طفولتي 6

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الله راتب نفاخ
    أديب
    • 23-07-2010
    • 1173

    طفولتي 6

    طفولتي ( 6 )




    في ليلة شتائية باردة غريبة ، كانت ليلة خميس يليها يوم جمعة ، غمرني لوالدي شوق عجيب لم أعهده ، و رغبة بالتعلق به و قد أخلد للنوم و بإسناد رأسي إلى ظهره و الالتصاق به كأنما أستجدي الغياب في جسده و التوحد به .


    لا أدري أي مشاعر غريبة انتابتني ساعتها ، لكنني أحسست أن الاقتراب منه قدر ما أستطيع و عدم مغادرته و لو لحظة واجب و فرض تمليه علي قوة ما لست أعلمها .


    ما زلت أذكر تلك اللحظات كأنني أعيشها الآن ، و قد أطفئت الأنوار ، و التصقت أنا بظهره أتحسسه و أتلمسه و أسند رأسي إليه شاعراً بالأمان و الراحة ، كأنني بذلك أمنع غيابه عني دون أن يبدي هو أي حركة ، و كم أسرني حينها دفء القرب منه كأنها المرة الأولى ، بقيت سادراً في ذلك دقائق كانت كالعمر كله ، قبل أن تطلب منيأمي الابتعاد عنه خشية أن أضايقه .


    رفضت و تعلقت به ، لكنها بإصرار كسرت حاجز العناد لدي ، و أخذتني للنوم في غرفة أخرى ، و قلبي ما يزال مشدوداً إلى والدي في نومته تلك .


    و كأن الإحساس بضرورة البقاء إلى جانبه كان مغروساً في قلبي بإرادة غيبية ، أوعزت إلى جسدي بفعل ما يجبر أمي على إعادتي إلى حيث كنت ، فقد استيقظت بعيد منتصف الليل لأجدني بللت فراشي كاملاً ، و ذلك فعل ما كان ليصدر عني يوماً قبل ذلك ، فحسبت أمي عندئذ أن ما حصل سببه البرد الذي كان أشد في الغرفة التي أنامتني بها ، فأعادتني إلى جانب والدي لأكمل الليلة بقربه .


    لكنها تساءلت بعجب عما جعلني أفعل مثل ذلك ، و كيف لم أحس بنفسي حين ارتكبت ما لا يليق ، ثم أدركت بعد لأي أن كل ذلك كان لا بد بتدبير من فوق البشر أراد لي أن أبقى بجانب والدي أطول من أي فترة سبقت ، لأن هذا القرب سيغدو من بعد عزيزاً مفتقداً .


    لما استيقظت بعيد الفجر وجدت الحياة على طبيعتها كما كل يوم ، والدي يحتضن مصحفه و يرتل منه سورتي البقرة و آل عمران كعادته إثر كل صلاة فجر ، و فنجان القهوة إلى جانبه يرتشف منه رشفات ، فيما السماء في الخارج تلقي عباءتها الرمادية على الجو كله .


    نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط فأبصرتها تشير إلى السادسة ، بقيت على فراشي و تدثرت بالغطاء و أنا أفكر بشيء واحد : أن هذا اليوم يوم جمعة ، و كفى به جمالاً أنه يوم عطلة ، لا مدرسة فيه و لا تعب .


    أخذت أتأمل والدي مطولاً بمحبة ، أحدق في وجهه الذي وخط الشيب فوديه ، و في شفتيه اللتين تتحركان بكلمات الذكر الحكيم ، و في الهالة الجمالية التي رأيتها تحيط به .


    كان الحب وحده ما يحرك قلبي نحوه ساعتها ، و الجمال يتلألأ على محياه فيبديه ملكاً متوجاً على عرش الحسن و البهاء ، كأن ملائكة السماء تحيطه و تنشر ألقها من حوله .


    بدا جميلاً كما لم أره يوماً ، هادئاً كما لم أره يوماً ، وديعاً كما لم أره يوماً ، شاباً كما لم أره يوماً ، فلبثت أتأمله مستمتعاً بألقه ذاك غير شاعر بالوقت ، و ابتسامة ترتسم على شفتيَّ لم أعتدها حين النظر إليه ، ابتسامة صنعها إحساسي أن كل حواجز الرهبة و الغضب و العنف قد زالت عنه ، و بات محلها حنان و حب و عطف لا تنتهي .


    و فجأة .. و دونما إنذار ، وجدته يبعد المصحف عن نفسه بكل هدوء


    ، و يأخذ في الاستلقاء مسنداً رأسه إلى الأريكة ، ثم يضع يده على موضع قلبه و يلفظ الكلمتين اللتين أسمع صوته يتردد بهما حتى اللحظة في أذنيَّ : يا بنيَّ .. إنني أموت .


    لكم سمعتها منه قبل ذلك ، و لكم رددها بسبب و من دون سبب ، لكنْ هذه المرة رأيت في عينيه ما لم أعهده ، كأن صورة ملك الموت الذي حضر في الغرفة ساعتها قد تجلت فيهما .


    و للحديث بقية .............
    التعديل الأخير تم بواسطة عبد الله راتب نفاخ; الساعة 14-06-2011, 09:54.
    الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

    [align=left]إمام الأدب العربي
    مصطفى صادق الرافعي[/align]
  • عبد الله راتب نفاخ
    أديب
    • 23-07-2010
    • 1173

    #2
    طفولتي ( 6 )




    في ليلة شتائية باردة غريبة ، كانت ليلة خميس يليها يوم جمعة ، غمرني لوالدي شوق عجيب لم أعهده ، و رغبة بالتعلق به و قد أخلد للنوم و بإسناد رأسي إلى ظهره و الالتصاق به كأنما أستجدي الغياب في جسده و التوحد به .


    لا أدري أي مشاعر غريبة انتابتني ساعتها ، لكنني أحسست أن الاقتراب منه قدر ما أستطيع و عدم مغادرته و لو لحظة واجب و فرض تمليه علي قوة ما لست أعلمها .


    ما زلت أذكر تلك اللحظات كأنني أعيشها الآن ، و قد أطفئت الأنوار ، و التصقت أنا بظهره أتحسسه و أتلمسه و أسند رأسي إليه شاعراً بالأمان و الراحة ، كأنني بذلك أمنع غيابه عني دون أن يبدي هو أي حركة ، و كم أسرني حينها دفء القرب منه كأنها المرة الأولى ، بقيت سادراً في ذلك دقائق كانت كالعمر كله ، قبل أن تطلب منيأمي الابتعاد عنه خشية أن أضايقه .


    رفضت و تعلقت به ، لكنها بإصرار كسرت حاجز العناد لدي ، و أخذتني للنوم في غرفة أخرى ، و قلبي ما يزال مشدوداً إلى والدي في نومته تلك .


    و كأن الإحساس بضرورة البقاء إلى جانبه كان مغروساً في قلبي بإرادة غيبية ، أوعزت إلى جسدي بفعل ما يجبر أمي على إعادتي إلى حيث كنت ، فقد استيقظت بعيد منتصف الليل لأجدني بللت فراشي كاملاً ، و ذلك فعل ما كان ليصدر عني يوماً قبل ذلك ، فحسبت أمي عندئذ أن ما حصل سببه البرد الذي كان أشد في الغرفة التي أنامتني بها ، فأعادتني إلى جانب والدي لأكمل الليلة بقربه .


    لكنها تساءلت بعجب عما جعلني أفعل مثل ذلك ، و كيف لم أحس بنفسي حين ارتكبت ما لا يليق ، ثم أدركت بعد لأي أن كل ذلك كان لا بد بتدبير من فوق البشر أراد لي أن أبقى بجانب والدي أطول من أي فترة سبقت ، لأن هذا القرب سيغدو من بعد عزيزاً مفتقداً .


    لما استيقظت بعيد الفجر وجدت الحياة على طبيعتها كما كل يوم ، والدي يحتضن مصحفه و يرتل منه سورتي البقرة و آل عمران كعادته إثر كل صلاة فجر ، و فنجان القهوة إلى جانبه يرتشف منه رشفات ، فيما السماء في الخارج تلقي عباءتها الرمادية على الجو كله .


    نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط فأبصرتها تشير إلى السادسة ، بقيت على فراشي و تدثرت بالغطاء و أنا أفكر بشيء واحد : أن هذا اليوم يوم جمعة ، و كفى به جمالاً أنه يوم عطلة ، لا مدرسة فيه و لا تعب .


    أخذت أتأمل والدي مطولاً بمحبة ، أحدق في وجهه الذي وخط الشيب فوديه ، و في شفتيه اللتين تتحركان بكلمات الذكر الحكيم ، و في الهالة الجمالية التي رأيتها تحيط به .


    كان الحب وحده ما يحرك قلبي نحوه ساعتها ، و الجمال يتلألأ على محياه فيبديه ملكاً متوجاً على عرش الحسن و البهاء ، كأن ملائكة السماء تحيطه و تنشر ألقها من حوله .


    بدا جميلاً كما لم أره يوماً ، هادئاً كما لم أره يوماً ، وديعاً كما لم أره يوماً ، شاباً كما لم أره يوماً ، فلبثت أتأمله مستمتعاً بألقه ذاك غير شاعر بالوقت ، و ابتسامة ترتسم على شفتيَّ لم أعتدها حين النظر إليه ، ابتسامة صنعها إحساسي أن كل حواجز الرهبة و الغضب و العنف قد زالت عنه ، و بات محلها حنان و حب و عطف لا تنتهي .


    و فجأة .. و دونما إنذار ، وجدته يبعد المصحف عن نفسه بكل هدوء


    ، و يأخذ في الاستلقاء مسنداً رأسه إلى الأريكة ، ثم يضع يده على موضع قلبه و يلفظ الكلمتين اللتين أسمع صوته يتردد بهما حتى اللحظة في أذنيَّ : يا بنيَّ .. إنني أموت .


    لكم سمعتها منه قبل ذلك ، و لكم رددها بسبب و من دون سبب ، لكنْ هذه المرة رأيت في عينيه ما لم أعهده ، كأن صورة ملك الموت الذي حضر في الغرفة ساعتها قد تجلت فيهما .


    و للحديث بقية .............
    الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

    [align=left]إمام الأدب العربي
    مصطفى صادق الرافعي[/align]

    تعليق

    • شيماءعبدالله
      أديب وكاتب
      • 06-08-2010
      • 7583

      #3
      ماهذا الوصف ماهذا السرد الرائع الصادق
      أقرأ ولم يرف لي جفن

      أتمعن ولم أود المغادرة
      متشوقة دون ملل

      غفر الله لذلك الأب الطيب المبارك
      وهنيئا له ميتة كريمة محفوفة بذكر الرحمن

      وأتابع الإبداع إن شاء الله

      وافر احترامي وتقديري

      تعليق

      • عبد الله راتب نفاخ
        أديب
        • 23-07-2010
        • 1173

        #4
        سلمكم الله أستاذتي ..
        مرور لطيف راقٍِ سعدني ..
        لكم التحايا و المودة
        الأديب هو من كان لأمته و للغتها في مواهب قلمه لقب من ألقاب التاريخ

        [align=left]إمام الأدب العربي
        مصطفى صادق الرافعي[/align]

        تعليق

        • د. محمد أحمد الأسطل
          عضو الملتقى
          • 20-09-2010
          • 3741

          #5
          أخي الأديب الجميل عبد الله راتب نفاخ
          أطيب تحية
          أمتعني هذا القلم الرائع فلك الشكر
          ونتابع لك دوما .. بشغف نحو القادم
          رحم الله والدك وجميع المسلمين
          تقديري وودي وباقة تليق
          كن بخير
          قد أكونُ احتمالاتٍ رطبة
          موقعي على الفيس بوك https://www.facebook.com/doctorastal
          موقع قصيدة النثر العربية https://www.facebook.com/groups/doctorastal/
          Green Moon-مجلة فنون https://www.facebook.com/green.moon.artline

          تعليق

          يعمل...
          X