ندوة " مستقبل الثورات العربية " الليلة في الصالون الأدبي ( 2)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صادق حمزة منذر
    الأخطل الأخير
    مدير لجنة التنظيم والإدارة
    • 12-11-2009
    • 2944

    ندوة " مستقبل الثورات العربية " الليلة في الصالون الأدبي ( 2)

    [frame="1 98"]

    الأخوات والأخوة الأفاضل
    الصالون الأدبي ( 2 ) وفي تمام الـ 11 مساء بتوقيت القاهرة
    يدعوكم الليلة الجمعة 24/ 6/ 2011

    للمشاركة الفاعلة في الندوة الحوارية نصف الشهرية

    بعنوان



    " مستقبل الثورات العربية "




    وسنتناول


    أولا

    تحديد الاهداف :

    1- هوية الثوار مابين القومي والاسلامي والوطني
    2- التعاطي مع القوى الاقليمية / ايران وتركيا واسرائيل
    3- كيفية مواجهة التدخل الاجنبي من اوربا وامريكا

    ثانيا

    التوصيات المقترحة للمستقبل من كافة الابعاد :
    السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والنظامية



    مع وحوار الشباب الحضاري والتبادل الراقي لوجهات النظر
    فأهلا ومرحبا بكم

    ولكم كل المودة والتقدير


    [/frame]




  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2

    شكرا زميلي صادق على جهودك
    أتمنى لك التوفيق والتألّق دائما.


    سليمى
    التعديل الأخير تم بواسطة سليمى السرايري; الساعة 24-06-2011, 01:43.
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    • يسري راغب
      أديب وكاتب
      • 22-07-2008
      • 6247

      #3
      اخي العزيز صادق
      تحياتي
      كان السؤال المطروح ولا يزال مطروحا :
      لماذا الثورات العربية الان ؟؟ وماهي أهدافها ؟؟ وكيف تحققها ؟؟
      ثلاثة أسئلة يتحدد معها مستقبل الثورات العربية لان في الوضوح نصف الطريق الى الجنة والعكس صحيح فالغموض سيكون نصيبه نار الفتنة !!!
      هل أهداف الثورات العربية : اسلامية أم قومية أم وطنية ؟؟؟؟
      هل تسعى لتطبيق الشريعة والخلافة ووحدة الامة الاسلامية ؟؟
      أم انها تبحث عن الوحدة العربية أو التضامن العربي بالتنسيق والتكامل ؟؟
      أو هي ذات أهداف وطنية تبحث عن نظام سياسي حر قائم على دستور يكفل الحرية للجميع في الانتخاب والترشيح ويضمن تداول السلطة بحدود زمنية لا يتعداها رئيس مهما كان اسمه ومهما كانت انجازاته فهو محكوم بقترة زمنية لا تتعدى العشرة اعوام وبعدها لا يكون له حق الانتخاب والترشيح وان كان للحزب الذي ينتمي اليه حق ترشيح اسم اخر من اعضاءه ؟؟ وهل هي ثورات ضد الجوع والجهل والمرض الذي يعشعش بين الاغلبية الشعبية ؟؟ ام هي ثورات ضد الفساد المستشري في كل الانظمة العربية وعناوينه التي تشمل : الاختلاسات والرشاوي والمحسوبيات والكسب الغير مشروع ؟
      عناوين رئيسية وفرعية يمكن استقراءها من واقع كل ثورة عربية على حدة ومن منطق كل الثورات العربية مجتمعة ؟؟
      ولذا فانني أميل الى وجود أهداف - أو مبررات وطنية تبحث عن الاصلاح الاقتصادي والنظامي - وهناك أهداف ومبررات قومية واسلامية تبحث عن الدور والمكانة والمثل -
      فأين ظهرت هذه الاهداف بوضوح أكبر وكيف كانت غامضة ولا تزال في مواقع أخرى ؟؟ وهل الغموض حماية لجسم الثورة ؟ أم انه دليل وشاهد على محدودية شعبيتها ؟ فتلغي عنها صفة الثورة التي تعني الاغلبية ؟؟
      اذن لدينا أن نتفق أولا على مفهوم الثورة كثورة والفرق بينها وبين :
      الانتفاضة السلمية - والانتفاضة العسكرية - والاحتجاجات الفئوية والمظاهرات !!
      وبعد الاتفاق على المفهوم ننطلق الى التطبيق في الدول العربية واحدة تلو الاخرى :
      هل كان البوعزيزي جسما أشعل ثورة الشعب في تونس ؟ وهل كان الفيسبوك المصري هو نقطة البداية لثورة مليونية عارمة ؟ وهل الانقسام القبلي والجغرافي في اليمن هو محرك الثورة اليمنية ؟ وهل هناك أسباب واضحة للثورة في سوريا ؟ وما هي المطالب الطائقية في البحرين والعراق ؟ وهل ينطبق ما دار في الساحات العربية على الساحة الفلسطينية في حالة أنها سلطة تحت الاحتلال وهل هذا يعفيها من المحاسبة ؟؟
      وبعد هذا المدخل نسأل :
      ماهو موقف القوى الاقليمية الرئيسة لتركيا وايران واسرائيل ؟
      وماهو دور القوة العالمية الامريكية في انطلاقة ومستقبل هذه الثورات العربية ؟؟
      سوف نحاول الاجابة على كل هذه التساؤلات مع نخبة المحللين والمفكرين في الملتقى لنصل في النهاية الى رؤية تحدد لنا هوية المستقبل العربي بعد الربيع الثوري !!
      ----------
      وتقبلوا تحياتي وننتظركم في حوار العقل والمنطق وليس حوار الطرشان هههه
      مع احترامي وتقديري للجميع

      تعليق

      • يسري راغب
        أديب وكاتب
        • 22-07-2008
        • 6247

        #4
        لدينا أن نتفق أولا على مفهوم الثورة كثورة والفرق بينها وبين :
        الانتفاضة السلمية - والانتفاضة العسكرية - والاحتجاجات الفئوية والمظاهرات !!
        وبعد الاتفاق على المفهوم ننطلق الى التطبيق في الدول العربية واحدة تلو الاخرى :
        هل كان البوعزيزي جسما أشعل ثورة الشعب في تونس ؟ وهل كان الفيسبوك المصري هو نقطة البداية لثورة مليونية عارمة ؟ وهل الانقسام القبلي والجغرافي في اليمن هو محرك الثورة اليمنية ؟ وهل هناك أسباب واضحة للثورة في سوريا ؟ وما هي المطالب الطائقية في البحرين والعراق ؟ وهل ينطبق ما دار في الساحات العربية على الساحة الفلسطينية في حالة أنها سلطة تحت الاحتلال وهل هذا يعفيها من المحاسبة ؟؟
        ------------------
        الثورة هي تغيير كامل يتفق مع مصالح العالبية العظمى من الناس في مكان وزمان محددين / تغيير يشمل النظام السياسي والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والرؤى الثقافية تشارك فيها كل الشرائح الانسانية بنختلف فئات المجتمع ومكوناته
        اذن الثورة شيء مغاير ومختلف يغير النظام السياسي من ملكي الى جمهوري مثلا ومن وراثي الى ديمقراطي ومن كونه نظام دائم الثبات الى نظام دائم التغير
        ويقلب المفاهيم الاجتماعية من الطبقية الى احترام الايدي العاملة ومن هيمنة الفرد على الجماعة الى سيطرة الجماعة على ادوات الانتاج وكل حسب اجتهاده وامكانياته بعيدا عن احساس الغني بالتعالي والفقير بالتدني - علاقات تسودها حرية الاختيار وحرية العمل وحرية الاقامة وحرية التنقل والسفر وربما تكون الحرية مقيدة بنظام اشتراكي وقد تكون حرية ليبرالية غير مقيدة او مرتبطة بهيمنة الدولة المؤمنة بالثورة كأساس للتطور التاريخي وما بين حرية مفتوحة تلتزم امام الدولة بدفع ما عليها من الضرائب
        هذا ببساطه مفهوم الثورة تريد التغيير وتكون ممثلة لرغبات الاغلبية
        هكذا تبدأ نظرتنا الى واقع الثورات العربية
        هل كانت تبحث عن التغيير الشامل - وكيف -؟؟ وهل تمثل الاغلبية ؟؟ وهل تسعى لتقوية البلاد وتمتين وحدتها ؟؟ ام انها ثورة جماهيريتها محدودة واهدافها غير واضحة ؟؟ تلك هي النقطة الارتكاز الاولى في ما يمكن ان نصل اليه من خلال تقييمنا للثورات العربية
        - هل تنطبق مغاهيم الثورة الحقيقية على الساحة المصرية :
        تغيير النظام وبارادة تمثل الاغلبية
        هل تم هذا الهدف في مصر ؟
        واقع الحال يقول ان كل رجال النظام السابق من مبارك الى رئيس تحرير اصغر صحيفة حكومية تم تغييرهم وتحويل كل الفاسدين الى المحاكم ووضع المتهمين في السجون
        اذن ما حدث في مصر تغيير ايدته الاغلبية وتم تنفيذه في اول خطوات الاصلاح التي ينشدها كل شعب ثائر ولكن التغيير فقط لا يصنع الثورة دون الاستمرار في عملية الاصلاح من اجل رفاهية الاغلبية وتلك ما يمكن ان نتوقعه ونأمل حدوثه في مصر بعد الانتخابات المقبلة في سبتمبر المقبل
        هل ينطبق هذا الخط على الثورات العربية الاخرى في ليبيا وتونس واليمن وسوريا والبحرين والعراق وفلسطين ؟؟
        فعلى الرغم ان الشرارة انطلقت من تونس فلا زال الفعل الثوري بطيئا ولم نشعر بالتغيير الواجب للنظام ككل بتحديد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية او بتغيير شامل لكل الوزراء السابقين او باعتقال الفاسدين والمختلسين منهم ولم تتضح في الافق المنظور قوى قيادية لها رؤيتها الكاملة للتطوير والاصلاح لازال هناك غموض يخص المستقبل من كافة القوى والتيارات السياسية التونسية او من القوى الثورية الشبابية
        هنا تكون الثورة في حركة شعبية نجحت في طرد الحاكم الفاسد لكنها لم تكمل الطريق الى التغيير الكامل للنظام - التغيير الشامل - ومن خلال قوى سياسية لها منظورها للاصلاح والتطوير والتغيير الكامل - فهل كانت ثورة في تونس ام كانت حركة شعبية تبحث عن قائد وموجه يأخذ بيد الشعب الثائر الى بداية الطريق للثورة ؟؟
        وفي ليبيا الوضع يزداد غموضا وسط مواجهة عسكرية او حملة حربية تدور فيها معارك بالمدفعية والدبابات والطائرات ويتدخل قوى اجنبية من الخارج لمساندة الطرف الذي يدعي الثورة على الحاكم ومع تسليمنا بأن بقاء أي حاكم كل هذه الفترة الزمنية يعتبر دليل على تعميق الفساد بالتجهيل وبالدخل المحدود رغم الثراء النفطي
        فاذا كان القذافي منتهي الصلاحية فليست قوات اوربا وامريكا البديل !!!
        ولذا فاننا لا يمكننا ان نطلق على ما حدث في ليبيا مغهوم الثورة ربما كانت اقرب الى الانتفاضة المسلحة والتي تمثل جزء من الشعب الليبي وليس كل الشعب الليبي بدليل ان المعارك مستمرة والجماهير هنا وهناك موجودة تؤيد من تناصره ولا تتخلى عن رمزها على الرغم من وجود التدخل الاجنبي فلا زالت المقاومة في الطرف الاخر فاعلة وولازال حولها جماهير تؤيدها
        ------
        في اليمن الحدث مختلف عن مصر وتونس وليبيا
        تلك هي جماليات الثورات العربية لكل منها مميزاتها وصفاتها وانطلاقتها
        في مصر تكاملت كل معاني الثورة بوجود الاغلبية ووجود القيادة والتيارات الفكرية الجاهزة لخوض غمار المعركة السياسية المقبلة لتحقيقي التغيير المنشود
        في تونس كانت الحركة الشعبية تفترب من الثورة ولكن مع غياب القائد والملهم غابت الاهداف والرؤى فتقوقعت الثورة عند حدود المطالب من النظام فانقلبت من كونها ثورة الى كونها حركة شعبية جارفة
        وفي ليبيا كان المخطط فيه ايد خارجية اجنبية لذا جاءت الثورة على شكل انتفاضة مسلحة في نصف ليبيا والنصف الاخر الحاكم لازال يقاوم انتفاضة مسلحة
        اما اليمن فقصة اخرى جمعت بين سمات البدايات للثورة التونسية والثورة المصرية معا لكن النظام الحاكم اخذ سمات الحاكم الليبي في الاصرار على البقاء وعدم الاعتراف بهذهه الثورة العظيمة الارادة والتي تقف بالمليون في الساحات الرئيسية دون كلل او ملل منذ اشهر عديدة تبحث عن حل لا يتجاوب معه النظام الحاكم بما يملكه من قوات مسلحة وانتماءات قبلية
        المهم في المشهد اليمني انه عنيد وانه رغم القبلية يمثل الاغلبية وانه لم يستخدم سلاحا رغم امتلاك الشعب للسلاح من خلال التراث القبلي اليمني في ان يكون لديه ما يحميه ككل القبائل ومع هذا الحشد القبلي لا يمكن ان نتجاهل التيار الاسلامي الذي لم يفصح عن نفسه بشكل واضح تاركا قيادة الامور حتى اللحظة الى عبدالله الاحمر الذي قصف عبدالله صالح منزله فجاء الرد بقذائف اخترقت قصر الصالح واودت به جريحا يعالج الان في السعودية وهو يبتعد او تم ابعاده عن الحكم تاركا تسيير امور الدولة لنظامه الذي لازال يصر هو الاخر على العناد والتحدي وفي الافق لم نجد اي اشارة من امريكا واوربا لرفض سياسة النظام الرافضة للحلول السلمية وتمكين الجماهير الثائرة من اهدافها اضافة الى دعم دول مجلس التعاون للنظام اكثر من دعمها للشعب
        اليمن فيها ثورة حقيقية تقودها زعامة مثقفة جنبا الى جنب مع الزعامة القبلية
        وهناك ايضا الحراك الجنوبي الثائر في عدن الذي ينتظر لحظة الخلاص من عبدالله صالح ليستعيد مكانته في دولة الوحدة والتي حرمه منها عبدالله صالح منذ 17عام او تزيد فهناك اغلبية ثائرة مابين الجنوب والشمال ومابين القبلي والمثقف
        ثورة لا يقف بجانبها عربي او غربي وتجد جحودا من البلدان المجاورة
        ---------
        وماذا عن سوريا
        هل هناك ثورة ام مظاهرات ام حركة شعبية ام انتفاضة ؟؟
        الوضع القائم في سوريا لازال يتحرك ببطء شديد فالمعارضون السياسيون يعيشون بحرية امام نظام يدعون انه قمعي وارهابي والقتلى في الوقت ذاته يتزايدون والدماء تملا الشوارع من محافظة الى اخرى والنظام يقول ان هناك مئات من حنوده قتلوا والمعارضة تقول ان القتلى تجاوزوا الالف قتيل
        نحن اذن امام انتفاضة مسنودة بحركة جماهيرية تبحث عن الاصلاح
        ومابين الانتفاضة والحركة الجماهيرية يقف النظام ليقول انه يمد يده للاصلاحيين رافضا المسلحين ونحن لم نتعرف على هوية واهداف ومطالب المتظاهرين هناك
        -------
        الاهداف تتحدد بدور وشكل وشخصية القيادة لكل الثورة وهي في عالمنا العربي اما ان تكون / التيار الاسلامي - او التيار القومي العربي - او الليبرالي الوطني
        لم يتضح في تونس قيادة وان كانت النخبة هناك لها ميولها القومية والوطنية
        ولم يتضح في اليمن سمات القيادة الملهمة للثوار / قومية ام اسلامية ام وطنية
        في ليبيا واضح ان من يقود هناك الانتفاضة تيار ليبرالي وطني مدعوم خارجيا
        وفي سوريا هناك مطالب طائفية وحركة اسلامية ومساهمة من المعارضة الوطنية الليبرالية المقيمة في الخارج ولازالت اهدافها غير واضحه ومتداخلة مابين الحاجة الى الاصلاح وداغع التفيير
        ---------
        من حقنا كجماهير عربية ان نعرف من سيحكم العالم العربي
        ففي فلسطين سلطة تحتاج لتثوير مراكزها لكي تستوعب مرحلة الثورات العربية وفي العراق المحتل شعب ثائر يعاني من امريكا وحكم عميل لامريكا وتنتظر القيادة الجديدة للثورات العربية
        من سيقود العالم العربي في المستقبل المنظور
        قيادة اسلامية ام عربية ام ليبرالية وطنية ؟؟؟

        تعليق

        • يسري راغب
          أديب وكاتب
          • 22-07-2008
          • 6247

          #5
          الخميس 7 نيسان 2011
          فروض نظرية
          على محك الخبرة الثورية الأخيرة
          في تونس ومصر
          د . محمد عبد الشفيع عيسى
          أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية ، معهد التخطيط القومي ، القاهرة .

          أثبتت الخبرة (الثورية) في تونس ومصر خلال كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2011 خطأ بعض الافتراضات التي سادت حقل التفكير السياسي والاجتماعي العربي خلال السنوات الماضية ، كما أثبتت صحة افتراضات أخرى .
          أولاً: الافتراضات التي ثبت عدم صحتها
          تتمثل الافتراضات التي ثبت عدم صحتها- من وجهة نظرنا- في الأمور الثلاثة الآتية :
          1- الأمر الأول هو افتراض "العجز والاستعصاء الديمقراطي العربي ". فقد سرى مسرى النار في الهشيم ، قول بأن حالة المنطقة العربية تمثل " استثناء " تاريخياً وجغرافياً واضحاً خلال العقدين الأخيرين، من حيث إنها المنطقة (الوحيدة في العالم) التي لم تمسها عجلة التطور الديمقراطي التي عمّت العالم ، بدءاً من أوروبا الشرقية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، حتى أفريقيا جنوب الصحراء. وقد تساءل البعض، في إشفاق شديد: لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟ وبدأ البعض الآخر في إعداد صياغات متقنة لتصوّرات تجريدية حول أسلوب التحول الديمقراطي المرتجى، من قبيل بناء "كتلة تاريخية "... إلخ .
          وكان إصدار التقرير الأول لـ التنمية الإنسانية العربية في العام 2004 حدثاً فاصلاً في محاولة تأكيد ونشر الافتراض السابق، ليس فقط على المستوى العربي، ولكن على المستوى العالمي أيضاً ، إلى درجة أن بوش الابن استخدم- في أعقاب غزو العراق- هذا الافتراض كحجة أساسية في المجادلة بشأن الوضع المتدني نسبياً للمنطقة العربية على الصعيد العالمي، ربما لتبرير الغزو المذكور.
          وانتشر الافتراض المذكور في أوساط المثقفين العرب انتشاراً واسعاً ، إلى درجة بدا معها وكأنه حقيقة واقعة دالة على عجز متأصل في المجتمع العربي، لاستعصائه المزمن على تقبل الديمقراطية (مجهلة هكذا بدون تعريف..!).
          وبلغ الأمر حدّاً بدا معه أيضاً أنه ربما يكمن العجز في الذهنية العربية نفسها، أو البنية العقلية العربية، وربما اشتط البعض فارتأى أن العقدة المستعصية كامنة في نوع من المورثات أو "الجينات " العربية ذاتها. وتبارى الباحثون المعنيون في محاولات ممتدة لإثبات صحة الافتراض المذكور، من خلال أعمال نظرية و" إمبيريقية " موسعة ، اعتماداً في العديد من الأحيان على تمويل جزئي أو في من بعض الجهات ومراكز البحث الغربية .
          وكم حاول البعض- ونحن منه- أن يتصدى للموجة العاتية، بالقول إن ما يبدو على السطح العربي عجزاً واستعصاء ، ما هو إلا "ظاهرة" مجتمعية- تاريخية ، لها أسبابها المحددة، ولها نتائجها، وكما نشأت فإنها معرضة للزوال بمجرد زوال الأسباب. وقلنا إن العجز والاستعصاء الظاهرين يقابلهما نشاط حركي عميق في قلب البوتقة المجتمعية العربية ، من خلال حراك دائب لا يريم، ممثلاً في تحركات اجتماعية واحتجاجية لا تنقطع، وخاصة في مصر. وقلنا إن المجتمع العربي يغلي حيوية في كل جانب منه ، وإن ذلك هو "المعادل الموضوعي " لما يبدو سكوناً أو جموداً على السطح .
          ولكن الخبرة التونسية ، والمصرية من بعدها ، مضتا بما قلناه بعيداً جداً ، وأثبتتا أن نيراناً قوية كانت كامنة تحت الرماد، وأن الحيوية ذات الطابع الدينامي الفائق كانت تعتمل تحت السطح بأقوى وأعمق مما كنا نتصوره، ومما كان يمكن تخيله بأي حال .
          فقد ارتفعت "التجربة الثورية " في تونس ومصر إلى الأوج ، مؤكدة عدم صحة افتراض العجز المتأصل، والاستعصاء المزمن، في الحالة العربية ، في مواجهة ما يسمى "التحول الديمقراطي " أو "الانتقال إلى الديمقراطية "، وأن ما حاولت أن تشيعه مراكز البحث الغربية والعربية معاً بشأن "الاستثناء العربي " ليس صحيحاً على إطلاقه، وأن التحول الديمقراطي والاجتماعي الشامل ممكن عربياً ، في حال توفر الظروف المهيئة له ، وأنه قابل للنجاح، في حال توفر الشروط .
          3- الأمر الثاني الذي ثبت معه عدم صحة الافتراضات السائدة هو وزن ودور الطبقة الوسطى في المجتمع العربي ؛ فلطالما انتشر القول باندثار الطبقة الوسطى تحت وطأة التفاوت المجتمعي بين أقلية ثرية وأغلبية محرومة. وقد سرى هذا القول أيضاً مسرى النار في الهشيم، وبدا وكأنه مسلّمة يصعب تحدّيها علمياً وعملياً .
          وحاول البعض- ونحن منه- أن يقول إن الطبقة الوسطى لم تندثر أو تنقرض، وانما - على العكس تماماً - تعاظم شأنها، وغلظ قوامها، وامتد وجودها الأفقي وعمقها الرأسي إلى مدى غير مسبوق في المجتمع العربي خصوصاً ، وكافة مجتمعات " العالم الثالث السابق " عموماً .
          وقلنا أيضاً إن الذي انقرض أو اندثر ليس الطبقة الوسطى في عمومها، وإنما تلك الطبقة الوسطى "القديمة" من الأصول "النبيلة"، ومن "ذوي الياقات البيض "، من أصلاب "الأفندية" الأصلاء، ومن أبناء البرجوازية. وفي مواجهة هذه الواقعة التاريخية ، نجم واقع جديد في خضم انبثاق طبقة وسطى جديدة ، من أبناء الأرياف و" ذوي الياقات الزرق "، الذين تلقوا أقساطاً متفاوتة من التعليم، وتدرّجوا على مراقي الحراك الاجتماعي بأشكال مختلفة ، وزحفوا من القرى النائية والبوادي القصية ، البعيدة عن المركز المديني التقليدي- المتروبول، وعملوا في أي نشاط وجدوه، وسكنوا في أي ركن أتيح لهم، مما سمي في ما بعد "الأحياء القصديرية" أو "الأحياء العشوائية" أو "السكن الفوضوي ".. وهذه الطبقة الوسطى الجديدة اشتغلت في جهاز الدولة (الخدمة المدنية)، وتغلغلت في النسيج الاقتصادي المتحوّل حضرياً ، وأصبحت عماد المجتمع الجديد. ولكن ذلك لا ينفي الوجه الآخر من الحقيقة، ماثلاً في تعمّق التفاوت الاجتماعي الذي شخصته الحالة الثورية التونسية الأخيرة ، في التفاوت بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية ، فهو تفاوت طبقي و"جهوي " في آن معاً ، كما قالوا ويقولون .
          وقد جاءت الخبرة التونسية لتثبت خطأ افتراض اندثار الطبقة الوسطى، بعد أن زحفت جحافلها باتجاه "المركز"، بوصفها "قابلة الثورة"، كما قال لينين، وبوصفها الحامل القيادي لشعلتها، ومعها جنباً إلى جنب "الفقراء فقراً مدقعاً "، و" المهمشون "، و" المنبوذون اجتماعياً " ، الذين تم إقصاؤهم بفعل تمركز الثروة والسلطة إلى أبعد الآماد والآفاق في تونس .
          أما خبرة ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 في مصر، فإنها تشير إلى الدور الإيجابي المحوري لشريحة اجتماعية محددة بالذات من الطبقة الوسطى، في غمار الانتفاضة الشعبية ذات الطابع الديمقراطي والتحرري، هي " شباب الخريجين " من أبناء الطبقة المتوسطة، بينما اتسم موقف شريحة أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة المدينية ، من التجار والحرفيين والمهنيين، بالتذبذب الشديد، مع ميل إلى التخلي عن حركة الثورة عند المنعطفات الخطرة . ويأتي هذا الموقف، انطلاقاً من الحفاظ على موقع هذه الشريحة الاجتماعي المستفيد من حالة " الفساد المعمّم " في مصر من خلال تعظيم "عوائد الملكية" للتجار، وريع الندرة للحرفيين والمهنيين ومن إليهم، في إطار فوضى الأسواق التي تمكنهم من تعويض آثار ارتفاع معدل التضخم على حساب الشرائح الاجتماعية المتوسطة من العاملين الذهنيين كاسبي الأجور، ومن المتعطلين من خريجي التعليم العالي بالذات وعائلاتهم النووية والممتدة .
          3- الأمر الثالث التي ثبت معه عدم صحة الافتراضات السائدة، ولو نسبياً أو جزئياً ، هو انزواء دور القوات المسلحة في العملية السياسية . وبالفعل ، فقد جهدت الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية طوال العشريات الثلاثة الأخيرة (السود) من أجل كسب القوات المسلحة إلى صفها، أو على الأقل تحييدها، من خلال نزع الطابع السياسي عنها ، ومحاولة السيطرة المباشرة عليها، تنظيمياً وثقافياً ، والعمل على إفراغها كلياً من أية قابلية للانضمام إلى صفوف الثورة الشعبية إذا قدّر لها القيام في يوم ما. والى جانب هذه " المهمة " ، قامت الأنظمة الحاكمة بمهمة مقابلة متمثلة في إضفاء الطابع الأمني الشامل على حركة المجتمع والحياة السياسية، اتساقاً مع جعل الهدف الأساسي للأنظمة تلك هو الحفاظ على أمنها العضوي ، واستتباب قبضتها، إلى أطول مدى زمني ممكن، بل و" إلى الأبد..! إن أمكن" ، سعياً إلى تداول السلطة بين الأيدي ذاتها، ولو في الإطار العائلي .
          وتفريعآ على الحجة القائلة بانزواء الدور السياسي للقوات المسلحة ، قدم البعض حجة مساندة قوامها تصاعد دور "أجهزة الأمن "، إلى حد حلولها محل الجيوش في معادلة حفظ أمن النظم الحاكمة خلال الحقبة الأخيرة .
          بيد أن الخبرتين التونسية والمصرية قدمتا تصحيحاً مهماً على صياغة الحجة الرئيسية، والحجة الفرعية، حول دور المؤسسة الأمنية التي انهارت كلياً في الحالتين التونسية والمصرية، عند أول منعطف حقيقي للثورة ، وحول دور القوات المسلحة التي وقفت خارج حالة الحياد السلبي المفترض، أمام الحالة الثورية . ولقد رفضت القوات المسلحة ، في كل من تونس ومصر، استخدام القوة المفرطة، كما أرادها له النظام الحاكم ، بل مثلت، ولو في صورة غير مباشرة، نوعاً من السياج الواقي حول حركة الثورة الشعبية في لحظات معينة ، ضمن حدود مفهومة، بطبيعة الحال، وان كنا لا نتوقع أن يتجاوز الجيش دور " الحارس " للوضع القائم في وقت معين، سواء كان هذا الوضع أكثر ميلاً إلى حفظ المعالم الأساسية للنظام الاجتماعي القديم، أو اكثر ميلاً إلى وجهة نظر القوى الثورية في التغيير " الراديكالي ".
          وتجب الإشارة هنا إلى أن ميزان القوى المتغيّر، إذا كان له أن يسمح في المستقبل بتقدم جوهري للقوى الثورية ، فإنه يمكن لهذه القوى أن تستفيد من وضعية "الحارس " التقليدية للجيش، من أجل حماية عملية التحول الثوري الديمقراطي . وفي حال استتباب وضعية الاستقرار السياسي لعدة سنوات- أدناها خمس سنوات مثلاً - فإنه يمكن تحقيق استقرار اجتماعي ديمقراطي لفترة أطول، يتم خلالها إطلاق عملية تفاعل سياسي حقيقي ، يسمح بفرز القوى السياسية المختلفة ووضعها على المحك ، تمهيداً لإجراء انتقال ديمقراطي للسلطة ، يسمح بتداول هذه السلطة من خلال عملية الانتخابات.
          وتلك بالضبط هي خلاصة الخبرة السياسية لتركيا خلال الفترة ما بين منتصف التسعينيات حتى العام 2002، حيث إن الدور الحارس للجيش، وعدم تدخله في الحياة السياسية مباشرة، على مدى عدة سنوات متصلة ، سمح بإطلاق عملية تفاعل سياسي خلاقة أتت في النهاية بحزب العدالة والتنمية ، ذي التوجه الإسلامي ، إلى السلطة في العام 2002. وقد ترتب على ذلك انتقال تركيا في وقت قياسي إلى وضع جديد متقدم ، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً . فهل يمكن أن يحدث شيء قريب من "الخيار التركي " في مصر أو في تونس خلال الفترة القادمة ؟
          هذا ما نأمله .
          ... تلك ، إذن، افتراضات ثلاثة حول العجز الديمقراطي، ودور كل من الطبقة الوسطى والقوات المسلحة ، ثبت عدم صحتها ، من واقع الخبرة الثورية الأخيرة في كل من تونس ومصر، مما يفتح الباب واسعاً أمام الآفاق التي كنا نتوقعها ونأملها في الوقت نفسه ، وهي آفاق موجة جديدة لحركة التحرير الوطني العالمية والعربية ، استئنافاً للتقاليد الثورية لحركة التحرر الوطني (القديمة) خلال الفترة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، ذلك أن الرأسمالية العالمية ، وربيبتها "الليبرالية الجديدة" في المجال الاقتصادي، و"النزعة المحافظة الجديدة" في المجال السياسي، قد تربعت على عرش النظام العالمي ، وخاصة بعد سقوط المحاور القيادية لحركة التحرر الوطني تباعاً (وفي طليعتها مصر الناصرية) منذ أواخر الستينيات حتى أواخر الثمانينيات، على رقعة (القارات الثلاث) ورديفها في شطر من شرق أوروبا والبلقان- خاصة يوغسلافيا- ثم سقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات.
          ولكن هاهي الحركة الشعبية المصرية والتونسية تفتح باباً لطالما بدا مسدوداً لحركة التحرر الوطني العالمية الجديدة على المستوى الأفريقي - الآسيوي بالذات ، وعلى المستوى العربي ، في صورة ربما مختلفة عما سبقها، من خلال تصدّر المطالبة الديمقراطية جدول أعمال الحركة الوطنية والقومية ، تمهيداً مباشراً للمطالبات التنموية ، وتجسيد أشواق العدالة الاجتماعية ، وأشواق الاستقلال في السياسة الخارجية ، ومواجهة النزعة العدوانية - العنصرية المتصاعدة للحركة الصهيونية وتجسيدها السياسي ؛ إسرائيل .
          ثانياً : الافتراضات التي ثبتت صحتها
          هناك أنواع أخرى من الافتراضات ثبتت صحتها من واقع الخبرة الثورية التونسية ، وهي ثلاثة أيضا:
          1- الافتراض الأول هو الترابط العضوي بين النمو والتنمية . فلقد اكد الفكر الاقتصادي التنموي، بصفة دائمة ، أن مجرد ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، ممثلاً في الزيادات الدورية المنتظمة لحجم الناتج المحلي الإجمالي، ليس دليلاً على حدوث تنمية اقتصادية ، ودع عنك التنمية الشاملة. فليس هناك من ضمانة تلقائية لتساقط ثمار النمو من الأعلى إلى الوسط والأسفل على مدرج الثروة والدخل والمعيشة . بعبارة أخرى ، إن النمو الاقتصادي شرط ضروري للتنمية ، أو هو بالأحرى أحد الشروط الضرورية ، ولكنه ليس بشرط كاف ، وانما يجب أن تتوفر جملة شروط أخرى متعلقة بمصادر النمو ذاتها ، وهيكل الناتج المستهدف، وهيكل توزيع الدخل والثروة ، وتركيبة السلطة أيضاً .
          وكانت قد لفتت أنظارنا، كباحثين في الاقتصاد السياسي، تلك المرتبة المتقدمة نسبياً لتونس- بين البلدان العربية والأفريقية - على مدارج المؤشرات المختلفة المبثوثة في تقارير المنظمات الدولية ، الحكومية وغير الحكومية ، المتعلقة بالنمو الاقتصادي وبالصادرات المصنعة، وبالتنافسية ، والتنمية البشرية . فما بال هذه الثورة الشعبية التونسية الناهضة التي أشعلت احتجاجاً منظماً على التفاوت الاجتماعي والمناطقي، وعلى الاحتكار العائلي للثروة والسلطة في آن معآ ؟ فقد كان نمواً بلا تنمية ، إذن، كما سبق أن نبّه الفكر الاقتصادي التنموي الاشتراكي طوال عقود.
          أما الاقتصاد المصري، فكان قد سجل معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي خلال الفترة من العام 2004 حتى أواخر العام 2008- تاريخ تفجر الأزمة المالية العالمية - تراوحت حول 7 بالمئة، بدون أن ينعكس ذلك ارتفاعاً في مستوى المعيشة أو خفضاً ملموساً في معدلات الفقر والبطالة، وخاصة "بطالة الخريجين ".
          3- الافتراض الثاني هو الترابط العضوي بين المسألة الاجتماعية والمسألة الوطنية- القومية. فهذه الحركة الشعبية المتحدثة بلسان عربي مبين، فصيحاً كان أو دارجاً ، في كل من تونس ومصر، قد أقامت توازناً معقولاً في شعاراتها ومقولاتها المبنية من لدن قادتها المتنوّعين، بين ضرورة حل معضلات المسألة الاجتماعية ، ممثلة بشكل جوهري في قضية العدالة ، واتخاذ تغيير تركيبة السلطة مدخلاً رئيسياً إلى ذلك ، وضرورة الحرية السياسية للوطن والمواطن، مع التصدّي للتطبيع مع الكيان الصهيوني .
          3- أما آخر الافتراضات التي أثبتت بوتقة الخبرة في تونس ومصر صحتها، فهو ذلك المبدأ الأساسي من مبادىء " الجدلية الاجتماعية " العتيدة ، وهو أن التغيرات الكمية، أو التغير في "الدرجة " ، تؤدي إلى تغيرات كيفية ، أو تغير في "النوع ".
          فلقد تعجبنا وتعجب الجميع تقريباً من الطابع الفجائي للتحرك الثوري على المستوى الشعبي العريض في تونس ومصر، بعد أن بدت بركة الفضاء الاجتماعي راكدة لفترات متطاولة قاربت أكثر من عقدين من الزمان في تونس ، واكثر من ثلاثة عقود في مصر. فهل من تفسير للمفاجأة السعيدة غير أن التراكمات الكمية للغضب ظلت تعتمل في النفوس، يوماً بعد يوم، إلى أن واتتها اللحظة المناسبة ، بغير ترتيب مسبق ، كأنها "المصادفة" التي تحدث عنها فلاسفة الوجود والطبيعة، والتي يتم الإفصاح عنها حين تتوافق جملة من الظروف الملائمة والشروط المناسبة، في وقت معين ، ليقع " الحادث " غير المنتظر؟
          وما هذه "المصادفة" الفلسفية التي تقع فجأة ، إلا وليدة للتراكم الكمي الذي يحدث "القطيعة" النوعية. ذلك ما جرى في تونس، انطلاقاً من "مناسبة" لم يتحسب لها أحد، ولا صاحبها بالذات، محمد بو عزيزي، الشاب (المجهول) الخارج بغتة من بين تلافيف الزمان والمكان. وجرى شيء قريب من ذلك في مصر، في مناسبة "يوم الشرطة"، في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وما أعقبها مباشرة من انفجار للعنف البوليسي في مدينة السويس، والعنف الشعبي الدفاعي من بعد .
          ولسوف يولد مثل ذلك مرة أخرى ومرات، من بين أحشاء الزمان والمكان العربيين، وحينئذ يقع "الحادث غير المنتظر"، وتقع "المصادفة" التي طال انتظارها من قبل صفوة الفلاسفة، ومن قبل "الحشد الجماهيري " في آن واحد .
          انصار
          الطليعة العربية حرية وحدة اشتراكية

          الاربعاء 6 نيسان 2011
          الآفاق المرعبة والمذهلة للثورة العربية
          منصف المرزوقي

          بدايةً نقطة نظام : ثمة من يستعملون مصطلح الثورات العربية وهو أمر لا يجوز، حيث لا مجال للحديث إلا عن الثورة العربية بالمفرد، فمما لا جدال فيه:
          - أن أسبابها واحدة وهي تسلط الفرد وحق أهله في الفساد، وحكم الأجهزة البوليسية، وخصخصة مؤسسات الدولة لخدمة الأفراد والعصابات بدل خدمة الوطن والشعب.
          - أن أهدافها واحدة، حيث لم يرفع أحد مطلب بناء دولة العمال والفلاحين أو إقامة الخلافة، وإنما اتفقت كل الشعوب على الشعار الذي رُفع في تونس وصنعاء والمنامة والقاهرة وبنغازي "الشعب يريد إسقاط النظام"، وعلى مطلب مجلس تأسيسي ودستور يضمن بناء الدولة المدنية والمجتمع الحرّ ويقطع نهائيا مع الاستبداد.
          - أن وسائلها واحدة، فكل الانتفاضات كانت سلمية وإن ووجهت برصاص المجرمين.
          - أن طبيعتها واحدة: شعبية، مدنية، شبابية، بلا قيادة مركزية وبلا أيدولوجية. أمام هذه القواسم المشتركة، أيُّ أهمية لفوارق طفيفة؟
          ليكفّ إذن البعض عن استعمال مصطلح الثورات العربية، فالأمر إما خطأ غير مقصود يصلّح، وإما موقف وإصرار واعٍ على تجزئة أمتنا ولو على صعيد التسميات كما تفعل الإدارة الأميركية، عندما ترفض للأمة وجودها متعاملة مع "الشرق الأوسط" و"شمال أفريقيا". السؤال الآن -حتى لو كانت الثورة لا تشمل لحظة كتابة هذا النص إلا ثلث الأمة- هو: إلى أين تتجه؟ وما هو مآلها في الأمد القصير والمتوسط والبعيد؟
          يمكننا التوقع بأن آثارها ستنتشر خارج حدود الوطن، وما عصبية الحكومة الصينية هذه الأيام إلا الدليل على توسّع دائرتها إلى حيث لا نتوقع. والثابت أنها ستمتد إلى كل أقطار الوطن، ولكل من يحاول مغالطة نفسه في المغرب والسعودية وسوريا أو الجزائر باستقرار نظامه، أن يتذكر أن أنظمة تونس ومصر وليبيا كان كل منها هو أيضا "مستقرا". كم صدقت الفيلسوفة الألمانية هانا أرندت عندما قالت إن خاصية الدكتاتورية أن كل شيء فيها يبدو على ما يرام إلى حدّ الربع الأخير من الساعة الأخيرة.
          الثابت أيضا أننا مثل ركاب باخرة كانت تطفو ساكنة على سطح مستنقع نتن، ثم وجدت نفسها وسط أعتى العواصف، ولا أحد قادر على التكهن في هذه اللحظة بأننا سنغرق جميعا أم سنصل برّ النجاة، ولا بطبيعة ذلك البر. هل يمكن لتجارب الشعوب التي قامت قبلنا بثورات أن تعيننا على تصور ما الذي ينتظر الثورة العربية؟ المشكلة أن هذه التجارب لا تبعث على التفاؤل، وهي تصف لنا مستقبلا قاتما وربما أخطر وأقسى مما عرفنا. لنتأمل بعض الثوابت التي تتردّد عبر التاريخ حتى تكاد تكون قوانين.
          لا بد أحيانا من زمن طويل حتى تحقق الثورة أهدافها.. هذا إن حققتها. قامت الثورة الفرنسية عام 1789 بهدف بناء مجتمع الأخوة والحرية والمساواة، أي إنشاء نظام جمهوري وديمقراطي. إلا أنه مرت أربع سنوات قبل الإطاحة بالملك، ثم عادت الدكتاتورية عبر نابليون الذي نصّب نفسه عام 1804 ليس ملكا فقط وإنما إمبراطورا، وبعده عادت الملكية عام 1814 ممثلة في لويس الثامن عشر، ثم من بعده شارل العاشر عام 1824 والذي قامت عليه ثورة 1848، ومع هذا عادت الدكتاتورية مجددا في ثوب نابليون الثالث عام 1852، ولم تنشأ الجمهورية إلا بعد هزيمة نظامه في الحرب ضد بروسيا عام 1870. قرابة قرن إذن قبل أن تتحقق أهداف الثورة الفرنسية، والأمر ليس شاذا وإنما قاعدة، وإن تباينت مدة الجزر وتوقيت عودة المدّ.
          لاتقوم ثورة إلا و قامت لها ثورة مضادة. من يفقدون السلطة لا يتبخرون ولا يذوبون كالسكر في الماء، وإنما يتراجعون خلف الستار للتآمر على قلب النظام الذي انقلب عليهم، وإن عجزوا عن الأمر بذلوا كل ما في وسعهم لعرقلة المسار الثوري وتشويهه.. هذا بالضبط ما نشاهده في تونس حيث فلول المافيات التي تركها نظام بن علي تتعاون مع فلول البوليس السياسي والحزب المنحلّ لبث الفوضى والعنف في البلاد، على أمل أن يزرعوا اليأس والندم في قلوب الناس ليترحموا حسرة على زمن الأمن في عهد دولة البوليس. أخبث الأعداء طبعا من يلتحقون بالثورة في آخر لحظة لتقويضها وإفراغها من مضمونها من الداخل، وهؤلاء داء بلا دواء. لكل ثورة ثمن باهظ.
          بغضّ النظر عن القوى الهدامة التي تحركها الثورة المضادة، فإن هناك في الثورة نفسها قوى جبارة تدفع إلى الفوضى والعنف وعدم الاستقرار. فلا بدّ بالنسبة للثوريين من مجابهة الأعداء بالمقاصل والمشانق والسجون، وآنذاك تعود الآلة الجهنمية للقمع السياسي إلى العمل مع كل مضاعفاتها الكلاسيكية، ومن أولها الالتفاف على الثوريين أنفسهم.
          عرفت الثورة الفرنسية فترة الرعب التي شهدت فيها قطع آلاف الرؤوس، ثم انتهت بقطع رؤوس القاطعين ومن أشهرهم روبسبيار ودانتون.. إنها لعنة القطة التي تأكل أطفالها. ثمة أيضا تفجر المطالب الاجتماعية والسياسية المعلقة تحت الاستبداد، وهي مطالب يستحيل على أي نظام سياسي تلبيتها.. كل هذا في ظروف تفجّر المطامح الشخصية والجهوية والحزبية -المشروعة منها وغير المشروعة- والصراعات الشريفة وغير الشريفة على السلطة. الثوار ليسوا من يجنون ثمار الثورة.
          بعد الثوريين يأتي عهد الانتهازيين، وبعد الملحمة يأتي عهد خيبة الآمال، إذ يعود فقراء سيدي بوزيد إلى فقرهم، ويعود سكان المقابر في القاهرة لمقابرهم. فلا حلول جذرية لمشاكلهم وإنما كثير من الوعود التي قد تتحقق وقد لا تتحقق. أما من تغنم الغنيمة الكبرى ففي حالتنا هي البرجوازية التي كانت تتنعم تحت الاستبداد بمستوى مادي مقبول، لكن الاستبداد بقمعه للحريات وبفساده كان يسمم حياتها. وبتخلص الوطن من الاستبداد، ها هي تضيف -بفضل تضحيات المغلوبين والمساكين- إلى حقوقها الاقتصادية والاجتماعية حقوقَها السياسية التي كانت ممنوعة منها، بينما تجد الطبقات الفقيرة نفسها حائزة على حريات سياسية لا تسمن ولا تغني من جوع.
          لقائل أن يقول "فال الله ولا فالك"، هل يجب أن ننتظر نحن أيضا قرنا من الزمن لنحقق أهداف ثورة تعِدنا بأنها ستكون زمنا طويلا من الفوضى والعنف وخيبة الأمل، والمزيد من الفرص الذهبية للانتهازيين؟ لا تعجل عليّ باللوم فهذه قراءة النصف الفارغ من الكأس. والآن لرفع المعنويات هذه قراءة النصف الملآن وفيها المنجزات الثلاثة العظمى للثورة العربية، وهي لم تتجاوز بعدُ شهرَها الثاني.
          الإنجاز العظيم الأول هو إعادة بناء الإنسان العربي، إذ فجأة وبدون مقدمات -أو هكذا يبدو- قطع الإنسان العربي مع حقبة كان فيها رعية لراعٍ. ولسائل أن يسأل: أين ذهب ذلك العربي العاجز الجبان الرعديد المحبط السلبي؟ ومن أين خرج هذا الشباب الثائر بكل شجاعته ووقاحته وتحديه؟ قد تكون الإجابة أن شطط النظام الفاسد في القمع والفساد والتزييف والاحتقار وضع الإنسان العربي أمام تحدٍّ وجودي: أكون أو لا أكون، فقرّر أن يكون.
          ونظرا لموازين القوى اختار أن يسكت دهرا مستبطنا ومفكرا ومقيّما لحظة الانقضاض على جلاديه، وكان الأغبياء يأخذون طول ترقبه لهم على أنه استكانة نهائية واستسلام شامل. يا حكام العرب الذين ما زلتم تحكمون بعقلية الماضي، ويا حكام العرب في المستقبل انتبهوا، أمامكم إنسان جديد استرجع كرامته وثقته في نفسه وشعبه ولن يسمح لأحد أن يحتقره مجددا، ولا تنسوا أن السيد من هنا فصاعدا هو من يعطي المثل لا من يعطي الأوامر.
          الإنجاز العظيم الثاني هو إعادة بناء الشعوب العربية، فالدكتاتورية لا تعيش إلا إذا نجحت في خلق غبار من الأفراد يخافون منها ويخافون من بعضهم البعض، ويمرّ الأمر بمنع كل تواصل لا تتحكم فيه الدكتاتورية. ذلك ما حاوله استبدادنا البغيض، لكن الثورة صهرت في بوتقتها الأفراد المعزولين عن بعضهم البعض وخلقت منهم مجموعة بشرية متلاحمة تثق في بعضها البعض وتواجه الموت جنبا إلى جنب، لفرض حقها في العيش الكريم. الأخطر من هذا أن هذه المجموعة التي نحتها لهيب الثورة اكتشفت قوتها وأنها قادرة على سحق الطغاة وكنسهم كما لو كانوا كدسا من القاذورات. عن هذا الاكتشاف الهائل يتولد الشعور بالفخر والاعتزاز بالانتماء.. هكذا أصبحت الثورة لحظة تأسيس جديد ستبقى في ذاكرة الأجيال القادمة عنصرا أساسيا في تكوين هوية ذلك المارد النائم بعين واحدة طوال الحقبة المظلمة: الشعب.
          الإنجاز العظيم الثالث هو إعادة بناء الأمة العربية، ولنتذكر أن الدكتاتورية بغّضت العربي إلى العربي باصطناعها خصومات الجزائري ضد المغربي والكويتي ضد العراقي واللبناني ضد السوري.. إلخ, والحال أنها لم تكن إلا معارك بين أنظمة شرسة غبية تتخاصم حول تقاسم النفوذ الشخصي، دون أدنى انتباه إلى المصلحة العامة. هي بغّضت إلى العرب حلم الوحدة العربية عندما ربطته بهذا النظام الاستبدادي أو ذاك، وهي جعلت كل عملية تقارب مستحيلة لأن الدكتاتوريات لا تتحد وإنما تتحارب، وكل دكتاتور لا همّ له إلا منع الدكتاتور الآخر من التعدي على مزرعته وقطيعه. الأخطر من هذا كله أنها بغضت إلى العرب أنفسَهم وهم يشاهدون تفككهم وعجزهم وتخلفهم وتواصل مأساتهم في ظل الاحتلال الداخلي والاحتلال الخارجي.
          كل هذا انفجر مع الثورة المباركة.. هذه الأيام لا أحد ينتبه في تونس إلى ما يجري في تونس رغم دقة الأوضاع، وكل الأعين موجهة إلى ما يجري في ليبيا الحبيبة، وقبلها كانت أيادينا على قلوبنا خوفا من انتكاسة الثورة في مصر، وفي اليمن مشى المتظاهرون ينشدون النشيد الوطني التونسي لأن فيه الأبيات الخالدة لشاعر الأمة أبو القاسم الشابي. من ينكر اليوم أننا أمة يخفق قلبها بنبض واحد، وأن قناة الجزيرة هي اليوم من يعدّل النبض على نفس الإيقاع؟! أما أن يكون لهذا المعطى تداعيات بالغة الخطورة -ومنها عودة المشروع الوحدوي بقوة- فأمر لا شك فيه.
          نعم الأحداث حبلى بدول عربية ديمقراطية تحررت من الاحتلال الداخلي وأحرزت استقلالها الثاني. وبانهيار الدكتاتوريات ستُرفع أكبر عقبة ضد التوحيد السياسي لأمة متحدة ثقافيا ووجدانيا، وستُرفع أيضا أوهام التوحيد الاستبدادي الذي كان دوما جزءا من المشكل لا من الحل. كما استطاعت أوروبا أن تتحد بعد انهيار الدكتاتوريات النازية والفاشية والشيوعية، فإن الأمة العربية ستبني على غرارها -بل وأحسن منها- اتحاد الشعوب العربية الحرة، والذي سيجعل من العرب المجموعة البشرية الثالثة بعد الهند والصين، ويعيد إليهم مكانهم في هذا الزمان.
          إن فتح الفضاء العربي من المحيط إلى الخليج لتحرك الإنسان والرساميل في ظل أنظمة تحارب الفساد والظلم، سيعطي لأمتنا حيوية ستفاجئ كل الأمم، وسيمكننا من تفادي المستقبل المظلم الذي تنبأ لنا به تقرير 2009 لمنظمة الأمم المتحدة للإنماء، بل وقد يجعلنا لاعبا أساسيا بين القوى العظمى الخمس أو الست.
          هذا ما سيعيد ترتيب شؤون العالم بكيفية لم يحسب لها كبار المخططين حسابا. منذ ثلاثين عاما وتحديدا عام 1981، صدر لي في تونس أول كتبي وعنونته "لماذا ستطأ الأقدام العربية أرض المريخ؟"، تحديا لكل من يحتقرون أمتنا سواء أكانوا من أبنائها أو من أعدائها، ودعوة للإيمان بما تزخر به من طاقات جبارة ستنفجر عاجلا أو آجلا. صحيح أننا معرّضون لأخطار الفوضى والثورة المضادة وعودة الاستبداد مرة أخرى وطول الآجال لتحقيق أهدافنا،
          لكن صحيح أيضا أننا اليوم قاب قوسين أو أدنى من هذا المريخ الذي بدا لنا يوما أملا حتى الحلم به جسارة مضحكة: مريخ الحرية والديمقراطية والتقدم، ولم لا في يوم من الأيام سنطأ المريخ الكوكب بأقدامنا وليس فقط بأحلامنا، وقد أصبحنا كما كنا أمة لا تضحك من جهلها الأمم. كان القرن الثامن عشر قرن الثورة الفرنسية والأميركية، وكان القرن العشرون قرن الثورة الروسية والصينية. أما القرن الواحد والعشرون فسيقول عنه المؤرخون إنه كان قرن الثورة العربية. هل سترفعنا هذه الثورة إلى القمم أم سترمينا في بؤر ربما تجعلنا نتحسر على ما فات كما يتحسر الشيوخ والعجائز في قرى روسيا على عهد ستالين؟
          إنه التحدي الجبار المرفوع في وجوهنا ونحن أمام واحد من أخطر مفترقات الطريق الذي تمشي عليه هذه الأمة العظيمة منذ 15 قرنا.
          قال أحمد شوقي:
          وما استعصى على قومٍ منالٌ إذا الإقدامُ كان لهم ركابا
          فلندر الظهر لطريق الفوضى والإحباط والعنف، وليكن الإقدام لنا ركابا نحو قمم المجد, فكونوا يا عربُ جديرين بمستقبلكم، وعلى موعد مع الملحمة المتجددة، محركها الثقة في الله وفي النفس وفي قدرتنا نحن أيضا على أن نأتي بما لم تستطعه الأوائل.

          تعليق

          يعمل...
          X