاسها ، واشتدّ بها الصّداع ، اتّكأت على الحوض تضغط عليه بكلتا يديها ، كمن يجمع شتاته ، ويستجمع قواه ، ويستحثّ عزمه ، وقبل أن تعطي لنفسها مهلة فيتسرّب إليها الخوف ، رفعت عينيها بالمرآة في حركة سريعة . وما أشدّ السّعادة التي غمرتها وهي تغمض عينيها تحتضنان بجفونهما الصّورة الواضحة ، تخشيان منها هروبا . فتحتهما ببطء وإذا المرآة تتشقّق وتتطاير أجزاؤها كما شظايا القنبلة . وإذا بيديها تهرعان إلى الوجه تفتديانه ، وإذا الحرارة تسري على الكفّين ظاهرا وباطنا . ترفع يديها وإذا الحرارة دم يتقاطر من اليدين المرتعشتين .
التفتت إلى الصّغيرة خلفها وإذا هي قابعة ، لم يهزّها ما وقع وكأنّها لم تشعر به . غير أنّ يدها امتدّت إلى قطعة من المرآة . اقتربت منها الأمّ ، وإذا الابتسامة تزيّن الشّفتين الورديّتين وهي تقول : " انظري يا أمّي إلى صورتي في المرآة ، كم هي صافية و جميلة ! " ضمّتها أمّها إلى صدرها ، غير عابئة بالدّماء ولا بالجروح . وبكت ثمّ ابتسمت ...
تعليق