الدلدول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سمير الفيل
    عضو الملتقى
    • 30-06-2007
    • 46

    الدلدول

    [align=right]
    [align=center]الدلدول [/align]

    لم يكن ينغص عليه حياته إلا ما استشفه من نظرات الناس له ، وهو يمشي في ركابها ، متقدما عليها بخطوتين حتى يفسح لها الطريق كي تجلس على مكتبها البيضاوي الكبير الذي يوشك أن يبتلع نصف الحجرة .
    في بنصرها خاتم فصه من الماس الأصلي يبرق إذا ما انعكست عليه أشعة الشمس فإذا به يعطي كل الألوان التي يمكن أن يتخيلها كجربوع صغير من سلالة الجرابيع .
    تشوح لكل من يدخل إليها بورقة ، فتزفر بصوت مسموع ، لكنه هادئ وخجول : أف .. أف..
    و" أف " هذه تبدأ من الشغل ، وتسير في الشوارع والميادين لتتبعها هي ذاتها كلما خلت بنفسها ، وصارت في بيت المرحوم " أبو بلبل" .
    هو ابن عز ، زوجها ، وارث العزب والأطيان ، وعمارات ثلاث في شاطيء جليم . بعد أن غدرت به الدنيا ، وأماتته في يوم شتائي مشمس وجدت نفسها في ثوب أسود ، وحول عينيها كحل أسود ، ويؤطر صورته القديمة وهو في صدر شبابه شريط من الستان الأسود ، فسبحان الله خالق الألوان وموزعها بحساب دقيق ، وسبحان الحي القيوم الذي لا ينام.
    لم يكن يتصور أن تكون من نصيبه ، فخياله لم يحلق إلى تلك المسافة البعيدة جدا ، لكنها أقدار وأرزاق قسمها المولى تعالى ؛ فبتتابع المهام والخدمات والتسهيلات وجدت أن عوض شحاته المندوه فيه كل صفات الكلب الأمين . فكان كلبها ، وبدلا من أن يسير في ظلها فضلت أن يسبقها بخطوتين لا ينقص منهما ربع بوصة ، ولا يزيد.
    الموظفون الأقدم حسدوه ، والسعاة تقربوا منه زلفى ، وقد كان موفقا كل التوفيق حين لم يغير أطقم ملابسه الكالحة ، واكتفى بتلميع الحذاء ، ودهن الشعر بالفازلين مع تعليق ابتسامة غامضة على شفتيه المتورمتين كلما أغلق الباب خلفه ، وهو يحضر لها " البوستة " ثم وهو يعود بها ممهورة بتوقيعها الكريم ، وبالأختام المستديرة المخصوصة.
    على فراش الزوجية أرته أعاجيب لم تكن تخطر بباله ، فتيقن أنه إن كانت للمرأة سبعة أرواح فلها أربع وعشرون وجها كل منها مختلف تمام الاختلاف عن غيره .
    لهجته الفلاحي لم تقف حجر عثرة أمام تواصله معها ، فليس باللغة وحدها يحيا الإنسان ؛ لذلك عندما وصلها خبر أن شقيقه شفيق قد مات في العراق بعد أن شقت شظية عمياء من مدافع الحلفاء صدره بينما يسير في شارع السعدون ، ذهبت إلى بيت العائلة القابع في الدور الأرضي بعزبة الكاشف ، وقدمت واجب العزاء ثم شربت القهوة السادة وكانت مرة مرارة لم تذقها من قبل . قدمها لها بنفسه ، وشكرها أن شرفت العزبة كلها بخطوتها العزيزة ، وبينما يريها صوره مع شفيق حافيين في أول التحاقهما بالمدرسة الابتدائية سالت على خده دمعتان فمالت ومسحتهما بطرف منديلها المطرز . تأكدت أنه فلاح من أصلاب فلاحين ، رضع البساطة والمكر الذائبين في حليب الأم .
    الدهاء الذي تحبه فيه تركته على ملامحه ولم تسع لتغييره فقد تحتاجه في مرة . دهاء مذ كان طفلا لا يعي ما حوله حتى صار شابا مرموقا يضع ساعة " رادو " في معصمه بدمغتها الأصلية .
    جرى الاتفاق ببساطة على أن تكون هي السيدة الأولى ، ويكون لها ستراً وغطاء ، وإن وجدت فيه الحائط الذي له ظل قد ينفع في الملمات .
    بينه وبينها عشر سنوات . هي الأكبر ، تفوقه علما وجمالا وأناقة ، وحين وازنت الأمور وجدته يزيدها شبابا وطموحا ومكرا.
    فحقت عليه لعنة الزواج . قالت : أجرب حظي مع هذا الشاب الذي لا يعيبه أنه فقير ، مقطوع من شجرة حيث إن شقيقه شفيق الذي قضي في العراق كان آخر أقاربه الذين فارقوا الدنيا ، وعنه ورث حوالة قيمتها ألف دولار وصلته بعد غزو جيوش الحلفاء بغداد ، وشنقهم لرئيسها الذي اختفى في حفرة ، ونحروه عشية عيد الأضحى.
    صورة الخروف كانت مواجهة لمكتبها ، وأمامه تمتد مراع ٍ خضراء وشجرة زيتون مورقة ، ونهر سلسبيل يترقرق بالزرقة ، وسرب نوارس يحلق بأجنحة بيضاء من غير سوء ، كلما دخل عليها المكتب سمر نظرته على الخروف فسمع مأمأته تأتيه هو بالذات.
    من غير المعقول أن تظهر كل مواجعه في الأسبوع الأول للزواج على أنها حجزت تذكرتين للغردقة ، وأرته صنوف الغرام والنوم بأوضاع بعضها غريب وأقلها مألوف خاصة أن السرير كان من النوع الذي يدور يمنة ويسارا بمحور في المنتصف تماما . كاد يجن وعرف أن للذة أشكالا وألوانا ، وسبحان الله مقلب الأفئدة ؛ إذ إنها وجدت في بعلها ما يشبع نوازع الجسد ، وهفوات النفس ، فغمرته بعطفها كما منعت عنه شرها ، وأدركت أن الحل العبقري لبقاء الحال على ما هو عليه أن تظل المسافة الآمنة خطوتين باستمرار ، ثم لتمض الأمور كسابق عهدها .
    هي الحاكمة الآمرة ، وهو العبد المطيع الذي يعرف حدوده ، ويشوف من بعيد كم منّ الله عليه من فضله إذ أصبح أمام الجميع زوج المديرة ، ولكنه والحق يقال ليس تاج رأسها بأي حال من الأحوال.
    كالبندول صار يروح ويجيء في خدمتها ، وهي وسعت عليه بمنحه علاوتين استثنائيتين ، ولكن القلب نفسه لم تمسسه بعد تلك الشرارة المقدسة التي تسمى الحب ، فكان زواجا غريبا ، لا هو لرفع المقام ، ولا لإصلاح الحال. هو زواج أقرب ما يكون لسد الذرائع لا أكثر.
    ومن غريب ما يروى في شأن هذه الزيجة أن الحاقدين وهم كثر أسموه " الدلدول" ، وكانوا ينفثون عليه نجاحه في الظفر بتلك الأنثى الرائعة ، والتي تنافس عليها من هم أكثر منه نفوذا ومالا ووسامة ، لكنها بذكائها اختارت الطرف الأدنى لتكون لها السطوة ، والسيطرة في شئون القيادة بكل أنواعها.
    قلنا إن للسيدة ولداً وحيداً من زوجها المرحوم ، وإن هذا الولد المدلل اسمه بلبل . له مربية شابة ، آنسة ، رقيقة ، مؤدبة ، وبنت أصول اسمها فاتن .
    هذه هي معلوماتنا كاملة لأن الدلدول أخفى عن أهل العزبة أن المرأة التي دخل عليها سبق لها الزواج والحمل والرضاعة ، وهل يعيب المرأة أن تكون مرغوبة ، وولوداً ؟!
    سمن على عسل علاقة السيدة بموظفها الذي حاز رتبة البعل عن جدارة ، ولو سئلت في أي مناسبة : هل يستحقك عوض شحاتة المندوه لردت بملء الفم : نعم ، يستحقني وأكثر ، فهو يحافظ علي بعينيه ، وابني هو ولده ، وهذه من صفات أصحاب الأخلاق الحميدة ، ولن يراجعها مخلوق في رأيها فهي الأدرى بأمور بيتها.
    كل هذا صحيح ، ومعروف ومؤكد حتى وقعت الواقعة إذ تعرض السيد عوض لمغص كلوي حاد استوجب عليه البقاء في البيت للراحة وتناول المضادات الحيوية .
    عادت السيدة من عملها في غير ميعادها المعلوم ، أدارت مفتاحها في ثقب الباب ودخلت حجرتها ورأت وليتها ما رأت.
    كان السيد عوض عاري الجسد إلا من سروال قصير ، والبنت المربية ، والتي تندب في عينها رصاصة تدلكه بيديها الناعمتين ، وهو يتقلب على جمر النار ، ويئن أنين من يشوى على فحم جهنم.
    صرخت وولولت ، وبكل ما تملك من ضبط النفس صرخت فيه : أنت طالق.
    كانت العصمة بيدها ولها القرار وحق التوقيع منفردة . لم يطلع الصبح حتى كان عوض قد ستــّف ملابسه في حقيبتين كبيرتين تاركا ملابسه الداخلية إذ كانت مليئة بالخروق ، والله أمر بالستر . غادر البيت ، وانقطع تماما عن الذهاب للمؤسسة.
    افتقد الموظفون الدلدول ، وقال أغلبهم إن حظه عاثر لتركه المديرة ، وإنه قد رفس النعمة بقدميه . لكن صاحب العملة كان له رأي آخر ، فقد فرح بخلاصه ، وراح ، وخطب البنت المدبرة بعد الضبطية بيومين، ومضى في إجراءات بناء عش الزوجية بجدية .
    لم يكن يؤرقه سوى اللوحة التي كان قد اشتراها وأهداها للسيدة المديرة قبل أن يقترن بها .
    كان يريد أن يعرف لماذا تتهادى إلى أذنيه حتى بعد أن راح كل إلى حال سبيله تلك المأمأة الغامضة المتقطعة للخروف الشارد ؟!

    4/2/2008[/align]
    [CENTER][COLOR="Blue"][SIZE="2"]
    سمير الفيل
    كاتب مصري
    [email]Samir_feel@yahoo.com[/email]
    مدونتي :
    [url]http://samir-feel.maktoobblog.com/[/url] [/SIZE][/COLOR][/CENTER]
  • الشربينى خطاب
    عضو أساسي
    • 16-05-2007
    • 824

    #2
    دلالة المقارنة بين المفهوم الشعبي للخروف كرمز للرجل التي تقوده زوجته وبين شعورعوض شحاته الداخلي يأنه مثل الخروف ، اعطت للنص نكهة مصرية خالصة { كلما دخل عليها المكتب سمر نظرته على الخروف فسمع مأمأته تأتيه هو بالذات.}
    وأتذكر أن هذا " الدلدول " طهر في فيلم القاهرة 30
    في صورة معلقة أعلي مكتب الوزير وجه إنسان بقرنين خروف
    بالإضافة إلي المفردات العامية 00الجربوع والجرابيع 00 والمعني السجل في سجل الطبقات الشعبية لكلمة " دلدول " ليس لزوج الست بحسب ولكن لكل تابع لشخصية ذو مركز اجتماعي اوسياسي مرموق ثم الربط والإسقاط السياسي بين شنف صدام العراق في ليلة العيد وبين نحر الخروف ضحية عيد الضحي {وعنه ورث حوالة ـ شحاتة عوض ـ قيمتها ألف دولار وصلته بعد غزو جيوش الحلفاء بغداد ، وشنقهم لرئيسها الذي اختفى في حفرة ، ونحروه عشية عيد الأضحى.}استطاع الكاتب ان يضفر الرموز الشعبية في القصة ـ جربوع 00 جرابيع 00 يوسته 00 لتعطي بدلالتها معني الفكرة التي يدور حولها النص عن صفات وسمات " الدلدول " أي " دلدول "
    التعديل الأخير تم بواسطة الشربينى خطاب; الساعة 23-03-2008, 11:29.

    تعليق

    • سمير الفيل
      عضو الملتقى
      • 30-06-2007
      • 46

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة الشربينى خطاب مشاهدة المشاركة
      دلالة المقارنة بين المفهوم الشعبي للخروف كرمز للرجل التي تقوده زوجته وبين شعورعوض شحاته الداخلي يأنه مثل الخروف ، اعطت للنص نكهة مصرية خالصة { كلما دخل عليها المكتب سمر نظرته على الخروف فسمع مأمأته تأتيه هو بالذات.}
      وأتذكر أن هذا " الدلدول " طهر في فيلم القاهرة 30
      في صورة معلقة أعلي مكتب الوزير وجه إنسان بقرنين خروف
      بالإضافة إلي المفردات العامية 00الجربوع والجرابيع 00 والمعني السجل في سجل الطبقات الشعبية لكلمة " دلدول " ليس لزوج الست بحسب ولكن لكل تابع لشخصية ذو مركز اجتماعي اوسياسي مرموق ثم الربط والإسقاط السياسي بين شنف صدام العراق في ليلة العيد وبين نحر الخروف ضحية عيد الضحي {وعنه ورث حوالة ـ شحاتة عوض ـ قيمتها ألف دولار وصلته بعد غزو جيوش الحلفاء بغداد ، وشنقهم لرئيسها الذي اختفى في حفرة ، ونحروه عشية عيد الأضحى.}استطاع الكاتب ان يضفر الرموز الشعبية في القصة ـ جربوع 00 جرابيع 00 يوسته 00 لتعطي بدلالتها معني الفكرة التي يدور حولها النص عن صفات وسمات " الدلدول " أي " دلدول "
      الصديق العزيز الشربينى خطاب

      مروركم محل تقدير دائم .
      استفدت كثيرا من تحليلكم المتماسك..

      ألف شكر..
      [CENTER][COLOR="Blue"][SIZE="2"]
      سمير الفيل
      كاتب مصري
      [email]Samir_feel@yahoo.com[/email]
      مدونتي :
      [url]http://samir-feel.maktoobblog.com/[/url] [/SIZE][/COLOR][/CENTER]

      تعليق

      • ثروت الخرباوي
        أديب وقانوني
        • 16-05-2007
        • 865

        #4
        الأستاذ القاص المبدع سمير الفيل

        أسعدني أن اقرأ لك .. وقد غصت بطريقتك المحببة المبدعة في نمط من العلاقات الإجتماعية والأسرية تنقلب فيها الموازين وتختل فيها المعايير وتقوم على تبادل المصالح ـ حتى ولو كانت مصالح نفسية ـ لا على الحب والألفة والسكن والراحة والتفاهم ، فحينئذ يعلو طرف على طرف ويتسيد طرف على الآخر وتظل مسافة بينهما عبارة عن خطوتين ..فهل نطح الخروف مصالحه من أجل نزوته ؟ أم رفس راعيه من أجل كلأ لا يسمن ولا يغني من جوع ؟ هذه نتيجة طبيعية حينما تختل المعايير

        قصة تستحق التثبيت

        تعليق

        • سمير الفيل
          عضو الملتقى
          • 30-06-2007
          • 46

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ثروت الخرباوي مشاهدة المشاركة
          الأستاذ القاص المبدع سمير الفيل

          أسعدني أن اقرأ لك .. وقد غصت بطريقتك المحببة المبدعة في نمط من العلاقات الإجتماعية والأسرية تنقلب فيها الموازين وتختل فيها المعايير وتقوم على تبادل المصالح ـ حتى ولو كانت مصالح نفسية ـ لا على الحب والألفة والسكن والراحة والتفاهم ، فحينئذ يعلو طرف على طرف ويتسيد طرف على الآخر وتظل مسافة بينهما عبارة عن خطوتين ..فهل نطح الخروف مصالحه من أجل نزوته ؟ أم رفس راعيه من أجل كلأ لا يسمن ولا يغني من جوع ؟ هذه نتيجة طبيعية حينما تختل المعايير

          قصة تستحق التثبيت
          الأستاذ الفاضل / ثروت الخرباوي

          تحليلك رائع بصدق .
          أحييك على المرور الكريم
          ..
          [CENTER][COLOR="Blue"][SIZE="2"]
          سمير الفيل
          كاتب مصري
          [email]Samir_feel@yahoo.com[/email]
          مدونتي :
          [url]http://samir-feel.maktoobblog.com/[/url] [/SIZE][/COLOR][/CENTER]

          تعليق

          يعمل...
          X