الحلزون

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • توفيق بن حنيش
    أديب وكاتب
    • 14-06-2011
    • 490

    الحلزون



    كنت متكوّرا على نفسي ...جسدي الجاف اليابس يبدو باردا كقطعة الصّخر .كعادتي، في كلّ ليلة من ليالي الشّتاء ، أنام على السّرير وأصحو وأنا منكمش كالكرة المثقوبة على الأرضيّة الرّخاميّة المبلّلة ... كنت نصف ميّت وكنت أشعر بغربة قاسية تحدث بداخلي جلبة تصمّ آذان البعوض الذي يشبهني .حاولت إدخال يدي في جوفي لأسكت هذه الضجّة المقيتة ولكنّ جسدي زاد تكوّرا وحال دون بلوغ يدي مرماها .ازداد وقع الغربة على جسدي وشعرت بالوحش يعود ثانية ...تحاملت على نفسي وقمت . أجهدت نفسي في البحث عن الحذاء ولكنّي لم أعثر عليه وأعاقتني الضوضاء عن مواصلة البحث في الغرف الأخرى ... قلت في سرّي قد لا أجده في الدّار وقد لا أجده في الخارج ويكفيني أنّي وجدت السّروال والقميص ... لا يهمّ أن أسير حافيا فقد تعوّد النّاس على رؤيتي كذلك ... الوقت لا يكفي لتسريح شعري وغسل أطرافي فقد يملّ الجمهور الانتظار فيهجر المكان قبل وصولي ... إنّهم متعطّشون لسماع آخر أحلام الليل ... قال لي بعضهم في مناسبات عديدة "لقد تحقق الحلم الذي رويته لنا البارحة ".وقد يقترب منّي أحدهم ليقول لي "إنّي أرى عين ما تراه أنت فما تفسيرك لذلك ؟"ولكنّ الكلام يضيع في حلقي فأهمهم أبتسم وأتشاغل عن الردّ ثمّ أغادر المكان متجاهلا لسع البرد وتجمّد قدميّ ... قد أبطئ... ركضت حافيا على الأرصفة المبلّلة ... دست حلازين صغيرة وضفادع لزجة وباردة ... تلطّخت قدماي بالدّم ... تسلّقتني رغبة غريبة في القيء ولكنّي واصلت أركض .كان قدرا أن أركع لضحاياي وأن أعود للرّكض ... دخلت المجلس لاهثا ... وقع بصري على صورة الوحش المعلّقة على الجدار الخرب فغامت عيناي من الخوف واستدرت ناحية الباب فرأيته يسدّ عليّ الباب ويسدّ كلّ منافذ الهرب ... لا حيلة لي غير الطّاعة ... أمرني بالجلوس فامتثلت أمره وجلس قبالتي وجعل يخرج لسانه الأحمر ويقرّبه من أنفي ... أمرني بتقبيله ففعلت كارها ... لان بعض اللين وتنحّى عن قدميّ ثمّ أمرني بالشّروع في سرد أحلام الليلة الماضية على الحضور .كانت قدماي أشبه بسكّين مقطوع وقد غرز في جيفة .كنت أحسّ بآلام حادة تخترقني من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ أحسست برغبة في الصّياح ولكنّ الألم أسكتني وأقعدني عن الحركة ...التفتّ إلى الجدار الذي هو ورائي فلم أجد صورة الوحش وأحسست أنّ يدا تجوس خلالي ... كانت الحيطان البرنزيّة تنزّ عرقا والحاضرون تحوّلوا في لمح البصر إلى كائنات ورقية باهتة وتحوّلت تفاصيل الوجود إلى خطوط ملوّنة خطّت بأقلام لبدية قد جفّ حبرها ... ما أروع أن أبثّ حلمي في كائنات ورقيّة رقيقة حسّاسة ،تذهب مع الرّيح إذا صفّرت ... تدلّت رجلاي وارتفع كمّا سروالي عن كعبيّ فكان العري قاسيا وعذبا ... قلت وأنا أنظر إلى أصابعي الزرقاء المنتفخة :" رأيت البارحة في منامي ..."فصاحت الكائنات الورقيّة بصوت واحد "ونحن كذلك نمنا وحلمنا ..ايه " ثمّ صمتت كما لو أنّها لم تنبس بكلمة .فأطرقت حينا ثمّ عدت إلى حكايتي "البارحة رأيت أناسا غرباء يأتون في أثواب ممزّقة متقلّدين سيوفا ويحثّون الخطى نحو القرية حتّى إذا وصلوا ...." وارتفعت أصوات الكائنات الورقيّة في صوت واحد "وصلوا إلى السّاحة العموميّة فتحلّقوا وشهروا سيوفهم ثمّ تفرّقوا واتّجهوا فرادى نحو عين الماء التي نستقي منها ..."ثمّ عادت الدّمى إلى الصّمت وعادت تلك الخطوط المرسومة إلى السّكون .قلت وقد داخلني الرّعب وارتجف صوتي وتقعّرت الجمل والأفكار "ولمّا أدركوها وجدوا عفريتا أسود وقد سدّها ونام عند النّبع .فهالهم ما رأوا واضطربت حركتهم وصمتوا خوفا من إثارته واتقاء لهيجانه ... كان عظيما يكسو جلده شعر كثيف يميل إلى الحمرة كان بسبعة رؤوس مرعبة ... لقد سد النبع فاشتدّ الحرّ وجفّت الحلوق ويبست الأشجار في أصولها ...ّ ضحكت الكائنات الورقيّة وسمعت بعضها يقول : يا للرّوعة ... هذا عجيب " وسمعت صوتا اخر يقول "كنت أعرف أنّه بسبعة رؤوس " ونظرت إلى الباب فرأيت الوحش يشير لي بالمواصلة فأطرقت ثمّ عدت إلى حكايتي :"لست أدري من أين جاءوا فظلالهم كانت تروغ ولا تثبت في مكان .ولم تمض ساعة حتّى تقدّم منهم رجل عظيم يحمل قوسا ،دنا من العفريت وصوّب نحو رأس من رؤوسه ..." وما كدت أتمّ الجملة حتى نقر الوحش على الباب فرفعت رأسي ونظرت فإذا به يعيب عليّ هذا التّحريف ويصوّب لي خطئي ففهمت عنه مقصده وهممت بالإصلاح ولكنّ أصوات الكائنات الورقية تعالت في ضجّة وصخب وأصبحت أعنف من ذي قبل ومرجت حتّى أنّي فكّرت في الهروب ولكن أنّى لي ذلك والوحش قد قبع عند الباب وسدّه .نظرت إلى رجليّ الباردتين فرأيت قشرة حلزون آخذة في النّموّ والتّوسّع ... مددت يدي لأنزعها ولكنّها تشبّثت برجلي حتّى خيّل لي أنّها منها فتركتها وعدت إلى تأمّل الحاضرين والوحش ...قلت في نفسي :"لم لا أتنكّر في هيئه حلزون وأفرّ من هذا السّجن ذي الألوان الزّائغة المسبّبة للغثيان ؟صمتّ طويلا وبدأ النّوم يداعب جفون الكائنات الورقيّة وبدأ النعاس والخدر يدبّان إلى رأس الوحش الذي انزلقت جثّته العظيمة برفق على الباب واستقرّت على الأرضيّة في هيئة النّائم في وضع الجلوس . نسيت العفريت ذي الرّؤوس السّبعة واهتممت بقشرة الحلزون التي ما فتئت تكبر وتغزو جسمي ... أحسست بانكماش يغزوني ... أحسست بحقارة تبسط نفوذها على جسدي ... واندلقت في فكري لحظة مشرقة كانت كالنّشوة ، غام بصري وأحسست بعينيّ تصغران وتخرجان من المحجرين ممتدّتين في شكل قرون ليّنة وأحسست بالرّطوبة تغزو شاربيّ وتحولهما إلى لحمتين رخوتين ثمّ هما تحوّلتا إلى قرنين صغيرين أشبه ما يكون بقرني الحلزون ...كنت لزجا كأنّ الشّبق حوّلني إلى رغبة باردة ... حاولت مدّ يدي لألمس رأسي فإذا بها قاصرة عن ذلك ورأيتها تصغر وتصغر... ضاعت أعضائي في جسدي وفجأة أخذت في الزّحف نحو الباب كنت أترك ورائي شريطا من اللّعاب اللّزج .لن يقدر أحد على اللّحاق بي ... ستنزلق الكائنات الورقيّة على هذا الشّريط وسيسقط الوحش إذا ما حاول الجري ورائي ...كنت أسمع الكائنان الورقيّة تغطّ وكان الوحش يشخر بصوت مفزع ...سلكت طريقي بين الأرجل ،كنت أحمل فوق ظهري قوقعتي الهشّة وكنت كلّما لمس قرناي رجل حاضر من الحضور أبعد رجله وحكّها ثمّ عاد للغطيط .قطعت شوطا وأنا أرزح تحت تلك القوقعة التي لا تكاد تحميني من الرّيح ...فكّرت في القيام ببعض التمرينات احتياطا للطارئ .جعلت أدخل رأسي وجسدي في القوقعة وأخرجهما بمهارة حتّى تيقّنت أنّي حلزون ممتاز .نجحت في الأخير في الخروج من غابة الأرجل وما عليّ الآن إلّا أن أجتاز الحاجز الأخير ...ذك الوحش الذي سد الباب رجلاه عظيمتان سأحاول الانزلاق عليهما ...وجعلت أتسلّق سرواله وكنت كلّما أخطأت الطّريق ولمست جلده جعل يضحك ويقهقه هو يدغدغ ثمّ يعود إلى الشّخير إذا انزحت عن جلده ...نجحت في الهرب ...نظرت ورائي فإذا شريط اللّعاب قد قيّد الوحش ... اضطرب شخيره ... همهم ... مدّ يده إلى موضع الألم ... لم أكن قادرا على الجري ... ما أحوجني إلى رجليّ الحافيتين ...ما أحوجني إلى قفزة كما تفعل الضّفادع ،اضطرب شخير الوحش ... فتح عينيه الحمراوين ... رأى الشّريط الذي يقيّده واتّبع الخطّ فرآني ... أدخلت رأسي وجسدي في قوقعتي وتظاهرت بأنّ الأمر لا يعنيني ... طف ...طف ... نزلت يد الوحش عليّ ،حطّمت قوقعتي ... سمعت الكائنات الورقيّة الفرقعة فأفاقت ... وسمعتها تصيح ...:" قتل العفريت الأسود ... قتل العفريت الأسود ... وعادت المياه إلى القرية ." كنت لزجا ، كنت لحما وماء ولعابا ... لا حلّ لي غير الانكماش في الصّباح سأحاول أن أتمطّى سأرغم نفسي على التّثاؤب عساني في الصّباح أجد حذائي
    السّرجة في: /24/052000





  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    قصّة لو استبدلت رموزها المنتقاة بعناية الإخفاء و الفنّ بأصلها لتطابقت مع مرارة ماضينا البائد،أو هكذا أتمنّى،و لقد ابتعد الكاتب كلّ البعد عن رصد الأحداث من وراء عدسة موجّهة إلى ساحة النّاس ،لكاميرا تعمل بمفردها.

    لا حول و لا قوّة للحلزون.لا يؤذي و لا يدفع عن نفسه الشرّ و إن كان يعتقد أنّ قوقعته تحميه.صغير لا يكاد يُرى من فوق.يقف بهشاشته في قلب الطّريق.كما لا يجرؤ الفيل أن يفعل،فهو يُدهس و لا يتعلّم نوعه أن يحاذي الطرقات.غباؤه يَنقصُ الأقوياء،و يتمنّى الجبناء حجمه الصّغير كي يرتدّوا بسلام.
    الرّداءة و الملل و الخوف مستشرية في كامل الجسم الاجتماعيّ الموصوف،
    قوم لا شغل لهم سوى التّرويح عن أنفسهم ممّا علق بهم من لوثة الوحش،بالاستماع إلى أحلام حفظوها عن ظهر قلب،و الوحش يتابع فهو واحد من الحماهير و هو المراقب الذي بيده البطش و العفو،و لا أظنّها هذه الأخيرة إلاّ لمكيدة أفتك من البطش.

    نصّك أستاذ توفيق غابة حديث لا ينتهي.
    سأكتفي بإبداء إعجابي به
    ننتظر أعمالك شغف صديقي.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • توفيق بن حنيش
      أديب وكاتب
      • 14-06-2011
      • 490

      #3
      أستاذ محمد ّإطلالتك على النص أضفت عليه ما كان يطمح إليه من قيمة تبرّر وجوده في "الملتقى" ...كم أسعدني أن أحظى لديك ,أستاذي,بهذه اللفتتة الكريمة ...ثق أنّ هذا سيشحذ عزيمتي أكثر على إسعاد قرائي من رواد هذا الفضاء الخصب بك وبأمثالك ...دمت لي صديقا

      تعليق

      • عبدالمنعم حسن محمود
        أديب وكاتب
        • 30-06-2010
        • 299

        #4
        كيف نكون متسقين مع أحلامنا ؟
        مع ما في دواخلنا ؟
        وفي ذات الوقت:
        كيف ننسجم مع ما هو خارجي ..؟
        هنا بطل غريب !
        مسحوق
        منعزل
        عاجز حتى عن التوافق مع نفسه ..
        الامعان في الوصف الداخلي ذات الصبغة الدائرية
        ولد حالة من التكرار وإن كانت بلغة مختلفة ..
        مما أدي لنوع من التوهان ..
        النص فيه جهد مقدر ناتج من مخيلة خصبة .
        دمت مبدعا
        التواصل الإنساني
        جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


        تعليق

        • توفيق بن حنيش
          أديب وكاتب
          • 14-06-2011
          • 490

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عبدالمنعم حسن محمود مشاهدة المشاركة
          كيف نكون متسقين مع أحلامنا ؟
          مع ما في دواخلنا ؟
          وفي ذات الوقت:
          كيف ننسجم مع ما هو خارجي ..؟
          هنا بطل غريب !
          مسحوق
          منعزل
          عاجز حتى عن التوافق مع نفسه ..
          الامعان في الوصف الداخلي ذات الصبغة الدائرية
          ولد حالة من التكرار وإن كانت بلغة مختلفة ..
          مما أدي لنوع من التوهان ..
          النص فيه جهد مقدر ناتج من مخيلة خصبة .
          دمت مبدعا
          ودمت لنا وللملتقى قارئا يكشف ما يجتهد النصّ في إخفائه تقبّل تحيتي وشكري

          تعليق

          يعمل...
          X