في بيتنا غول
وخَلَتْ إلى نفسِها في غرفة المطبخ بقلبٍ ملئ بالحزن والأسى والغضب .
لم تقلّب حلّة الطعام التي فوق النار ، ولم تتذوقه لتعرف مدى حاجته للملح كعادتها .
وظلَّ عقلها غائبا في منطقة " ال لا " شعور يًتَلَوَّى كقطعة شحم فوق سطح صفيح ساخن .
وجَدَتْ نفسها تحاول أن تتذكر اللحظة الحاسمة التي تغيّرَ فيها سلوك زوجها حتى بات
حضوره في البيت جسدا بلا روح .
هل أنا السبب ؟ قالت وهي تهمس لنفسها . لا بالعكس فأنا أحنو عليه وألبي جميع طلباته
وأعامله كزوجه وعشيقه ودلالي له كدلال الأم لإبنها .
هل هو خلو البيت من أبناءه ؟ فالذي تزوج وكوَّن أسرة خاصة به بعيدا عن أهله . والذي
هاجر سعيا وراء لقمة العيش . لا أظن أن هذا هو السبب . عادت تهمس لنفسها . فالتواصل
مع الأبناء لم ينقطع ، إمّا بالزيارات أو من خلال الاتصالات المرئية للغائبين خارج الوطن .
هل إحالته على التقاعد من العمل وشعوره أنه ما زال قادرا على المزيد من العطاء ؟ ربما .
ولكن علاقاته مع زملائه لم تتأثّر ، يتزاورون ويتسامرون .
هي الأخبار التي لا تسرّ وتبثّها جميع القنوات الفضائية بنفس الوتيرة والحماس . وكأنهم يحرضون
الشخص على كره ذاته ومنبته ودينه وقوميته . أعتقد لا ، ليس هذا هو السبب . زوجي إنسان واعٍ
ولن تنطلي عليه ألاعيب الإعلام المبرمج .
يا متعوسة يا أم هاني ، هكذا قالت لنفسها .
تفتح المواضيع وتجوب سراديبها ، وهي بغفلة عن السبب الرئيس وصاحب الحظوة الذي سرق منها زوجها .
خفق قلبها ، وتمثّلت لعينيها الصورة واضحة ، ولم تجد مشقّة تُذكر في الاهتداء إلى الدرب الذي ستسلكه
لاسترجاعه .
أنهت عملية الطبخ ، وضبضبت المواعين وهيَّأت نفسها للخروج .
كان الوقت ظهرا ويسمح بزيارة قصير إلى أم حنا زوجة رمزي صديق زوجها فوزي وتوأمه الروحي .
أدركت أم حنا حين رفضت صديقتها فتح البخت في الفنجان ، أنها ترزح تحت حمل ثقيل من الهمّ .
شعرت بسخف تصرّفها ، ولكن ما حيلتها وقد أحسَّت بوجهها ذابلا وعينيها بلا بريق .
أخشى يا أم هاني أنك تُعانين مما كنت أعانيه من إهمال رمزي لي في فترة من الفترات . ومن تغيّر
واضح في تعامله معي ومع الغير . حتى بات يا أختي ، لا يهتم لا بمظهره ولا بأكله وشربه . فقط القهوة
والدخان ، وينام في ساعات الفجر . وأهمل مصلحته التي نأكل منها عيشا ، وغدا يستلف من أبناءه
ثمن الوقود الذي يدفئنا أيام البرد . وقيمة فواتير الكهرباء والماء والتلفون . وذهابه للصلاة أيام الآحاد انقطع .
وزياراتنا ومجاملاتنا للأهل والأصدقاء باتت معدومة . " الناس أكلت وشّي يا أم هاني " .
والذي زاد الطين بلّة ، سرحانه الدائم ، والأسماء التي يخاطبني بها . تارة نجلاء وتارة ماجي وسليمى
ثم سحر ونسمة ومنيرة ومنجية ، وأسماء لا تخطر على البال . من أين يأتي بها ؟ فخفت أن يكون
قد دخل في مرحلة ما من مراحل " الزهايمر " . إلى أن هداني ربي ونوَّر لي طريقي .
ارتفع ضحك أم هاني وكادت عيناها أن تذرفا الدموع .
أكملي قالت لأم حنا . أنت تتكلمين عن حال زوجي فوزي . سبحان الله وكأنهما توأمان بالفعل .
صارحيني وساعديني لعبور هذه الأزمة .
في البداية سايَرْتُه . إلى أن عرفت منه الملتقيات والمنتديات التي يدخلها .
قمت بالتسجيل في هذه الملتقيات بأسماء مستعارة . وفي اللحظة التي يغلق فيها باب صومعته .
كنت أدخل الملتقى وألاحقه بردودي العنيفة التي تقلل من قيمة نصوصه وتسَخِّفها . إلى أن أعلن
التوبة . وعادت المياه لمجاريها . إفعلي مثلي يا أم هاني وبعد شهر نلتقي .
مرَّ الشهر بأيامه التسعة والعشرين . فنحن في شهر شباط ، والسنة كبيسة .
مرَّ كعدو السلاحف في ميدان سباق .
قامت أم حنا بزيارة صديقتها أم هاني ، لتعرف منها آخر أخبار زوجها فوزي .
بعد شرب القهوة وقراءة البخت . ناولت أم هاني ورقة لصديقتها أم حنا تسألها رأيها في
النص المكتوب كي تقرأه الليلة على رفيقاتها في الغرفة النسائية للمركز الصوتي ، للملتقى الغول ،
الذي سرق منها زوجها وسرقها معه .
وخَلَتْ إلى نفسِها في غرفة المطبخ بقلبٍ ملئ بالحزن والأسى والغضب .
لم تقلّب حلّة الطعام التي فوق النار ، ولم تتذوقه لتعرف مدى حاجته للملح كعادتها .
وظلَّ عقلها غائبا في منطقة " ال لا " شعور يًتَلَوَّى كقطعة شحم فوق سطح صفيح ساخن .
وجَدَتْ نفسها تحاول أن تتذكر اللحظة الحاسمة التي تغيّرَ فيها سلوك زوجها حتى بات
حضوره في البيت جسدا بلا روح .
هل أنا السبب ؟ قالت وهي تهمس لنفسها . لا بالعكس فأنا أحنو عليه وألبي جميع طلباته
وأعامله كزوجه وعشيقه ودلالي له كدلال الأم لإبنها .
هل هو خلو البيت من أبناءه ؟ فالذي تزوج وكوَّن أسرة خاصة به بعيدا عن أهله . والذي
هاجر سعيا وراء لقمة العيش . لا أظن أن هذا هو السبب . عادت تهمس لنفسها . فالتواصل
مع الأبناء لم ينقطع ، إمّا بالزيارات أو من خلال الاتصالات المرئية للغائبين خارج الوطن .
هل إحالته على التقاعد من العمل وشعوره أنه ما زال قادرا على المزيد من العطاء ؟ ربما .
ولكن علاقاته مع زملائه لم تتأثّر ، يتزاورون ويتسامرون .
هي الأخبار التي لا تسرّ وتبثّها جميع القنوات الفضائية بنفس الوتيرة والحماس . وكأنهم يحرضون
الشخص على كره ذاته ومنبته ودينه وقوميته . أعتقد لا ، ليس هذا هو السبب . زوجي إنسان واعٍ
ولن تنطلي عليه ألاعيب الإعلام المبرمج .
يا متعوسة يا أم هاني ، هكذا قالت لنفسها .
تفتح المواضيع وتجوب سراديبها ، وهي بغفلة عن السبب الرئيس وصاحب الحظوة الذي سرق منها زوجها .
خفق قلبها ، وتمثّلت لعينيها الصورة واضحة ، ولم تجد مشقّة تُذكر في الاهتداء إلى الدرب الذي ستسلكه
لاسترجاعه .
أنهت عملية الطبخ ، وضبضبت المواعين وهيَّأت نفسها للخروج .
كان الوقت ظهرا ويسمح بزيارة قصير إلى أم حنا زوجة رمزي صديق زوجها فوزي وتوأمه الروحي .
أدركت أم حنا حين رفضت صديقتها فتح البخت في الفنجان ، أنها ترزح تحت حمل ثقيل من الهمّ .
شعرت بسخف تصرّفها ، ولكن ما حيلتها وقد أحسَّت بوجهها ذابلا وعينيها بلا بريق .
أخشى يا أم هاني أنك تُعانين مما كنت أعانيه من إهمال رمزي لي في فترة من الفترات . ومن تغيّر
واضح في تعامله معي ومع الغير . حتى بات يا أختي ، لا يهتم لا بمظهره ولا بأكله وشربه . فقط القهوة
والدخان ، وينام في ساعات الفجر . وأهمل مصلحته التي نأكل منها عيشا ، وغدا يستلف من أبناءه
ثمن الوقود الذي يدفئنا أيام البرد . وقيمة فواتير الكهرباء والماء والتلفون . وذهابه للصلاة أيام الآحاد انقطع .
وزياراتنا ومجاملاتنا للأهل والأصدقاء باتت معدومة . " الناس أكلت وشّي يا أم هاني " .
والذي زاد الطين بلّة ، سرحانه الدائم ، والأسماء التي يخاطبني بها . تارة نجلاء وتارة ماجي وسليمى
ثم سحر ونسمة ومنيرة ومنجية ، وأسماء لا تخطر على البال . من أين يأتي بها ؟ فخفت أن يكون
قد دخل في مرحلة ما من مراحل " الزهايمر " . إلى أن هداني ربي ونوَّر لي طريقي .
ارتفع ضحك أم هاني وكادت عيناها أن تذرفا الدموع .
أكملي قالت لأم حنا . أنت تتكلمين عن حال زوجي فوزي . سبحان الله وكأنهما توأمان بالفعل .
صارحيني وساعديني لعبور هذه الأزمة .
في البداية سايَرْتُه . إلى أن عرفت منه الملتقيات والمنتديات التي يدخلها .
قمت بالتسجيل في هذه الملتقيات بأسماء مستعارة . وفي اللحظة التي يغلق فيها باب صومعته .
كنت أدخل الملتقى وألاحقه بردودي العنيفة التي تقلل من قيمة نصوصه وتسَخِّفها . إلى أن أعلن
التوبة . وعادت المياه لمجاريها . إفعلي مثلي يا أم هاني وبعد شهر نلتقي .
مرَّ الشهر بأيامه التسعة والعشرين . فنحن في شهر شباط ، والسنة كبيسة .
مرَّ كعدو السلاحف في ميدان سباق .
قامت أم حنا بزيارة صديقتها أم هاني ، لتعرف منها آخر أخبار زوجها فوزي .
بعد شرب القهوة وقراءة البخت . ناولت أم هاني ورقة لصديقتها أم حنا تسألها رأيها في
النص المكتوب كي تقرأه الليلة على رفيقاتها في الغرفة النسائية للمركز الصوتي ، للملتقى الغول ،
الذي سرق منها زوجها وسرقها معه .
تعليق