تكريم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيه أبو غانم
    أديب وكاتب
    • 26-05-2010
    • 94

    تكريم

    تكريم

    إنها السنة الثالثة والثلاثون لي في مأوى العجزة هذا، لقد أحضرني إليه آخر أقربائي بعد أنْ رعاني لسنواتٍ عديدة، ولكن.. فاض به الكيل في نهاية المطاف، ولا ألومه على ذلك، بل أكنُّ له مشاعر الشكر والعرفان، تناوب على رعايتي عدد لا بأس به من أقاربي، فكنتُ أتنقلُ من بيت لآخر، بحسب قدرة كل منهم على تحمل أعبائي، بعضهم وافته المنية، وآخرون ضاقت بهم الحال، المهم أنني تأقلمتُ مع هذا المكان، فهو موجودٌ لأمثالي ممن جارت عليهم الأيام.
    كنتُ فتى يافعا،ً قوي البنية، لم أتجاوز السادسة عشرة من عمري عندما أصابتني شظية، فأقعدتني مشلولا،ً كان ذلك قبل ثمانين عاماً، يومها كنت أحد المشاركين في الثورة ضد المستعمر الغازي، ولولا أنْ حملني صديقي على ظهره.. لكنت قضيتُ في لحظتها، تارة ألومهُ على إنقاذه لي، وأخرى أقول: هذا هو قدرك ونصيبك من الحياة فاقنع به.
    قابلني مدير المأوى في ظهيرة أحد الأيام، وأبلغني بأنه سيتم إقامة حفل تكريمي للمحاربين القدماء.. تقديراً لجهودهم في التحرير، أين كانوا كل هذه السنين الطويلة؟!.. أما كان الأولى بهم أن يلتفتوا إلي بعد أن أمسيتُ عاجزاً ليقوني شر الفاقة والعوز، ماذا سأصنع بوسام نحاسي؟.. هل أعلقه على الكرسي المدولب الذي أجلس عليه؟!.
    أخذوني في الموعد المحدد إلى مكان الاحتفال: كانت قاعة كبيرة تغص بكبار الشخصيات ومئات المشاركين من العامة.
    بدأ الحفلُ بكلمة الافتتاح والترحيب بالحضور الكريم والتعريف بالثورة وما قام به الثوار من بطولات ومآثر لطرد المستعمر من البلاد، وذُكر اسمي ونُوه بأنني آخر من بقي على قيد الحياة من المحاربين القدماء، طُلب مني التوجه إلى المنصة الرئيسية لتقليدي وسام التكريم الوحيد، كنتُ أدفع بالكرسي متجاوزاً الصف تلو الآخر عندما حدث ذلك.. أدى خلل في التوصيلات الكهربائية إلى اشتعال النيران في السقف المستعار للقاعة، والذي يكتظ بمئات المصابيح، فامتدت النار بسرعة البرق وانتشرت في مساحات كبيرة من السقف، وتابعت لتصل إلى الستائر التي تلف جوانب القاعة، وبدأت قطع من السقف المشتعل تتساقط لتضرم النار بالمقاعد المخملية، وعبق المكان بدخان أسود كثيف يقطع الأنفاس، ويعمي الأبصار: عمّت الفوضى المكان، ودبَّ الذعر والخوف بين الحاضرين.
    امتلأت القاعة بالصراخ والضجيج، وتسابقت الأقدام تجاه المنفذ الوحيد للخروج من القاعة، جُنت الوجوه، وتوحشت معالمها، لا شيء سوى نظرات الرعب والخوف المطلق، الكلّ يتدافع وينشد النجاة من النار والموت.
    تعالت آهات الألم مع تمكن النيران من الأجساد، فانصهرت العقول مع ازدياد سعيرها.. وطغت رائحة اللحم المحترق على رائحة الدخان، شعرتُ بالكرسي الذي أجلسُ عليه يتحرك، فالتفت لأرى من هو الشهم الشجاع الذي يحاول أن ينقذ هذا العجوز المُقعد..ولكنهُ مرَّ بجانبي بعد أن أفسح لنفسه المجال، وأزاح الكرسي الذي يعترضُ طريقه، رأيتُ نوراً فوق الرؤوس المتدافعة، كان يشع من باب الخروج الوحيد الضيق، الذي لا يتسع لأكثر من اثنين فقط، وسط هذا التسابق نحو الحياة، كان كرسيي يتابعُ التحرك في خضم التدافع العنيف، فكان النور يقترب رويداً رويداً.. حتى أني أحسستُ دفء الحياة بضوئه.. وأنا الذي قاربت المئة، فلا لوم على من هم في مقتبل العمر وريعان الشباب، لم يتبقَّ لي سوى أمتار قليلة للوصول إلى باب النجاة.. عندما انقلب الكرسي الذي كان يسبح وسط موج هادر من النفوس الخائفة، وارتطم رأسي بالأرض بقوة لم يتسنَّ لي تفاديها، أحسستُ بثقل الأقدام عليَّ تفعل ما عجز عنهُ المحتل الغاصب أيام الثورة، رأيت وجوهاً بمستوى هامتي التي التصقت بالأرض: رأيتُ في نظراتهم المرتعبة الخوف والحيرة من سؤال لا يأتي جوابه "هل يحدث هذا فعلاً" ؟.
    رأيت النور يتوهج، والباب يتّسع، وشعرتُ بمروري من خلاله إلى الفضاء الفسيح، وتنشقتُ هواءً لم أستمتع به من قبل.. كما اللحظة، تراءت لي وجوه أخوة السلاح الذين حاربوا معي يبتسمون ويستبشرون بآخر الواصلين.
    نعم لقد تخطيتُ ذلك الباب وخرجت.. لكن جسدي بقي هناك!.

    ****************
    تمت
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    وتم تكريمه فعلا بدهسه,
    وهكذا النفس الإنسانية الضعيفة,
    في ساعة الخطر يا روح ما بعدك روح.
    يسلموا الأيادي اخي,
    ولكن عندي سؤال .لماذا اصبحت قصصنا كلها حزينة,
    يمكن هذا انعكاس لواقعنا المرير.
    لك تقديري.
    تحياتي.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • نبيه أبو غانم
      أديب وكاتب
      • 26-05-2010
      • 94

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
      وتم تكريمه فعلا بدهسه,
      وهكذا النفس الإنسانية الضعيفة,
      في ساعة الخطر يا روح ما بعدك روح.
      يسلموا الأيادي اخي,
      ولكن عندي سؤال .لماذا اصبحت قصصنا كلها حزينة,
      يمكن هذا انعكاس لواقعنا المرير.
      لك تقديري.
      تحياتي.
      الأخت الكريمة ريما ريماوي
      ممكن أن يكون هذا انعكاس للواقع القاتم
      مع التنويه أن الأمل والفسحة للفرح والابتسام
      موجودة دائماً.. فما أصعب الحياة لولا فسحة الأمل
      أشكر لك وجودك ودمت بخير
      لك مني التحية

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        رأيت النور يتوهج، والباب يتّسع، وشعرتُ بمروري من خلاله إلى الفضاء الفسيح، وتنشقتُ هواءً لم أستمتع به من قبل.. كما اللحظة، تراءت لي وجوه أخوة السلاح الذين حاربوا معي يبتسمون ويستبشرون بآخر الواصلين.
        نعم لقد تخطيتُ ذلك الباب وخرجت.. لكن جسدي بقي هناك!.

        هذا هو التكريم الحقيقيّ
        بعد حياة تشظّتْ في قلبه نسياناً ، وتهميشاً
        رائع توصيفك لمجريات الأمور ..وإمساكك بخيوط النصّ حتى السطر الأخير ..
        نبيه : كنت رائعاً كعادتك أديبنا الغالي ..
        ومع أطيب أمنياتي ..تحيّاتي

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • نبيه أبو غانم
          أديب وكاتب
          • 26-05-2010
          • 94

          #5
          الرائعة إيمان :
          دائماً بحضورك يكتمل النص فأنت تضفين عليه الروح
          شكراً لحضورك الدائم بوركت
          باقة زهر عبر الأثير لروحك النبيلة

          تعليق

          يعمل...
          X