ملامح الخريف تكتسحني بعد أن جفّّت روحي أوان ربيع العمر، حزن عميق تسبب بالداء ّوأوهى الجسد، الوحدة أغرقتني في بحورها والذكريات تعتصرني، لا مؤنس لي إلا التلفاز، مللّت السماع أريد التكلم، الأحبة غادروا ولم يبق لي وليف أناجيه.
قلت: وشبابي الذي ارتشفت رحيقه، أتتركني وحيدة في زمهريرنهايات العمر؟ ردّ متعاليا: رافقتني مشوار الحياة وأحسنت معاملتك، واستمتعت بأموالي، ونفقتُك ستصلك.
: لم تكن غايتي أموالك وضحيّت بأمومتي لأجلك، رأيت فيك أغلى الأحبة، أتغادرني وفي الروح تتماوج الغصات، أجاب بأنانية افترستني: الهرم يقتحمك، واستطيع بأموالي أمتلاك أجمل صبيّة.
تركني أتسربل بالأحلام الهاربة وأنزلق بحركة انهزامية مستكينة في مقعدي حتى انصهرت في احتراق ذاتي، تمنيت لو يعود يوما، ما اخترت حبيبا غيره، كلماته ما زالت تدفئ صقيع وحدتي تذكرني بما كان، أفتقده كثيرا، كم انتظرته بأشواق كلّ المحبين، كم تلسعني نفسي حين تجبرني على نسيانه، وتجاهل وجوده في حياتي لكنّه نبت يانع في مخيلتي، أتمنى أن يتركها للحظات لأني أتوق إلى نفسي، واستمرار حياتي.
رنين الهاتف يوقظني من شرودي وضياعي في دوامة الذكريات.
:ألو، من المتكلم ؟
: ليلى، أرجوك كلّميني لا تقفلي الهاتف.
: لست ليلى، يبدو أنّ الرقم خطأ، ابحث عن ليلاك في غير هذا الهاتف.
: لكنّ صوتك صوت ليلى، لم تنكرين نفسك؟ لم أنسَ رقة صوتك. (أقفلت الهاتف)
مسكين هذا الشاب التبس عليه الأمر بسبب رقة صوتي ونعومة لكنتي، كثيرا ما يُعتقد أني شابّة أثناء الحوارالهاتفيّ، ضحكت من تدابيرالزمن، كيف شملت الشيخوخة كلّ ّمافيّ وتجاوزت سهوا عن حنجرتي.
وتردد الرنين: ألو لم نتعارف إلا بالأمسِ، لم تهربين مني؟ دعينا نتكلم، لن تخسري شيئا، أرجوكِ .
هتفت لي نفسي: هو كلام عابر تكلمي حتى لا يخنقك الصمت بأنينه.
قال بعذوبة :اسمك ليلى، هذا اسم جميل رقيق،وصوتك شجيّ يهب لي راحة نفسيّة.
أجبته : وأنا أحب هذا الاسم، وأشهر ليلى في تراثنا أوصلتْ قيساً إلى هاوية الجنون.
: بداية صعبة، ولكنّ قيسا جنّ من الحب وهذا موقف لصالح ليلى.
: قيس جنّ من الهوى ،واستمتعنا بشعره،لإنه أجمل ما قيل في وفاء الحبيب.
: لم أقرأ شعره، لكني أحبّ شعر نزار قباني والسيّاب ،وأنا اسمي...
قاطعتُه:انتهى، لا تقل اسمك يسرني أن يكون اسمك قيسا رمزالوفاء والإخلاص.
:هذه بداية تعارف مذهلة ومبشرة بالخير، هل أنت جميلة مثل ليلى، دعيني أتخيل لون عينيك، ملامحك الجذابة وو... كأنّ كلماته صدى لكلمات سمعتها من زمن بعيد وخلتها تمدّ لسانها ساخرة مني، كلّه كذب، كذب، ضحكت حتى غرقت عيناي في دمع حزين ولم يدرك عمق مأساتي.
: لو لم تكن ليلى بهية الطلّة لما أحبها قيس والشعراء يهوون الجمال ويبحثون عن إلهام أشعارهم في قصة حبّ.
:منطق سليم، وقد تكون قبيحة والمثل يقول " حب حبيبك لو كان عبدا أسود"، لكن لم أسألك، كم عمرك،ما لونك المفضل؟ وكثرت الأسئلة...
تأففت قائلة: ليس ضروريا كل ما تسأل، المهم أن يكون بيننا تفاهم وها نحن نتكلم ونتسلى كما رغبت... اليوم كفانا كلاما.
تتابعت الأيام واستمرت المكالمات، حتى أميزه اخترت رنة تناسب السياق "يا مجنون مش أنا ليلى ولا بنسمة هواك مايلة" كانت الأحاديث كلّ مرة تأخذ منحى جديدا وفي كافة المواضيع العامة، وأدمنا الحوار هاتفيا.
عاد الرنين :مللت الحديث عن المواضيع العامة، وأصبحت ملاصقة لروحي، أريد معرفة كلّ شيء عنك.
قلت: نحن أصدقاء فقط وهذا تجاوزلا أقبله.
ردّ متلعثما: اسمحي لي أن أوجه لك بعض الأسئلة التي تتعلق بمواصفاتك، إن أعجبك السؤال أجيبي أواصمتي، لكني لا أحبّ صمتك.
أعجبتني الفكرة، تناولت صورة لي نفضت عنها غبار الزمن، وأخذت أجيب عن الأسئلة بعد أن أتحقق من ملامحي أيام الصبا،.يوم كانت السعادة تبرق في ملامحي جاذبية و جمالا .
: تأكدي أن كلّ الصفات التي ذكرتها تشبه ما أتمناه في فتاة أحلامي .
غرقت في الضحك الباكي، وبدأت الأسئلة تتعمق إلى الصفات السلوكيّة والطباع .
رددت بوهن: أنا هادئة جدا،مطيعة،مخلصة،متعاونة مستعدة أن أتنازل عن أغلى احتياجاتي وعمّا يمس كرامتي في سبيل إرضاء الطرف الآخ.
ضحك فرحا: أنا أحبكِ واخترت أن تكوني رفيقة دربي، انهيت المكالمة.
ضحكت ساخرة من تناقضات الوعد وصارالحزن، شردت بفكري، كيف له أن يحبني دون أن يراني، هل أحب روحي وإيقاع كلماتي؟ تذكرت كيف أحبّ جبران خليل جبران مي زيادة بالمراسلة دون أن يلتقيا،هل هي أقدار! ظلال الكلمات ذاتها كتبت لي أيام الصبّا في رسالة حبّ استقرت في كتاب، وعدت بالذاكرة إلى ذاك الزمان، يوم كنت انتظر رسالته، لا أقبل على قراءة الكلمات بل أتركها لأعيش حالة الشوق واللهفة وما فيها من دفقات عشقه.
عاد الرنين: اشتقت إليك، أمستعدة أن نتعاون لبناء المستقبل معا، سأهيئ لك كلّ سبل السعادة ؟
: لا يمكن، ستستقرمعها داخل مركبة المستقبل وتتركني على الرصيف.
: عمن تتكلمين ؟ أحيانا لا أفهمك !
:لاشيء ،يبدو أن أسلاك الزمن تتضارب في مخيلتي .
: أنا عصبي جدا هل تتحملين؟وأحيانا أنانيّ ،لكنّي أقدر المرأة المطيعة.
: أفهم هذا، وعندي استعداد للتضحية من أجله حتى لو كنت مظلومة .
: ماذا ؟ من تقصدين ؟ الكلام لا يصل واضحا وغير مفهوم.
: لا شيء، سقطات كلم .
: أنت أميرة زماني و فخر لي ووو.. وستتمتعين بالسعادة معي.
: أو ذرات التعاسة التي تخنقني في وحدتي بين الجدران وهو معها .
: أيّ جدران هذه، ومن هو ؟ أرجوك، يجب أن نلتقي.
: هذا أمر مستحيل ومخيف، كيف ألقاك؟
: من أي شيء تخافين، إن رفضت سأغضب، بل سأنتحر.
: لا، لا تنتحر خسارة على شبابك، ومكسب لامرأة تنجو من قمع رجل.
: أحيانا لا أفهم ما تقولين.
: هذيان شبكة ضعيفة، أعطني فرصة للتفكير وسأتصل بك.
ومرت أيام وهاتفته :فكّرت، سنلتقي ولكن أنا أحدد المكان خارج الزمان، أنت تعرف شارع الجامعة،عند يمين الشارع انتظرني عند الشجرة الخامسة في الساعة الخامسة وهناك نتفق، سأرتدي تنورة بيضاء وبلوزة زهريّة وحذائي أبيض كعبه رنان، شعري كستنائي اللون متماوج بنعومة طويل كساعات السأم، مستلقيا بدلال على ظهري، عيناي لونهما يحاكي صفرة ضوء الشمس لحظة غروب خريفيّة .
قال بلهفة : كما تشائين،وأنا في الانتظار وعلى أحرّ من الجمر.
ارتديت عباءتي السوداء وأسدلت على شعري الرماديّ شالا أبيض، وحشرت قدميّ في خفّ زاحف، ذهبت متثاقلة للّقاء، رأيته من بعيد، مكتوف اليدين، عيونه تائهة تبحث عن صبية حفظ مواصفاتها عن ظهر قلب، هذا المكان أعرفه، تحدد قدري فيه منذ زمن بعيد، خيالي صوّر لي فتاة قادمة تتهادى في تنورتها البيضاء، وبلوزتها الزهريّة وشعرها يتطاير بدلال على كتفيها، خلت السنين تجلدني، لتقول لها: ارجعي، هذا الرجل لا يحمل لك إلا الأسى، أرجوك ارجعي قبل فوات الأوان، قبل أن يكتب حظك المؤلم، اتركيه ينتظر، مررت من أمامه وتعمّدت التعثر، ساعدني وأجلسني على المقعد : استريحي يا خالة، إني انتظر رفيقة دربي، ابتهلي لله أن ألتقي بها، رفعت يديّ وتمتمت بصوت خفيض: ليتها لا تأتي، لو تعرف كم العذاب الذي ينتظرها لما أتت، وتركته ينتظر سرابا، وعدت لأغوص في سرابي وانقطع خيط الحلم السرمدي واختزلت الذكريات التي تتضارب في لجة غاضبة وغصت في سرابي كشجرة بلا جذور، سرابه من خلفي وسرابك أمامي، ويممت برد عزلتي وأنا أردد : ليتها لا تأتي حبيبتك، ليتها لا تأتي حبيبتك، ليتها لم تأتِ ذاك الزمان، ورميت شريحة هاتفي في أقبية النسيان، وغاب في الزحام.
تعليق