إجازة من حالة زواج
عاد ذات مساء من العمل . نادى زوجته فما أجابت . بحث عنها في المطبخ وفي بقية الغرف فما وجدها . دخل غرفة النوم فشدت انتباهه ورقة مشدودة بشريط لاصق إلى المرآة . فتحها . وبعد أن أعاد قراءتها مرَات . ابتسم ... ثم قهقه مطبقا على الورقة بيده ... ورمى بها على الأرض . وارتمى على السرير دون آن يخلع حذاءه . بقي ينتظر عودتها ، إلى آن حلَ الليل ، ظنّا منه أن طلبها إجازة من الزّواج مجرَد دعابة .
الأسبوع الأول من الإجازة :
مرَ الأسبوع الأول من الإجازة بطيئا ، رتيبا ، ثقيلا على كليهما .
هو : يشعر بالاستياء من تصرَفها . ينعته بالطَيش ، والتَهوَر والجنون . ويهدَد في قرارة نفسه بالانفصال .
هي : يِؤلمها عدم اكتراثه لغيابها . فتبحر في زخم هواجسها ، تأسف على سنوات عمرها التي مضت نهبا لحب وهم ، تراكمت فوقه الرَتابة فخنقته .
الأيام الأولى من الأسبوع الثاني للإجازة :
تمتدَ الأيادي إلى الهواتف مدفوعة ببعض الشَوق الوليد . تلامسها بأطراف أناملها المرتعشة تردَدا ثمَ ترتدَ .
هي : ترى في المبادرة بالاتصال تراجعا وانهزاما .
هو : يرى في الاتصال تسامحا يقلَل من رجولته ، وتجاوزا يمهَد لمزيد التَمرَد .
الأيَام الأخيرة من الأسبوع الثَاني من الإجازة :
الشَوق الوليد ينمو ، يتغذَى على البعد ، يحكم سيطرته على الأيادي . فتمتدَ إلى الهواتف تضغط أزرارها . لكن سرعان ما تستعيد العقول السَيطرة . وتخرج الأيادي من أسر الشَوق ، فتتراجع خذلى لتهدأ ويعاودها السَكون .وقد يلهي الشَوق العقول ويغرقها في الذَكريات ، ويستبدَ بالأيادي . يدفعها قسرا إلى العصيان . فتضغط على الأزرار في تسارع ، لتستقبل الأذن الصَوت الحبيب الذي ينبعث من السَماعة " ألو... ألو ... ألو ..."
وتستمرَ الأذن تستقبل كلمة " ألو " نشوى . غير أنَ الشَفتين المكبَلتين كبرياء ، تهتزَان ... وتهتزَان ... وتهتزَان . لكن تعجزان عن تلبية نداء الشَوق .
الأسبوع الثَالث من الإجازة الزَوجيَة :
طغى الشَوق واحتلَ كلَ مواقع العقل في كلَ كليهما ، فامتدَت الأيادي إلى الأقلام تغريها برحلة في عوالم لغة الحبَ . فتغازل الأقلام الأوراق وترتفع بها عاليا ... عاليا... عاليا... فوق عالم المادَة والبشر . وتحلَق بها في عالم شاعريَ رائع ، نجومه ورود ، وجباله قلوب وأرضه ورود ... ورود ... ورود .
وتحرَرت الشَفاه فأشبعت الهواتف الظَمأى ضمَا إلى الصَدور المهتزَة فوق قلوب انبعثت من السَبات حبلى بالحياة ، فآن لها أن تنبض... وتنبض ... وتنبض .
هي : تلقَت منه اليوم شريطا مسموعا لأغنية " بعيد عنَك " فسمعتها ... وسمعتها ... وسمعتها ... كما لم يسبق لها أن سمعتها...
هو : تلقَى منها رسالة ، تشكره فيها على الشَريط وتصف له مشاعرها وهي تستمع إليه . فوجد نفسه يقرأها ... ويقرأها ... ويقرأها ... حتَى كاد يحفظها ...
الليلة الأخيرة من الأسبوع الثَالث :
خرجت هذه الليلة إلى الشَرفة ... يؤرَقها الشَوق ويضنيها السَهاد . تسلم وجنتيها للنَسيم ، يروي بنداه الشَفتين اللتين اعتصرهما الحنين ، والجسد الظَمآن ، المدمن للمسات فرَت من واقع خشن ، تناشد حلما ناعما ، موغلا في اللذَة ...
وهي تنحني .. تتَكئ على درابزين الشَرفة ، شدَ انتباهها طيف يتَكئ إلى عمود الكهرباء ... كادت تتراجع لو لم يلوَح لها بيده، كما كان يفعل في الأيام الخوالي... زمن اللوعة والشَغف عند التعارف الأوَل ... " انَه هو... "هزَت يدها .. وقد اهتزَ قلبها للمفاجأة ... عاودها شعورها الأوَل بالارتباك، وهي بنت السَبعة عشر ربيعا... نفس المكان ، نفس الوقفة ، نفس المشاعر الفيَاضة ، نفس الرَعشة في اليدين ... نفس الحرارة في الوجنتين ... تراجعت موصدة باب الشَرفة ... يضطرَها الطَرق العزول الملحَ ... وقلبها يخفق ... يخفق ... يخفق ...
الأسبوع الرَابع من الإجازة الزوجَية :
هو: في رسالته الأخيرة التي أغرقها في عطره الذي تحبَ، وضمَنها ما اتَسعت له من عبارات الحبَ والعشق... وحمَلها ثقل الوجود شوقا وحنينا.. طلب منها أن تخرج للقائه وألحَ... وضرب لها موعدا بذلك...
هي : أمضت اليوم تتبرَج ، كلَما استقرَت على تسريحة ظهرت لها فيها عيوب ... وكلَما رجَحت كفَة فستان أغراها آخر ... وقد رزح فراش صباها تحت كومة الفساتين ... ليفرض الثَوب الأحمر نفسه أخيرا ، بما له من حقَ عليها، وقد شهد معها أوَل لقاء معه... زاد توهَج لونه الذي قاوم إهمال السَنين، من حيويَة جسدها الذي بقي وفيا له ، فاضطرم حركة وهي ترقص على أنغام أغنية نجاة الصَغيرة :
ـ .......................
ـ حتَى فساتيني التي أهملتها
ـ فرحت به
ـ رقصت على قدميه
ـ ......................
حتى أنّها لم تجد لنظرات أمَها التي ترمقها في صمت يعجَ تساؤلا، أيَ تبرير.
عندما دخلت إلى المحلَ الذي دعاها للعشاء فيه ، كان خاليا إلا منه ... جالسا في انتظارها وقد سبقها في الحضور رغم إبكارها.
وقف في أوج تأنَقه وتألَقه، تقدَم نحوها، حيَاها وقبَل يدها كما لم يفعل حتَى أيام الخطوبة... كأنَه رجل آخر وكأنَها امرأة أخرى ...
أخذها من يدها وقد تقلَص الكلام كلَه نظرات تفيض شعرا...راقصها فأسلمت رأسها إلى كتفه بينما أحاط بيديه خصرها ، في حنان لم تشعر به طيلة زواجهما حتَى في أكثر المواقف حميميَة ... أغمض كلَ منهما عينيه، وأسلم جسده للآخر. شعرا بانسجام حركاتهما . فرقصا... ورقصا... ورقصا ...
استمرَ الرَقص طويلا ... وهما متعانقين ... صامتين...إلى أن تغيَر إيقاع الموسيقى... إنها موسيقى أعياد الميلاد ... غير أنَها لم تنتبه لها إلا عندما انحنى يدعوها بحركة رشيقة من يده ، إلى طاولة عليها ورود ، وشموع ، و مرطَبات ...
جذب الكرسيَ وأجلسها بعناية ، ثمَ جلس القرفصاء عند قدميها متَكئا على ركبتيها ، وأمسك بيديها وهمس إليها : " هنَئيني بعيد ميلادي ." التفتت إلى الشَموع فأدرك تلميحها : " إنها شموع سنوات زواجنا العشر ، وهي لو تعلمين شموع سنوات سعادتي وإحساسي الراَئع بالحياة . "
اليوم الأخير من الأسبوع الرَابع للإجازة:
عاد من العمل فوجد المنزل يفوح بعطرها . ويضجَ بالشَموع والورود ...
بعد مضيَ سنة على الإجازة:
عادت من العمل . نادت زوجها فما أجاب . بحثت عنه في غرف المنزل فما وجدته . دخلت غرفة النَوم . فشدَت انتباهها ورقة مشدودة بشريط لاصق إلى المرآة ...
تعليق