السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
معاناة المرأة في بلد مستعمر
إن الشعبَ الجزائري لمْ يذقْ من المر قليلاً, ولم يشرب من كأس الدماء رشفة أو رشفتين, إنما غرق في بحر الظلم والقهر والتعذيب ,وعانى الويلات من أعمال الإستعمار, فتألم رجالاً ونساءً,وتخبط في ظلمات الجهل وتقيد بالخرافات والتقاليد، واليوم حين وقفنا على اطلال ثورتنا وأبصرنا النور الذي ألقته على شعبنا، رأيت أمة تمسكت بالأخلاق، توسم فيها الصبر، وجتلت فيها صور التضحية، وكانت مثالا للشجاعة رمزا للعزم والبطولة .
إن لأجدادنا في الشرق الجزائري نصيب الأسد من معاناة الإستعمار و الإحتلال ،وكغيرنا من أهالي الجزائر تذوقنا مرارة القيود والأغلال ،فقد ضحى شبابنا وحارب رجالنا و رملت نساءنا .
ولكل واحد من أبناء الثورة قصة كتبت بدماء الشهداء، ودموع الأبرار الأتقياء، وحبر عطرته أرضنا العذراء ،ولكل من واجه مارد الخوف وكان رغم بساطته قائدا همام، قصائد ترويها التلال ،وأغاني تتلوها الجبال، وتاريخ نقشه الزمان ومنع عنه النسيان .
وإن فتحنا سجل الأبطال، وعدنا إلى الوراء حوالي 97 عاما في سنة 1922، لوجدنا ميلاد فتاة عزفت على أوتار الحياة لحنا حزينا، فتمايلت معها الأشجار والطرقات، مبروكة بنت كانت الأقدار قاسية معها إلى حد كبير، أن سلبتها كل أهلها ولم تبقى لها سوى صديق والدها السيد الطيب ،فقام العم برعايتها وتكفل بها وغدق عليها بالحنان، وكان بمثابة الاب بالنسبة لها، وتوج ذلك أن زوجها وهي لم تتجاوز9 أو10سنة، فكل الجزائريين آنذاك كانوا يقومون، بذلك خوفا من أعمال الإستعمار الوحشية والقذرة، تزوجت مبروكة بشيخ كبير في السن وإطمئن العم عليها وإرتاح باله، فقد أصبحت بنته في أياد امينة ،عاشت معه بضعة سنوات و أنجبت ولد وبنتان، وكانوا بأحسن حال ورغم قساوة العيش والزوج، وسوء تصرفاته معها ،وكبر سنه ،وزواجه من 4 نساء قبلها ،
إلا أنها مازالت تحمد الرب وتشكر،
واصلت الحياة مجراها حتى توفي زوجها، ولم يسمح له الوقت بأن يرى أطفاله وهم يكبرون وبتفتحون مثل الورود، رحل تاركاً وراءه أرملة بثلاثة أطفال لا حامي لهم إلا خالقهم.
إستمرت في العيش ونصبت خيمتها على ساحة الوغى، و أعلنت عن إنطلاق شوط الشقاء، ونمت زهورها في حقل من الأشواك .
في أحد الأيام السوداء التي لا يرى منها لا ليل ولا نهار، جاء النبأ المشؤوم بأن طريق الجيش الفرنسي يشق الأراضي التابعة لسكان المنطقة فإتفق الجميع على إخلاء المكان .
في الليلة الموعودة كان الظلام شديدا، والقمر محجوب، والأمطار غزيرة ،والطرقات مسدودة، تسلل الرجال مع أهاليهم نحو الحدود التونسية .
لتستفيق مبروكة مع طلوع الفجر، فتجد القرية خالية ’لا إنس فيها ولا جان، فبقيت تقلب كفيها، و الدمع على خديها، أسرعت متجهة إلى بيت العم الطيب، أمنته على أمتعتها وملابسها، ثم حملت أطفالها وبعض الأغراض المهمة وقارورتها الزجاجية المفضلة و إنطلقت نحو أقرب قرية في المنطقة .
أمضت اليوم بطوله وهي تمشي، أنهكها التعب ووهنت قدماها وتورمت رجلاها، وبدأت تتخلص من أغراضها شئ فشئ ،حتى وصل بها الإرهاق إلى أقصى حدوده ، عند الجسر المؤدي إلى القرية رفعت القارورة المفصلة ورمتها بكل قوتها، ثم بقيت تتأمل فتاتها لوهلة حتى تذكرت الجيوش الفرنسية، فأخذت تهرول من جديد و تجر أطفالها .
تغيرت الحياة في نظرها، فلم تعد للورود ألوان ، و لا عطر للأزهار، ولا طعم للفواكه، تغير مفتاح رؤيتها للأشياء، و الأشكال، و الأحاسيس
وتعلمت من القدر قساوته، ومن الزمن جديته ، وصارت الحكمة خليلتها، والحزن صديقها، وصلت الي مداوروش حيث لا تملك أهل ولا مال، إلا صديقتها غزالة عانت عدة أيام تجمع أشلاء كرامتها ،في ظل حماية العمة غزالة، وزوجها الذي آوى أطفالها ورعاهم ،
لكن ذلك لا يكف فمبروكة مازالت شابة جميلة، فإقترحت عليها صديقتها أن تزوجها أحد معارفها رجل تقي ووضعه مستقر، وكان ذلك عندها فتحت الدنيا لها أحضانها، وتخلل بين أناملها الشعور بالأمان ،ونامت فوق فراش الإطمئنان ،إعتني جدي بأطفالها ورعاهم، أنجبت منه بنت وولد، توفت الطفلة وبقي لها إبنها والدي، رغم أنه لم يحدثني ولم يسبق لي أن سمعت عن طريقة معاملها له، إلا اني أحس أنها كانت قاسية معه، ولم تجعله يحس بالحب والحنان اللازمين ،حيث لم يتذكر عنها شئ ولا حتي جزء صغير من وجهها.
توفيت مبروكة وهي لم تتجاوز 48 من عمرها، صار ابنها آنذاك في الثامنة .
توفيت بعد مرض شديد، أرداها عجوزاً في سن الشباب ،عانت كثيرا وكانت حياتها شاقة، أكل الشيب راسها ،وخنثها جمالها ،رغم ذلك لم نفقد شعبيتها وفكل من يتذكرها يثني عليها ويقول " سبحان الله خالقها " .
جدتي إمرأة عاشت في زمن الشقاء ، زمن لا يرحم الضعفاء، زمن أرهق كل الجزائريين و الجزائريات .
وهكذا انهيت قصة إمرأة جزائرية ، كنموذج عن المعاناة في عهد الاستعمار
وجسدت البأس الذي يعيشه الشعب، ومقدار الصبر الذي يتمتعون به، والذي جعلهم يستعيدون استقلالهم بعد قرن من الإحتلال.
فتحية العظماء لسكان الجزائر
انتظركم أساتذتي
معاناة المرأة في بلد مستعمر
إن الشعبَ الجزائري لمْ يذقْ من المر قليلاً, ولم يشرب من كأس الدماء رشفة أو رشفتين, إنما غرق في بحر الظلم والقهر والتعذيب ,وعانى الويلات من أعمال الإستعمار, فتألم رجالاً ونساءً,وتخبط في ظلمات الجهل وتقيد بالخرافات والتقاليد، واليوم حين وقفنا على اطلال ثورتنا وأبصرنا النور الذي ألقته على شعبنا، رأيت أمة تمسكت بالأخلاق، توسم فيها الصبر، وجتلت فيها صور التضحية، وكانت مثالا للشجاعة رمزا للعزم والبطولة .
إن لأجدادنا في الشرق الجزائري نصيب الأسد من معاناة الإستعمار و الإحتلال ،وكغيرنا من أهالي الجزائر تذوقنا مرارة القيود والأغلال ،فقد ضحى شبابنا وحارب رجالنا و رملت نساءنا .
ولكل واحد من أبناء الثورة قصة كتبت بدماء الشهداء، ودموع الأبرار الأتقياء، وحبر عطرته أرضنا العذراء ،ولكل من واجه مارد الخوف وكان رغم بساطته قائدا همام، قصائد ترويها التلال ،وأغاني تتلوها الجبال، وتاريخ نقشه الزمان ومنع عنه النسيان .
وإن فتحنا سجل الأبطال، وعدنا إلى الوراء حوالي 97 عاما في سنة 1922، لوجدنا ميلاد فتاة عزفت على أوتار الحياة لحنا حزينا، فتمايلت معها الأشجار والطرقات، مبروكة بنت كانت الأقدار قاسية معها إلى حد كبير، أن سلبتها كل أهلها ولم تبقى لها سوى صديق والدها السيد الطيب ،فقام العم برعايتها وتكفل بها وغدق عليها بالحنان، وكان بمثابة الاب بالنسبة لها، وتوج ذلك أن زوجها وهي لم تتجاوز9 أو10سنة، فكل الجزائريين آنذاك كانوا يقومون، بذلك خوفا من أعمال الإستعمار الوحشية والقذرة، تزوجت مبروكة بشيخ كبير في السن وإطمئن العم عليها وإرتاح باله، فقد أصبحت بنته في أياد امينة ،عاشت معه بضعة سنوات و أنجبت ولد وبنتان، وكانوا بأحسن حال ورغم قساوة العيش والزوج، وسوء تصرفاته معها ،وكبر سنه ،وزواجه من 4 نساء قبلها ،
إلا أنها مازالت تحمد الرب وتشكر،
واصلت الحياة مجراها حتى توفي زوجها، ولم يسمح له الوقت بأن يرى أطفاله وهم يكبرون وبتفتحون مثل الورود، رحل تاركاً وراءه أرملة بثلاثة أطفال لا حامي لهم إلا خالقهم.
إستمرت في العيش ونصبت خيمتها على ساحة الوغى، و أعلنت عن إنطلاق شوط الشقاء، ونمت زهورها في حقل من الأشواك .
في أحد الأيام السوداء التي لا يرى منها لا ليل ولا نهار، جاء النبأ المشؤوم بأن طريق الجيش الفرنسي يشق الأراضي التابعة لسكان المنطقة فإتفق الجميع على إخلاء المكان .
في الليلة الموعودة كان الظلام شديدا، والقمر محجوب، والأمطار غزيرة ،والطرقات مسدودة، تسلل الرجال مع أهاليهم نحو الحدود التونسية .
لتستفيق مبروكة مع طلوع الفجر، فتجد القرية خالية ’لا إنس فيها ولا جان، فبقيت تقلب كفيها، و الدمع على خديها، أسرعت متجهة إلى بيت العم الطيب، أمنته على أمتعتها وملابسها، ثم حملت أطفالها وبعض الأغراض المهمة وقارورتها الزجاجية المفضلة و إنطلقت نحو أقرب قرية في المنطقة .
أمضت اليوم بطوله وهي تمشي، أنهكها التعب ووهنت قدماها وتورمت رجلاها، وبدأت تتخلص من أغراضها شئ فشئ ،حتى وصل بها الإرهاق إلى أقصى حدوده ، عند الجسر المؤدي إلى القرية رفعت القارورة المفصلة ورمتها بكل قوتها، ثم بقيت تتأمل فتاتها لوهلة حتى تذكرت الجيوش الفرنسية، فأخذت تهرول من جديد و تجر أطفالها .
تغيرت الحياة في نظرها، فلم تعد للورود ألوان ، و لا عطر للأزهار، ولا طعم للفواكه، تغير مفتاح رؤيتها للأشياء، و الأشكال، و الأحاسيس
وتعلمت من القدر قساوته، ومن الزمن جديته ، وصارت الحكمة خليلتها، والحزن صديقها، وصلت الي مداوروش حيث لا تملك أهل ولا مال، إلا صديقتها غزالة عانت عدة أيام تجمع أشلاء كرامتها ،في ظل حماية العمة غزالة، وزوجها الذي آوى أطفالها ورعاهم ،
لكن ذلك لا يكف فمبروكة مازالت شابة جميلة، فإقترحت عليها صديقتها أن تزوجها أحد معارفها رجل تقي ووضعه مستقر، وكان ذلك عندها فتحت الدنيا لها أحضانها، وتخلل بين أناملها الشعور بالأمان ،ونامت فوق فراش الإطمئنان ،إعتني جدي بأطفالها ورعاهم، أنجبت منه بنت وولد، توفت الطفلة وبقي لها إبنها والدي، رغم أنه لم يحدثني ولم يسبق لي أن سمعت عن طريقة معاملها له، إلا اني أحس أنها كانت قاسية معه، ولم تجعله يحس بالحب والحنان اللازمين ،حيث لم يتذكر عنها شئ ولا حتي جزء صغير من وجهها.
توفيت مبروكة وهي لم تتجاوز 48 من عمرها، صار ابنها آنذاك في الثامنة .
توفيت بعد مرض شديد، أرداها عجوزاً في سن الشباب ،عانت كثيرا وكانت حياتها شاقة، أكل الشيب راسها ،وخنثها جمالها ،رغم ذلك لم نفقد شعبيتها وفكل من يتذكرها يثني عليها ويقول " سبحان الله خالقها " .
جدتي إمرأة عاشت في زمن الشقاء ، زمن لا يرحم الضعفاء، زمن أرهق كل الجزائريين و الجزائريات .
وهكذا انهيت قصة إمرأة جزائرية ، كنموذج عن المعاناة في عهد الاستعمار
وجسدت البأس الذي يعيشه الشعب، ومقدار الصبر الذي يتمتعون به، والذي جعلهم يستعيدون استقلالهم بعد قرن من الإحتلال.
فتحية العظماء لسكان الجزائر
انتظركم أساتذتي
تعليق