بلا جذور
تسلّلت إلى إحدى عربات نقل البضائع . انطلق القطار دون أن تعرف له وجهة . قد تتساوى كلّ الاتّجاهات مادامت تبتعد عن السّجن . وما دام ليس لديها ما يشدّها إلى أيّ منها .شعرت بقشعريرة تسري في جسدها فانطوت تحتضن نفسها . غافلها النّعاس فنامت . ولمّا صحت وقع نظرها على شيء أخضر يشوب اصفرار الأكياس التي تقبع فوقها . دقّقت النّظر، وإذا هو غصن أخضر صغير ملفوف في ورقة مصفرّة . تناولت الورقة وفتحتها ، فتناثر التّراب على ثيابها . إنّها شجيرة صغيرة وُضعت جذورها في بعض التّراب النّديّ كي لا تموت .
ـ يمكن أن تصير شجرة لو وجدت أرضا طيّبة ويدا رحيمة .
هكذا حدّثت نفسها وهي تحكم لفّ الورقة ، حتى لا تفقد الجذور رطوبتها ، وقد زاغ نظرها :
ـ كلانا يبحث عن أرض طيّبة ، تمنحه الأمل في الحياة .
قطع تفكيرها وقع أقدام يقترب منها . اهتزّ قلبها وشلّ الخوف حيلتها .
ـ أهو شرطيّ يلاحقها... ؟ أم هو شخص آخر ...؟ في الحالتين لا يخلو الأمر من تعقيد .
تحاملت على ضعفها ورعشة الخوف التي تفقدها السيطرة على جسدها . وفتحت باب العربة وألقت بنفسها خارجا .
لمّا فتحت عينيها ، أجالت النّظر من حولها . إنها في خيمة ، وبجانبها عجوز لا تعرفها .
ـ من أنت ؟ كيف وصلتُ إلى هنا ؟؟؟
قابلت العجوز سؤالها بابتسامة فاترة ونظرة مبهمة ضاعفت من حيرتها . أعادت عليها الأسئلة ، فلم تظفر بأكثر من ذات الابتسامة . شعرت العجوز بحيرتها فأفهمتها بالإيماء أنّها خرساء صمّاء . وامتدّت إليها يدها بتلك الشّجيرة ، فذكّرتها بالعربة ووقع الأقدام .
تحاملت على تعبها وضعفها وألمها الذي غزا مواقع مختلفة من جسدها. وخرجت من الخيمة وهي تعرج . أجالت النّظر من حولها فما شاهدت غير كثبان متّكئة بعضها على بعض ، فوق صحراء ممتدّة لا زرع فيها ولا نبات ولا طير، إنّها خالية تماما إلاّ من شجرة عظيمة منصوبة كمظلّة على مقربة من الخيمة .
أنستها الدّهشة والوحشة أوجاعها فجرت نحو الشّجرة وطافت بها مستطلعة . نظرت إليها من جميع الزّوايا فما وجدت فيها من ثمر ولا طير، حاولت تسلّقها لكنّها لم تستطع إذ كان جذعها أملس لم تجد فيه ما تتمسّك به كما أنّ أغصانها شديدة العلوّ .
جرت في كلًّ الاتًّجاهات فما ابتعدت عن الخيمة إنّها تتحرّك ولا تتنقّل .
توجّس قلبها خوفا و ريبة . صرخت بأعلى صوتها و ما من مجيب ، ولا حتًّى ارتداد صدى صوتها . جرت ، وجرت من جديد إلى أن هدّ الإعياء و اليأس حركتها ، فارتمت على الرّمل تتحسّسه بين أصابعها . إنّها لا تصدّق ما هي فيه . أغمضت عينيها ، فتحتهما ، عضّت إصبعها. تمنّت لو أن ما تراه ليس إلا أضغاث أحلام . غير أنّ ألم العضّة يؤكّد أنّ ما تراه حقيقة . أو ... ربّما وهما تعيشه بكلّ حواسّها .
عادت إلى الأيكة تطوف بها من جديد ، تستجديها تبديدا لهذا السّراب ، لهذا الخوف والشّكّ . لمّا رأتها لا تزيد بعظمتها وامتدادها في السّماء وتشابك أغصانها إلاّ تعقيدا وغرابة وغموضا تراجعت إلى الخيمة حيث تقبع العجوز ترقبها في صمت قاتل بغيض ، غير آبهة بما يجري حولها .
لمّا بلغتها جثمت على ركبتيها تتأمّل وجهها تستجلي ملامحها تغوص عميقا في عينيها الغائرتين وسط التّجاعيد في صمت متقع . طفقت تتابع تجاعيد وجهها المتاهة الممتدّة ككثبان هذه الصّحراء الموحشة بأطراف أناملها كأنّها تحاول فكّ رموز تعرّجاتها . وإذا شفتا العجوز تهتزّان وأصابع يديها تطبقان على كتفيها كأنّها تهمّ بالنّطق . ظلّت كذلك حينا تتابع اهتزاز شفتيها في شغف لكنّ امتداد الشّفتين في ابتسامة عريضة صدمها لكنّه أيضا بعث شيئا من السّكينة في قلبها. وقفت العجوز و أوقفتها وقادتها إلى الفراش حيث أجلستها وربّتت على رأسها تهدّئها . وانصرفت إلى صندوق كبير في الرّكن الأيمن من الخيمة ، نقوشه عتيقة وألوانه باهتة . إنّه والفراش الذي تجلس عليه كلّ أثاث الخيمة .
فتحت العجوز الصّندوق بمفتاح صدئ مربوط إلى عنقها فأحدث فتحه ثمّ إغلاقه صريرا لذيذا في أذنيها . إنّه أوّل صوت تسمعه منذ أفاقت من الغيبوبة ودّت لو أنّ العجوز تظلّ تفتحه وتغلقه فيمزّق ضجيجه صمت هذه الأرض المصراد .
امتدّت إليها يدا العجوز برغيف وحفنة تمر . تمنّت لو تسألها عن مصدر هذا الخبز والتّمر غير أنّ يقينها بأن لا إجابة قد تصدر عن هذه العجوز المبتسمة الصّمّاء البكماء أثناها . ربّتت العجوز على كتفها وهي تناولها الرّغيف بعد أن صبّت التّمر في حجرها . ثمّ انصرفت فسوّت مكانا على الرّمل ، في الرّكن الآخر من الخيمة قرب الصّندوق ونامت .
عند الفجر ، سمعت الفتاة صوت نحيب وتمتمات أقرب إلى الطّلاسم . تجمّد لها جسدها خوفا . فأحكمت إغلاق عينيها وأذنيها .
وبقيت كذلك حينا حتّى تغلّبت على خوفها وزحفت على مرقد العجوز تتلمّسه وإذا هو خال وبارد . تضاعف خوفها فانطوت دون حراك والتصقت بالصّندوق وبقيت كذلك حتّى طلع الصّباح . فسكت النّحيب وتلاشت مع الظّلمة التّمتمات . ثمّ عادت العجوز ومعها جرّة و صرّة .
تنفّست الفتاة الصّعداء وهي ترى العجوز قبالتها تثبّت الجرّة في الرّمل ثمّ تتربّع أمامها وتفتح صرّتها وتمدّ لها رغيف خبز وحفنة تمر . بقيت يدا العجوز ممدودتين بينما اكتفت الفتاة بالنّظر مليّا في عينيها . إلى أن أحالتها ابتسامة العجوز إلى يديها الممدودتين في اهتزاز ملحّ .
بقيت العجوز في مكانها تلوك قطع الخبز بعد أن تفكّكها بأصابعها تسهّل المضغ بلا أسنان . بينما صبّت الفتاة خبزها وتمرها في حجرها وبقيت تتابع حركات العجوز المنكبّة على طعامها . إنّها تحسدها على هذه الشّهيّة وهذا الصّبر وتلك الابتسامة . أمّا هي فقد أفقدها خوفها ويأسها الشّهيّة للطعام وحتّى للحياة . أنهت العجوز طعامها بتأنّ ثمّ ربطت الصّرّة بعناية ومضت لتحفظها في الصّندوق بعد أن أخرجت منه كتابا انكبّت عليه تتصفّحه . اتّسعت حدقتا الفتاة وهي تحاول أن تتبيّن نوع هذا الكتاب و تتساءل إن كانت هذه العجوز تقرؤه فعلا أم أنّها تمسكه مقلوبا ترمي به حصوة في عين الضّجر .
مرّ زمن طويل لم تحصه ، مشبعا بالضّجر ، والصّمت ، والغموض . حتّى أنّ الفتاة أخذت تكلّم نفسها تترجم بعض تخميناتها كلاما تختبر قدرتها على النّطق وتنال من الصّمت المهيمن على المكان .
ـ ألا تملّ هذه العجوز الصّمت ؟ ألا يضجرها نهار هذه الصّحراء الطّويل الثّقيل ؟ ألا تملّ أبدا تتصفّح هذا الكتاب المصفرّ ؟ وإن كانت حقّا تقرأه ألا ينتهي أبدا ؟.... لماذا أومأت نفيا وقطّبت جبينها عندما طلبت منها أن تعيرني إياه ؟... بل ودفعتني في عنف مرّغني في الرّمل وانصرفت غاضبة وقبعت بعيدا عنّي خارج الخيمة لتعيد فتحه ... لماذا هذا التّحفّظ المبالغ فيه على الكتاب ؟ ... أهو كتاب سحر وشعوذة ؟ أتكون ساحرة وقد أحضرتني عنوة إلى هذا المكان الغريب تختبر قدراتها فتمسخني قردا أو حمارا أو ضفدعة كما في الأساطير ؟ ...
ـ لكن ملامحها هادئة مطمئنة على عكس بعض تصرّفاتها .
هكذا حدّثت نفسها وهي تعيد استقراء ملامح العجوز المنكبّة على كتابها .
عند الفجر ، سمعت تمتمات العجوز التي لم تعد تفزعها ولا تغضبها ولا تفرحها . حتّى أنّها في مرّات كثيرة لم تعد توقظها . رفعت رأسها وقد كشف ضوء الهلال الخافت طيف العجوز يطوف بالشّجرة وهي ترفع يديها إلى السّماء تتمتم في نحيب كعادتها . إنّها تتابع حركاتها لأوّل مرّة وهي تطوف وقتا ثمّ تعفّر وجهها ويديها بالرّمل . ثمّ تطوف سبعا لتعفّر وجهها ويديها من جديد إلى أن طلع الصّباح فبدّد النّور خلوتها ومزّقت خيوط الضّوء تمتماتها المبهمة . فعادت أدراجها تحمل صرّتها وجرّتها ككلّ يوم . فافتعلت الفتاة النّوم .
استمرّ الوضع على تلك الوتيرة أيّاما أخرى . حاولت أثناءها الفتاة أن تأخذ الكتاب في غفلة من العجوز ، أو تسترق النّظر إليه علّها تجد في طيّاته ما يمكن أن يبدّد هذا الصّمت الذي ابتلعها أو يزيل هذا السّحر الذي يحيط بها .
لمّا اكتمل القمر ذات ليلة ، ولمّا تأكّدت من نوم العجوز . أخذت الفتاة سكّينا كانت قد تزوّدت بها في رحلتها بين ثنايا ثيابها ، خوفا وتحسّبا واتجهت نحو الأيكة .
ـ لابدّ أن أقلع جذور هذه الشّجرة فالسّرّ لابدّ كامن فيها ... علّ قلعها يبدّد تلال السّراب من حولي . أو يحدث زلزالا أو طوفانا . وينهي هذه المهزلة بأيّ طريقة ...
"... وإن لم يحدث شيء ؟؟؟ " تساءلت وهي تجثو عند جذع الشّجرة . " أغرس مكانها تلك الشّجيرة علّها تكون أكثر نفعا من هذه الشّجرة العديمة الفائدة . "
هكذا حدّثت نفسها بصوت خافت ، وهي تبدأ الحفر و مع قطع أوّل أصل للشّجرة سمعت للعجوز أنينا أثناها .
ـ ما للعجوز تئنّ ؟... أتكون قد تفطّنت لصنيعي بشجرتها المقدّسة ؟
اتجهت نحو الخيمة ، وهي تعيد السّكين إلى ثنايا ثيابها . لمّا تفقّدت العجوز وجدتها هامدة فرجّحت أنّها كانت تحلم . و عادت إلى الأيكة تستأنف الحفر . تجرف بيديها التّراب تضعه جانبا وتقطع ما ظهر من الجذور بالسّكّين . كانت كلّما أوغلت في الحفر وقطعت أصلا ، سمعت للعجوز أنينا . تعبت في تلك اللّيلة، فأعادت الرّمل تستر به قطع الأصول عن العجوز قبل أن تعود إلى الخيمة لتسوّي مكانها وتنام .
عند الفجر ، أفاقت على نحيب العجوز . الذي بدا هذه المرّة قريبا جدّا . زحفت إليها وقد تيقّنت أنّها في مكانها لم تبرحه . مسّت رأسها فوجدته مشتعلا نارا . جسّت نبضها فكان ضعيفا . هزّتها من كتفيها ، تحاول إيقاظها فما ردّت فعلا . حيّرها تقلّب صحّتها بهذه الصّورة المفاجئة ، ولم تك تشكو من علّة ظاهرة .
ـ هل تُحتضر ؟
ـ ماذا لو ماتت ؟ ماذا لو تركتني وحيدة في هذا المكان المقفر، الغامض بلا زاد ولا ماء ؟...
ـ لكن ، من يدري ؟ ربّما يزول بموتها هذا السّحر والغموض ...على كلّ حال لن تتمنّى الموت للعجوز . مادامت لا تضمن نتائجه ... كما أنها لن تستطيع منعه لو قُدّر .
وضعت بعض الكمّادات الباردة على جبين العجوز الملتهب من شدّة الحرارة . لازمتها لساعات طويلة ، وخرجت أصيلا لمّا انخفضت الحرارة على جبين العجوز ، وفي الصّحراء من حولها .
نظرت إلى الشّجرة وقد عاودتها رغبة اقتلاعها . فكّرت قليلا وهي تعضّ شفتها السّفلى تردّدا ، ثمّ قرّرت ألاّ تفوّت على نفسها فرصة غيبوبة العجوز .
تواصل عملها أيّاما وليال لا تحصيها . كانت كلّما تقدّمت شوطا ، اشتدّ المرض على العجوز . حتّى أنّ الكمّادات التي كانت تخفض من حرارة رأسها فقدت مفعولها . لمّا أنهت قطع آخر جذر ، دوّت صرخة عظيمة في سماء تلك الصّحراء . وتهاوت الأيكة كصرح ضخم . تزلزلت لاصطدامها بالأرض الرّمال تحت قدمي الفتاة حتّى كادت تبتلعها .
تراجعت لهول الصّرخة وزلزلة الاصطدام ، إلى الخيمة حيث تتمدّد العجوز ، وارتمت عليها تحتمي بها . لم تشعر بأنفاسها ، ولا بنبضات قلبها التي كانت أيّام المرض تسمعها عن بعد . هزّتها من كتفيها ، احتضنتها . وإذا جسدها بارد كقطعة ثلج .
ـ إنّها ميتة !!!
عادت إلى موقع الشّجرة ، فما وجدت غير الحفرة العميقة ، وكدس الرّمال . أجالت النّظر من حولها وإذا الضّباب يطبق على المكان أكثر فأكثر .
تذكّرت الكتاب فأسرعت إلى العجوز تقطع الخيط الذي يشدّ المفتاح إلى عنقها . فتحت الصّندوق فوجدته فارغا. أسرعت إلى الجثّة تقلّبها ، تبحث عن الكتاب تحتها وبين ثنايا ثيابها . فما وجدت له من أثر.عادت إلى فراشها تقلبه أيضا ، فسقطت من ثناياه الشّجيرة . أخذتها ويداها ترتعشان . خرجت وارتمت قرب كدس الرّمال تدفعه بكلتا يديها . تملأ به الحفرة الكبيرة . و لمّا سوت المكان أعدّت حفرة صغيرة للنّبتة الجديدة . أزالت الورقة عنها فهالها ما رأت . إنّه مجرّد غصن صغير من الشّجرة العظيمة لكنّه بلا جذور ...
تعليق