من حكايات المرايا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حيزي منجية
    أديب وكاتب
    • 23-09-2010
    • 50

    من حكايات المرايا

    الحديث الأوّل للمرآة :
    أفاقت من نومها ذات فجر ... نظرت في المرآة المعلّقة على حائط غرفة الحمّام . فإذا ضباب كثيف على سطحها حال دون تبيّن ملامح وجهها . مرّرت راحة يدها تحاول إزالة الضّباب . ولمزيد من الجدوى ، تناولت منشفة مسحت بها المرآة ، ثمّ مدّت رقبتها ، مقرّبة رأسها أكثر ، لكن عبثا تحاول إذ ما تبيّنت غير هالة ضبابيّة متموّجة ، كما الظلّ ، أو كما صورة معكوسة على سطح ماء متحرّك...
    تراجعت إلى غرفة النّوم ظنّا منها أنّ العيب ليس إلاّ في المرآة ، فما وجدت صورتها هناك إلاّ أكثر ضبابيّة وأشدّ تموّجا . أحسّت بصداع شديد ، فوضعت رأسها بين راحتيها تضغط عليه ، تكاد تعتصره ، وأغلقت جفنيها كأنّما تريد من المشهد هروبا ... أو لعلّها ، تناشد كابوسا يتبنّى الموقف برمّته وينقضي بمجرّد أن تفتح عينيها وترى النّور . لكنّ الصّداع الذي ازداد حدّة أكّد لها أنّ ما رأته لا يمكن أن يكون إلاّ حقيقة .
    أفاق زوجها لمّا ارتمت على السّرير بجانبه ، سألها فأخبرته . ضحك منها . فأكّدت له . حاول أن يهدّئها فصرخت وهاجت ، وهي الرّصينة . قادته من يده نحو المرآة ، بدت صورته واضحة تماما وخاصّة الرّأس منها . أمّا صورتها ، فما ازدادت إلاّ ضبابيّة . سألته ... فصمت ...

    الحديث الثّاني للمرآة :
    أفاقت في اليوم التّالي متأخّرة بعض الشّيء ، أحسّت أنّ جسدها شديد الإنهاك . وضعت يدها على بعض المواضع منه فتأوّهت ألما . وقفت متثاقلة، وأزاحت الثّوب عن صدرها ، وفخذيها ، وزنديها ، فرأت كدمات و بقعا زرقاء . كأنما هي آثار ضرب . اندهشت وطفقت تنبش ذاكرتها ، تبحث عن مبرّر لهذه البقع . شعرت بإرهاق وعاودها الصّداع ، فقرّرت تجاهل الأمر . لملمت نفسها واتّجهت إلى غرفة الحمّام . عسى دفء الماء يعيد إلى الجسد بعض نشاطه ، ويخفّف عنه الآلام وقد تحاشت النّظر إلى المرآة ...
    بعد الاستحمام ، هدأت أعصابها وانتابها انتعاش ، فتهيّأ لها أنّ ما رأته أمس ، ليس إلاّ وهما سببه بعض التّوتّر العصبيّ والإرهاق البدنيّ .
    استرقت النّظر إلى المرآة وهي تنشّف شعرها ، فاهتزّت الأرض تحت قدميها . وارتعش الجسد الذي مازال يقطر ماء . وضعت يديها على وجهها تتلمّسه . تساءلت إن كان العيب في النّظر ، لكنّ جسدها كان واضحا تماما في المرآة ، ولا يمتدّ الضّباب إلاّ إلى رأسها ، لتزداد كثافته عمّا كان عليه بالأمس ...
    أسرعت إلى زوجها توقظه ، تهزّه ، ترجّه ، تجرّه جرّا إلى المرآة دون أن تردّ على تذمّره وأسئلته . لمّا نظرت إلى صورتيهما معا ، رأت رأسه أكثر وضوحا من الأمس . وما ازداد رأسها في حضرة رأسه إلاّ ضبابيّة . نظرت إليه علّها تجد في عينيه بعض إجابة . سكت برهة متحاشيا النّظر في عينيها ، وطلب منها أن تعدّ نفسها ليصطحبها إلى طبيب أمراض عصبيّة ونفسيّة ...

    الحديث الثّالث للمرآة :
    بعد أن احتدّ النّقاش بينها وبين زوجها ، أفاقت في الهزيع الأخير من الليل ، وهي تشعر بدوار ورغبة ملحّة في التقيّؤ. أسرعت إلى المرحاض ، وضعت إصبعها في حلقها فأرجعت ما تناولته في اليومين الأخيرين . سمع زوجها تقيّؤها فأسرع إليها و وقف عند الباب ممتعضا متقزّزا. لمّا ازداد دوارها واشتدّ عليها الصّداع وشعرت بوجوده خلفها ، مدّت يدها تناشد يده ليساعدها على الوقوف ، حدجها بنظرة ، ثمّ استدار و انصرف ...
    تمسّكت بحافّة حوض الاغتسال ، واستندت إلى الحائط رغبة منها أن ترى وجهها في المرآة ، رغم الدّوار والغثيان تهيّأ لها لوهلة ، قبل أن يصطدم جسدها بأرضيّة الحمّام أنّ صورتها كانت أكثر وضوحا من اليومين الأخيرين وخاصّة صورة الرّأس منها ...

    الحديث الرّابع للمرآة :
    ... لم تستفق إلاّ عند الظهر ، وعلى شفتيها نفس الابتسامة التي ارتسمت عليهما قبل سقوطها عند الإغماء. تذكّرت بسرعة ما رأته قبل أن تقع ، فأنستها فرحتُها الصّداع الذي لا يكاد يفارقها .
    اتّجهت مباشرة إلى أقرب مرآة ، متحاملة على نفسها ، تريد أن تتأكّد ممّا رأته فجر اليوم . وقبل أن تحاول النّظر إلى وجهها في مرآة غرفة النّوم ، تراجعت لنقص الإضاءة في هذه الغرفة . وحثّت الخطى نحو غرفة الاستحمام حيث وجدت ابنتها تلهو ببعض الماء في إناء ، ابتسمت لها البنت وحيّتها غير أن تجاهل الأمّ أعادها إلى مائها وإنائها ...
    تسارعت دقّات قلب الأمّ وازداد تواتر أنفاسها ، واشتدّ بها الصّداع ، اتّكأت على الحوض تضغط عليه بكلتا يديها ، كمن يجمع شتاته ، ويستجمع قواه ، ويستحثّ عزمه ، وقبل أن تعطي لنفسها مهلة فيتسرّب إليها الخوف ، رفعت عينيها بالمرآة في حركة سريعة . وما أشدّ السّعادة التي غمرتها وهي تغمض عينيها تحتضنان بجفونهما الصّورة الواضحة ، تخشيان منها هروبا . فتحتهما ببطء وإذا المرآة تتشقّق وتتطاير أجزاؤها كما شظايا القنبلة . وإذا بيديها تهرعان إلى الوجه تفتديانه ، وإذا الحرارة تسري على الكفّين ظاهرا وباطنا . ترفع يديها وإذا الحرارة دم يتقاطر من اليدين المرتعشتين .
    التفتت إلى الصّغيرة خلفها وإذا هي قابعة ، لم يهزّها ما وقع وكأنّها لم تشعر به . غير أنّ يدها امتدّت إلى قطعة من المرآة . اقتربت منها الأمّ ، وإذا الابتسامة تزيّن الشّفتين الورديّتين وهي تقول : " انظري يا أمّي إلى صورتي في المرآة ، كم هي صافية و جميلة ! " ضمّتها أمّها إلى صدرها ، غير عابئة بالدّماء ولا بالجروح . وبكت ثمّ ابتسمت ...
  • جمال عمران
    رئيس ملتقى العامي
    • 30-06-2010
    • 5363

    #2
    الاستاذ حيذى
    ارهقتنى هذه السيدة ..وارهقنى تتبع نفسيتها ..ولست ادرى ان كانت مريضة ..أو مجنونة..أو مصدومة..أو مظلومة..
    كل ما ادريه اننى إزاء حالة معقدة لدرجة كبيرة ..
    ..ربما هى تحمل من الحقد والكره للآخرين ما يجعلها ترى نفسها الحقيقية الأمارة بالسؤ..وربما هى من الاصل نفس تكره الجمال فترى القبح فى ذاتها..
    صدقنى سيدى انتظر منك توضيحا اكثر..
    شكرا لك ..
    التعديل الأخير تم بواسطة جمال عمران; الساعة 12-06-2011, 09:59.
    *** المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء ***

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      يالحكايا المرايا سيدة القص الجميل ، و تلك المواقف التى لا يخلو منها بيت ، و لا يتعرض لها كائن شديد الحساسية مثل بطلتنا هنا فى تلك الحكايا .. و هذه القدرة الرائعة و المدهشة على بناء الحدث ، و تكثيفة بتلك الدهشة ، و من خلاله تسطع شخصية الرجل ، بكل ملامحها الغريبة ، و التى أقنعتني كثيرا ، و لكنها غاظتنى و أربكتنى !

      و للمرايا أحاديث أخري فى جعبة كاتبة كبيرة ، بلغتها المنتقاة ، و تعبيراتها المقنعة ، و تلك القدرة المدهشة على تلوين الحديث و رسمه جيدا ، لنقف معها أمام أنفسنا ، ليس من باب الاطمئنان على أنفسنا ، بقدر ما هى تعرية لدواخلنا المثقلة بيوميتنا و تقلبات الأفعال و الأيام !

      شكرا لك سيدتي
      sigpic

      تعليق

      • حيزي منجية
        أديب وكاتب
        • 23-09-2010
        • 50

        #4
        أستاذ ربيع .كل التقدير .
        في كل مرة تطل فيها على إحدى أقاصيصي تزرعني بسمة وفخرا .
        لك كل الشكر أستاذي .

        تعليق

        • ريما ريماوي
          عضو الملتقى
          • 07-05-2011
          • 8501

          #5
          مسكينة هي لا ترى الا هويتها تذوب وتضمحل
          مع ملل وروتين حياتها العادية اليومية, فأصبح
          الجميع يهملونها حتى زوجها الذي لم يسندها
          في مرضها, فبدأت تحس بصورتها باهتة مشوشة
          لانها غير راضية عما وصلت اليه من تدهور.
          الاسلوب سلس ممتع, مودتي وتقديري.
          شكرا لك. تحياااتي.
          التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 13-06-2011, 12:45.


          أنين ناي
          يبث الحنين لأصله
          غصن مورّق صغير.

          تعليق

          • حيزي منجية
            أديب وكاتب
            • 23-09-2010
            • 50

            #6
            صديقتي ريما .
            كلما علقت على عمل من أعمالي . أشعر بروح جميلة كالملاك . أشعر بطفلة صغيرة يملأ عبقها المكان . أشعر بكلماتك تدغدغني ، تزرعني في إحدى الغيمات السابحة في الأحلام . ربما اسمك الجميل من أحالني على هذا الانطباع اللذيذ . أو ربما تلك الصورة الجميلة الطفولية ، أو لعلها تلك الكلمات الجميلة الصادقة التي تنبع من قلمك .
            شكرا لك على هذا الاحساس الرائع الذي تمنحينني إياه . ثمّ شكرا على اهتمامك بكتاباتي .
            لا تحرميني من كليهما وتابعيني في كل مشاركاتي . وأشرقي على صفحاتي .
            كل الحب .
            التعديل الأخير تم بواسطة حيزي منجية; الساعة 13-06-2011, 14:40.

            تعليق

            • ريما ريماوي
              عضو الملتقى
              • 07-05-2011
              • 8501

              #7
              اهلا بك اختي منجية,
              وشكرا جزيلا على الرد الحلو,
              والترحيب الجميل,
              كل دقيقة والتانية برجع اقرأه.
              فرحتيني فيه والله, وكتاباتك
              الجميلة هي التي فرضت نفسها
              مسرورة انك كثفت نشاطك هذه الأيام
              استمري به وأمتعينا.
              لك مودتي, تقديري, احترامي.
              وأحلى تحياااتي.


              التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 13-06-2011, 16:49.


              أنين ناي
              يبث الحنين لأصله
              غصن مورّق صغير.

              تعليق

              يعمل...
              X